تابعنا على فيسبوك وتويتر

ديزي الأمير: كتابات صامتة والصوت ينمو بمفردها
أكد الجبوري
تكتب بصمت٬ كلماتها تفعل كل شيء. الصوت حلم فيها ينمو٬ بمفردات الربيع تفعل شيئا٬ والأزهار تنمو بمفردها.(إشبيليا ـ ٢٠١٨).
كانت كاتباتها تؤكد ما لاح لها في مرحلة حرجة من القراءات لمتناول الفلسفة٬ مثار أهتمام عام في البداية٬ لأن في عقود نهضة عربية تجدد فيها متخيل خطاب الأنفتاح في بداية الخمسينات٬ والإنكسار في الستينات تحديدا٬ ما أثار كتاباتها تنحو بحس وجدانية الفلسفة حصرا٬ بين مرحلة تضخيم المد التاصري وحركات اليسات والتحرر حتى نكسة حزيران من جانب٬ والأخرى النتائج التي جاءت إثر تأثير الأنتفاضة الطلابية في باريس ١٩٦٨ على الشارع العربي من ردود فعل ثقافية عاطفية راعشة٬ فقط أثارتها بتجديد الأنساق الفلسفية الكبرى وخلق التمرد المقابل بأمل :”أنا” مخالف. لأعتبار الأولى تجاهلت تأثير فنون الأدب بكشفها النقدي عن الأخطاء في تطبيق الشعارات الملعلعة. لكنها ـ حال عام ـ كانت الكاتبة مع المرحلة حينئذ من التفاؤل إلى الإنكسار٬ دافعة :الأنا” عن لفض التفاؤل العام المفرط جانبا٬ والنظر إلى المصير الموحش ـأخذة عبء القراءات مع الواقع نحو القراءات الفلسفية الفرنسية فردية وجودية ـ كتابات سارتر وفوكو …إلخ٬ بالإضافة إلى أقحام المد الثقافي الألماني “النيتشوي” عن قوة الإرادة٬ وهذا ما حدا بالكاتبة ٬ أو٬ بمثقفوا تلك المرحلة ـ بأعتقادي ـ بنظرة موازية لمسار الثقافة في أسلوب التغيير بالكتابة٬ وتوجه أبنيتها الثقافية للشارع حينئذ٬ بذا ما عكس رسوخ التمرد بصبغة احباط متخيله تيهه في أبرة الاتجاهات لمرحلة خطرة في صميم كتاباتها أيضا.

كانت ملامح ما تقرأ واضحا وجليا بتأثيرات نيتشه عن تلك المرحلة٬ بعد نكسة الخامس من حزيران ١٩٦٧ ٬ التي أتسعت فجوة النخبة الثقافية في مآلاتها بحثا عن البديل٬ وعندما كانت المرحلة بقدر حملها الثقيل جاء معبرة عنها الكاتبة بعمق وأخلاص ضمن محتوى وأطر ما حملته من عصف في التغيير اللايقيني واللاعقلاني٬ مناخات فكرية يسود رؤياها الفلسفية “العدمية والوجودية” بشكل ملفت وصارخ؛ لافكار شوبينهور٬ نيتشوية٬ وجمع ما يرمي على ادب اللامعقول ووو إلخ. بل نلاحظ قراءاتها لفلاسفة ـ جادين ـ أيضا بريخت/غرامشي/إلتوسير أو كولن ويلسن … من غمرتها. وحين نلاحظ تأثير نتائج توقف وتغير مسار دراسة مريدي هذا الاتجاه الفلسفي الثقافي٬ أخذت تتسع لحظتها تغيير المتخيل عن الايمان بها٬ بدأت تأثيرات نيتشه واضحة وباردة٬ . لها منسوب محمول المرحلة يتصاعد بمناسبة القلق الثقافي العام٬ وتلك ميزة حسنة٬ أدركت أنه لم يكن أنها٬ أي انسجامها “الأنوي” مع المرحلة ونتائجها الشاقة٬ ليست لها مخرة لرافع يجعلها مرفوعة٬ ما أنعطفت بريح شاذة وشدية الغرابة أأتلافها٬ أو اخضاعها للإنسجام٬ بل ككاتبة حريصة على وجهة نظرها الثقافية والفكرية٬ لم تستسلم بسهولة٬ لكن المقاومة من السقوط والسير مع القطيع كان كلفتهة باهضة عليها٬ ككاتبة ومثقفة وإنسانة وهذا الأهم٬ كانت التأثير أكثر من ذلك خلط الواقع بكتاباتها عكس بكتابتها شخصيات مزاجية حادة الطباع ـ وهذه المزاجية عبرت عنها المتغيرات الاجتماعية للناس عامة٬ بمواجهة ما لحقها من تصدعات موجعة٬ ولحق جراءها من أنعكاس مباشر على المستوى الثقافي الدولي والأقليمي والمحلي العربي عن شعارات كانت تأمل فيها النجاة٬ ولكن ليس هذا التخبط العام كان مربكا من حيث الإطار المنهجي٬ الذي تصدع المحتوى فيه وتهمش. فبينت آونتها وأخرى كانت قراءة منها أيضا٬ لكن حقيقة لم تعد لها تمكن بأفعال أكثر أحباطا مما تراه وتتلمسه٬ بل العزلة/الغربة لها كانت نجاة رغم قساوتها. عملت لها أكثر أصالة في المراجعة والتصنيف ـ في أعتقادي ـ من حيث التعبير عن الأشياء بمسمياتها٬ تعليق على الأراء السائدة من رسائل وكتابات٬ أي هي في أعمالها سجينة رؤيتها. في توصيف أفعال شخوصها٬ ترى أنها ممتحنة إنسانيا٬ في تصورا معالجة “الضمير” المأزوم٬ المسكين٬ المريض٬ المجروح٬ تماما على عكس كل ما أدعت نفسها لبواكيرها الأولى٬ من فرح الأيمان “بشعارات التحرر” العملي.

تظهر كتاباتها في رحلة من “مثالب” لتلك الولادة لحريتها٬ مثالب مرحلة كانت٬ وتوقفت عن قراءتها “بملل وجودي حاد”٬ لانها وجدتها أفراطا سادجا لوجوديتها “الأنوية”.

رغم المبالغة في بعض المواقف لشيء ما٬ أجل هناك أفراط فهمها الحسن بالمتخيل المرتقب القادم. السبب هو تلك الرؤية المشحونة حول “نيتشوية ـ الفعل” أو أحياء إرادة القوة بذلك القادم. لقد ألزمن نفسها بتلك الرؤية الهائلة٬ ضمن المتخيل المتعالي للحرية الفردية والتغيير الجمعي٬ لأنه كان أحساس عديم النفع بشكل مثير للأبتزاز والشفقة٬ بيد أن كل أسسها كانت تشير إلى مرحلة شعارات خاطئة ـ إثقافية حماسيةـ تزود المتخيل التلقيني من الآخر عن الأنا افاعلة والمركبة٬ التي لا وجود مستقل لها٬ فيما بعد. عملها الأدبي شاق حد جنون العظمة٬ لا توصفه بالأنغلاق والهيام المتعالي الهش. عندما نقرأ بتمعن حوارات شخوصها٬ وتوصيف التصورات التي تتناولها في نفس الفترة نرى أنها تعبر عن مرحلة عامة مفتوحة٬ وخاصة مغلقة تؤشر عنها جديرة بالشفقة٬ وهذا الجو المشحون باللامعقول هي ليست منه استثناء٬ بل وشيئ مؤثر فعلا٬ إنها كما لو كانت لشخصية من شخصيات ديستويفسكي أو تشيكوف. كانت مغلقة ومتعلقة به في شبابها وعنفوان عطاءها ٬ ولكن ليس بعد ذلك. إنها كاتبة مهمة إضافة إلى أنها ذو أسلوب رفيع مشوق ورائع.

مع ذلك عادة ما يقارنها النقاد بها هو النيتشويه أو الوجودية المفرطة٬ ما تعكس للقائلين عنها أنها تتبع آثارهم٬ وهذا أمر غير دقيق٬ ويمكن نفيه٬ وما يلزمني أعتقاد به٬ هو أن ذلك ضار مهين٬ حين أقرأ عن أحد بتخريجة جازفة وجارحة الوصف٬ عبثا. لكن من الواضح أن طريقتها في الكتابة أثرت فيها. كانت لديها مجموعة أشياء لمواقف لم يكن لدى الآخرين جرأة لا من المثقفات أو المثقفين الوضوح فيها٬ كانت شجاعة ومقدامة في رأيها٬ إن شأتم. لأنها تدلل على الشغف مروءة في قرأتها من الكتاب الألمان والفرنسين من أفكار. وهذا مهم جدا بالنسبة لكل مبدعة.

وأخيرا٬ أنها تمثل شغف الفعل المجاني الذي قاومته بالالتزام٬ من الاستقرار الدرامي إلى مذكرات التمرد الشخصية… إلى التجوال القلق٬ في هذا الإطار تكمن المشقة لأديبة عراقية رائعة الذي سعدت القارىء بكتاباتها ومحنة أفكار وجلد تجوالها الفاعل بالالتزام والتمرد٬ أنها الأديبة العراقية التي أفردت الصفحات عرضة منجزاتها الادبية المحدودة بمد كتابات وأعمال نقدية تثريها غنى.

أكد الجبوري ـ باريس
7.12.18


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"