تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
من المؤسف أن تمر الذكرى السنوية لرحيل شيخ النقاد الدكتور “علي جواد الطاهر” من دون الإحتفاء بمنجزه النقدي العلمي وتراثه البحثي وهو “الطاهر” تربويا وعلميا. ويسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تُعدّ هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات ووثائق وصور.

4- الثقافية بوصفها ساحة اشتغال فكر الطاهر النقدي:
إن المثل الأعلى للأدب- عند الطاهر- بَعْديّ مستقبلي، إذ يوازَن الجديد بالمعاصر والسابق له، مما اعتُرف بقيمته الفنية للكشف عن مدى تحقيقه خطوة متقدمة نحو تحقيق ذلك المثل، و”لا بد من أن يولد الأدب المنتظر… الأدب الكبير”( ).
ولذلك كان الطاهر- حينما يتناول نصا معاصرا- “يحبذ(شيئا) هنا، ويتحمس له، فيهتف من الأعماق مرحّبا… ويرفض(شيئا) آخر منه؛ لأنه لم يرضَه على النحو الذي تتشكّل فيه(الصورة المثلى) لعمل كهذا في ذهنه”( ).
وهذه المستقبلية كانت وراء قوله عن رواية(الرجع البعيد) لفؤاد التكرلي، في عام 1981:”هي أجود رواية عراقية حتى الساعة”( ).
ان الصورة النموذجية المتشكّلة في ذهن الطاهر- وإن استندت إلى نماذج عالية الطبقة- تستند إلى ما لم يولد بعد، وهذا ما يفسّر سمة الانتظار المقترن باليأس، أو التفاؤل، التي عُرف بها الطاهر قولا وكتابة وتصرّفا، ويفسّر دعوته إلى الابتعاد عن التقليد، على أساس أن النموذج في الجديد الآتي، لا في القديم الماضي. بعبارة أخرى: الصورة المثلى للأشخاص والظواهر والنصوص- في ذهن الطاهر- في المستقبل، وليس في الماضي. وقد يفسر هذا سمة(الرومانتيكية) التي تظهر في كتابات الطاهر، فرارا من جفاف الواقع في شتى أصعدته، وتوقا إلى المستقبل( ).
وقد كانت الموسوعية التي يؤازر فيها ما يُعنى به بعضه بعضا، وسعة الثقافة التي سيطر عليها الطاهر، أداتين للقبض على ذلك المثل المنتظر.
وقد شفعت له موهبته الضخمة؛ تلك التي يستطيع بوساطتها الشخص التجويد في أكثر من اتجاه( )، في تعدد آفاق عنايته تعددا مستندا إلى حاسّة نقدية. فتاريخ الأدب- عند الطاهر- “لا يخلو من نقد أدبي[…] والحاسّة الناقدة حاضرة في كتب توجيهية في الدرس والتأليف[…] وتأخذ الحاسّة الناقدة مسيرة أخرى، علمية[…[ ولكنه العلم الذي يقوم على حرص صاحبه في خدمة الحقيقة، والدعوة إلى الدقة لدى القول، والتثبّت لدى الحديث”( )، ومستندا- أيضا- إلى انصراف خاص، فهو يقول: “التوزع الحاصل في أي موضوع من الموضوعات كنت انصرف لإنجازها انصرافا تاما، كأن لا يوجد شيء آخر”( )، ويؤكد أن التوزيع إذا كان قد قلّل من كمّ النقد، فإنه خدم كيف النقد بطريقة تجعل التوزيع تكاملا( ).
إننا نرى هذا التوزع، وذلك الانصراف، وقبلهما التكامل، عناصر في توجه ثقافي واحد، أي أن الطاهر لم يكن متشعبا، أو متشتتا- في حقيقة الأمر- وإنما يبحث عن أشياء معينة في آفاق متعددة تقع في ضمن الساحة الثقافية التي اختارها نفسه لنفسه ميدانا لتحركاته، بغية كشف القيمة الثقافية فيها؛ تلك القيمة التي تستند إليها نهضة البلاد العربية. وقد اتخذ الصحافة- في أغلب الأحيان- منبرا لبثّ تلك الكشوف، لارتباط الصحافة- في أغلب الأحيان- بالوطنية( ) التي ما فتئ ينادي بها، ويدعو إلى إدراك قيمتها. بعبارة أخرى: إنه يبحث عن ملمح ثقافي في الآفاق كلها التي يطرقها. إنه يبحث عنه في النقد الأدبي، مثلما يبحث عنه في نقد التحقيق أو التأليف أو الترجمة أو غير ذلك. إنه يبحث عنه في نقده للقصة، مثلما يبحث عنه في نقده للقصيدة أو للمسرحية أو للمقالة. وهذا ما يجعلنا نؤكد أنه كان مفكرا نقديا وناقدا ثقافيا أكثر- بكثير- منه ناقدا أدبيا. وهذا ما يعطيه قيمة أكبر، وريادة أعرق، وثأثيرا أشمل.
الوعي النقدي الثقافي الذي يتسم به فكر الطاهر- بحسب ما نتصور- هو الخيط الرابط المهيمن الممتد في كتابات الطاهر كلها، على اختلافها، وهذا ما يجعل منها وحدة واحدة يسند بعضها بعضا، ويفسّره. وقد ألمح الطاهر بطرف خفي إلى أن توزّع كتاباته وتنوّعها كان توزيعا وتنويعا بين هموم ثقافية( ).
هكذا تكون خدمة الثقافة، وراء تعدّد الآفاق الثقافية التي طرقها، ووراء عمومية القراء الذين توجّه لهم، الذين يمكن أن نصف الواحد منهم أنه طالب الثقافة العامة. وقد نبه الطاهر إلى هذا(الطالب) منذ وقت مبكر، فقد قال في مقدمة(مقالات): “ولو أراد المؤلف أن يثقل لأثقل، وله في شعر العصر السلجوقي وشعرائه خير شاهد، فلقد سبق له أن ألّف ونشر في هذا الموضوع، ورأى ثقل المادة على سامعها وقارئها، ورأى الضيق والبرم والنفور. لذلك عاد فاعتصر تلك المادة، واستخرج منها مقالات وأحاديث، وقدمها أسلس قيادا، وأخف ظلا، وأجدى لغير المتخصص وطالب الثقافة العامة”( ).
إن الخدمة الثقافية( ) – إذا- وراء هذه الشمولية في المنقود، ووراء هذه الشمولية للقرّاء، ووراء عنصر الهيمنة الواضحة في العناية بالجنس السائد، والتوجه الأدبي السائد، بما يجعله ابن عصره، وفوق عصره، وبما يجعله راكبا الموجة الكبيرة، تاركا الموجات الصغيرة تبتلعها تلك الموجة، وتمتص رحيقها لتقدّمه إلى القرّاء كلهم، لا إلى طبقة معينة. وقد حاول الطاهر- كما حاول محمود الربداوي في كتابه(دراسات في اللغة والأدب والحضارة)، وكما قال الطاهر نفسه عنه- “أن ييسّر مادته، ويجتذب إليها عامة القراء”( ).
لقد أراد الطاهر- كما نتصور- أن يردم الهوّة بين ثقافة الجمهور وثقافة النخبة؛ تلك الهوة التي تمزّق وحدة الثقافة والهوية، مستخدما الصحافة وسيلة فاعلة في ذلك. فهو يرى في نشر المكتوب في الصحافة فرصة للاطمئنان إلى الصحيح، وإلى التصحيح الذي يخدم الكاتب الأول والقراء( )، متيقنا أن ما يراد من الصحافة هو التغيير والدعوة إلى الأحسن( ). لقد كان “واحدا ممن صاغوا مرحلة هامّة من مراحل الحياة الثقافية في الوطن العربي[…] إن إنتاجه الإبداعي والنقدي والعلمي والفكري هو لصالح الأمة العربية. […] كلماته تصل إلى كل المثقفين في هذه الاقطار، وتدخل بلا استئذان، وتجد الحفاوة من كل قارئ عربي”( ).
لقد كان الطاهر “مدرسة ثقافية، فهو أستاذ أجيال يعطي ويؤثر ويغيّر، ويستقطب تلامذة ومريدين من غير منّة”( )، وكان لأحاديثه “طعم خاص، ونكهة خاصة؛ وذلك لما تمتاز به من تشخيص ذكيّ لواقع الحركة الثقافية. فهو ما زال[في وقت بثّ هذا الكلام] ذلك الرجل الدؤوب الذي لا يكلّ ولا يملّ من متابعة آخر الإصدارات، وآخر ما تكتبه الصحف والمجلات الثقافية في العراق والوطن العربي، لذلك يشكّل الحوار معه مسحا بونوراميا لخارطة الثقافة العراقية”( ). وكيف لا يكون كذلك وأبواب ميدانه الأوسع(الأدب) هي “تاريخ الأدب والسيرة والتحقيق والترجمة والنقد الأدبي نظريا وعمليا والمقالة”( )؟! ألم يقل عن محفزات كتابة مقالات(الباب الضيق: “دونك ما هو بمستطاعك، على ألا تمتدّ خارج ما هو لك من ميدان. والهموم الصغيرة كثيرة في حياتنا الثقافية، وفي الحياة الأدبية على وجه الخصوص”( ).
لقد كان تيسير المادة، وعرضها بلغة تنطوي على(روح) الشعر، وسيلة لجذب عامة القراء الذين بُني مشروع الطاهر من أجلهم، وتوجه إليهم بالدرجة الأساس. فالقطعة الأدبية من المقالة “مقدمة إلى القارئ العام والقارئ الخاص. وهذا القارئ حيّ في نفس الكاتب لدى الأفعال، ولدى الاستجابة للكتابة، في اللحظة التي يمليها اختمار ذلك الانفعال، وقد اكتملت صورته، وكان كيانه”( ).
ومن يعقد موازنة بين أعمال الناقد- كما يراها بول هيرنادي- وما ذكر من أمر الطاهر يجد كثيرا من نقاط التشابه؛ وتلك الأعمال هي:
1- الكتابة من أجل جمهور أوسع.
2- الحذر من الإسراف في التخصيص والتعميم.
3- العناية بما يقوله المؤلفون، وما تخفيه النصوص، وما تكشف عنه القراءات.
4- تقدير القيمة الأدبية، وليس إصدار حكم بشأنها.
5- التشجيع على تبادل الاستشافافات العميقة بين مختلف أنماط التساؤل الإنساني( ).
وقد كانت الحماسة والوطنية والقومية والاستقلال واليقظة والتقدم والطموح والتربية والنهضة والحرية والثقة بالنفس، محركات فاعلة لها أثر في توجّه الطاهر، وتوجيهه ثقافيا، مثلما كان لارتباطه بالصحافة أثر في بلورته فكريا وفنيا فيما يخص المقالة( ).
لقد كان الطاهر- بوصفه مفكرا نقديا- مشروعا نهوضيا، “ولما كانت شروط النهضة الفعلية منتفية في غياب ثقافة راقية، وأسباب الثقافة الراقية، متوقفا توافرها على وجود لغة حية مطواعة”( )، دعا الآخرين إلى السعي معه من أجل تنفيذ تلك الخطوات التي تمثل الأساس الرصين الذي انبنى عليه فكره النقدي. وكما “أن الذي قد يورده الإنسان مما ظاهره نقد أدبي، إنما يكون غرضه منه أن يستدلّ بوجه من الوجوه على مقومات فلسفة النقد، لا أن يقدّمه عطاء نقديا مباشرا”( )، فإن الذي يورده الطاهر مما ظاهره نقد أدبي، إنما يكون غرضه منه كشف الوجه الثقافي في النص الأدبي الذي يربطه بالمستقبل، لا بالحاضر أو بالماضي أو بكليهما فقط، كما تفعل المناهج النقدية الأخر غاضّين النظر عما تقتلعه من سياقه الزمني.
من يقرأ الطاهر يجد عنايته بالأسس الصحيحة للنهضة الصحيحة، وتأكيده أهمية وجود نهج خاص بالبلاد وبكل كاتب فيه، نهج مبني على الحرية الفكرية؛ لأن من الطبيعي “أن تقوم النهضة على الفكر المتحرّر، الداعي إلى التحرّر”( )، وهذا ما يجعل المهمة التشجيعية- التي يراها الطاهر مبدأ وطنيا وأدبيا في الوقت نفسه( )- مبدأ نهضويا كذلك، فغيابها- أو غياب من يقوم بها- غياب للنهضة. ومن أمثلة هذا الغياب ما في قول الطاهر:”غياب الناقد المسرحي المتخصّص سبب مهم بين أسباب تعثّر المسيرة المسرحية”( ).
هذا التوجه الثقافي الوطني النهضوي كان وراء وضع الطاهر الأثر في الزمن الثقافي له، ووراء الكشف عن المواهب، والإفادة من القديم والجديد معا، مثلما كان وراء غيرها، ووراء حيويّته وتنوّعه في المتابعة والدراسة، وإيمانه بوجوب الكتابة عن الجديد الجيد، والتعريف به مدفوعا برعاية أبوية وأستاذية.
لقد بشّر الطاهر بالمنجز الثقافي، وكشف عن روائعه، وعني بالفكر العربي، وبمحاولات غرسه وريّه، وبمحاولات رصّ توجّهاته، ورأى في الإفادة بشخصية واضحة من ينابيع الفكر المعاصر رافدا من روافد الخصوصية العربية في الفكر النقدي، ودافعا من دوافع النهوض والتقدم، مؤكدا أهمية التشكّل العضوي للفكر النقدي، من خلال امتزاج الوافد بالموروث، وقد قيل:”التراث أهمّ مكوّن للثقافة، والثقافة […] أهمّ مكوّن للسلوك”( ).
ما تقدّم يفسّر تشديد الطاهر على كون النقد نقد المعاصرة، أو المرتفع بالقديم إلى المعاصرة( )، ويظهره ناقدا راصدا مدقّقا، يتجوّل بين القديم والحديث، والشرق والغرب، والعربي والأجنبي، وبين روافد الثقافة ومنابعها، يستقري ما يريد أن يستقريه من هذه الساحة الثقافية مترامية الأطراف، هاويا، وللهواية- عنده- دلالة خاصة، شأنها شأن(الانطباعية)، “إنه هاوٍ في التعليقات، كما هو هاوٍ في التحقيقات. وإذا كان في طبع(الهواية) أن يعترضها فتور، فمن الصعب أن يجهز الفتور العابر على الهوى الرسيس”( ).
إن هوايته تنفذ إلى الأعماق، ولا تبقى على حدود المقاربة. إنها ليست كهواية الكتّاب الذين يرغبون في أن تكون لهم روايات، كما كان لغيرهم روايات( ). وربما كانت هذه الهواية سببا في كون الروح العلمي التي عالج بها الشجون المتعلقة بالنقد في كتابه(وراء الأفق الأدبي) “هي نفسها التي كانت تدفئ مقالاته عن المكتبة والترجمة والأخطاء النحوية في القول والكتابة… روح الحرص الملحاح على أن ينتصر الصحيح، وأن تسود الحقيقة، وأن تتفتح للثقافة آفاق أكثر رحابة، وأن تنضج في رياضها ثمار أكثر وأحلى”( ).
إن مقالات الطاهر وكتبه ينطبق عليها ما قيل عن مقالات(وراء الأفق الأدبي) من حيث كونها “قادرة على رسم صورة لواقع ثقافي حيّ متحفّز، أبرز ملامحه سيادة المعايير العلمية في التقويم، واحتضان المواهب الواعدة، والاحتفاء بالمبادرات الجديدة، واعتماد الوسائل العصرية في نشر الثقافة، وتأصيل أخذ المعرفة عن مصادرها الأساسية مباشرة، ويؤطر تلك الصورة دفاع حارّ عن لغتنا، وحماس مستمرّ للشكل الجميل… للفنّ في العمل الثقافي كله كتابة وتمثيلا ونشرا وقولا وإبداعا. وحتى ينضج ذلك الواقع تكون تلك المقالات[الكتب] مؤشرا للمعوقات دون بلوغه، ونقدا للظواهر السلبية وثمارها المرة”( ).
وذلك الحماس المستمر شبيه بحماس محمود أحمد السيد الذي يصدر عن “عمق الرأي من نفس صاحبه، وشدة شغله لباله وضميره”( ). إنه حماس مغلّف بالهدوء والوقار شأن حماس السيد كذلك( )، وليس حماسا انفعاليا طائشا.
ونعتقد أن إثراء الطاهر “الواقع الثقافي بالكثير من الطروحات والمقالات النقدية”( )، كان وراء إجماع المتكلمين في حفل النادي الثقافي والاجتماعي لاتحاد الأدباء الذي أقيم مساء الخميس16/4/1992 “على أن الطاهر نموذج ضروري في ثقافتنا الوطنية لتعدد اهتماماته، وإخلاصه للنصوص، ودقته في الرصد والمتابعة، وجهوده في تأصيل الريادة القصصية والروائية والشعرية، وفي تحقيق المخطوطات، وإبراز هويتها الأدبية”( ). لقد كان حريصا على “مسيرة الثقافة في هذا القطر العزيز، وعلى الثمرات الناضجة أو البراعم الواعدة في حقول الإبداع المتعددة”( ).
وللصحافة- كما مر معنا- أثر كبير هنا، فقد وجد مشروع الطاهر فيها أداة فاعلة في التوصيل والثأثير من حيث إنها تهيئ الفرصة- قبل أن يثبت الموضوع في كتاب- للمثقفين وللجمهور، للإشادة بالتصحيح، والتنبيه إلى ما يجب التنبيه إليه، ويلقى ذلك صدى إيجابيا في نفسية الطاهر وذهنه، أي أن هناك عناقا إيجابيا بين أداة الثقافة التي تصل إلى يد كثيرين، وإلى أماكن كثيرة- وهي الصحافة- وبين مشروع الطاهر الذي يرغب في أن يصل إلى يد كثيرين، وإلى أماكن كثيرة. وقد كان الطاهر واعيا أشد الوعي، وأنضجه لمثل هذه الحال، ولاسيما أن الصحافة مكان مناسب لازدهار(المقالة).
وعلى الرغم من أن كثيرا من كتب الطاهر تتشكل من مقالات كثيرة متنوعة منشورة في الصحف والمجلات، فإنها تشكّل كلا واحدا، ويربطها خيط وجوّ وتوجّه هو المشروع نفسه الذي سعى- بكل ما أوتي من قوة وإخلاص- إلى خدمة الوطن الذي ما فتئ الطاهر يذكره، ويذكّر بأهمية خدمته في ما صدر عنه من أقوال وأفعال.
الطاهر مشروع نهضوي حضاري ساحته هي الثقافة اللغوية والأدبية، وأداته هي المنهج الكشفي، ومقياسه هو التذوق. أما حاضنة اشتغال فكره فهي التظليلية.

5- التظليلية بوصفها حاضنة اشتغال فكر الطاهر النقدي:
أقوى صفة فكرية امتلكها الطاهر هي أنه يظهر فكره بطريقة أطلق عليها نقادٌ وقرّاءٌ، صفة(الانطباعية)، وهي- في حقيقتها- فكر مصوغ بدهاء فني، وإدارة خلاقة وقدرة تمويهية، ومنهجية مختبئة وكأنها دليل(لا شعوريّ) في كتابته.
وانطلاقا من(التعاضدية)، نستند- كما فعلنا سابقا- إلى أقواله في هذا الجانب، فقد خاطب شاكر جابر مؤلف قصة(الأيام المضيئة)، قائلا:”يبدو لي أنك لا تخلو من حيلة تدرك بها حيل الآخرين، ولا من دهاء تستعين به على الدهاء”( )، وأوصى القصاصين بأنه “لا بد من الدهاء الفني في الأداء”( ).
وتحدث عن محمود أحمد السيد- بوصفه قصاصا- فقال:”إذا كان محمود قد ساق كلامه على لسان(أبطال)-(رواياته)، فإن فنّه لم يكن من القوة والدهاء بحيث يخدع القارئ، وإن هذا الفيض لا يمكن أن يكون إلا(ذاتيا)(محموديا) لا نقاش فيه”( )، إذ لا بد من الحذق في رسم الخطط( )، أي إدارة الحوادث “بحذق يخدع القارئ، فيتابعه ويوافقه، ولو اعتقد في أعماقه أن هذا ما لم يقع”( ).
ومحمود أحمد السيد- في رأي الطاهر- لم يستطع أن يقنع القارئ أن هذا الذي يقوله وقع في المرويّ، وليس في غيره الذي تنتمي إليه حياة المؤلف نفسه، وهذا يؤكد أنه لا يمتلك(فن الإدارة)( ).
أما جنان جاسم حلاوي في قصة(عرائس البحر)، فقد جعل القصة وحدة افتنّ “بنسجها، وإدارة خيوطها بين الواقع والخيال، والحقيقة والأسطورة، وحرّك الطيبة الساذجة بدهاء، ومن بعيد وكأنه لا يتدخّل”( ). لقد كان “يدير عمله بلباقة، لا يسع المرء إلا أن يرى فيه فنا”( ).
ومثله نور الدين محمد سعيد في:(وللهم هوامش أيضا)، الذي لم يكن “على مطلق(الفطرية) غريبا على الذكاء أو الدهاء أو المهارة التي يدير بها تجربته إدارة فنية، ويتسع بها من وجه لوجه”( ).
وكذلك- بل أكثر منه- فؤاد التكرلي في رواية(الرجع البعيد)، فقد كان “من الدهاء الفني بحيث يبثّه سرّا وسحرا، وكان من الانسجام مع موضوعه بما يجعله متفردا، وكأن الحادثة هي التي فرضت نمط إدارتها، واختارت اللغة التي تناسبها”( ). إن روايته فلسفية فنية في خفاء ودهاء( ). إنها تتسم بـ”الخفاء، وقل الدهاء الفني في إدارة المغزى البعيد لمحا يبدو واضحا على غير وضوح”( ).
وفن الإدارة أبعد قصة محمد سعدون السباهي(الوصية) عن المقالة، ونزّهها عن التسجيلية( ). وهذه الإدارة تتجلى بشيء قليل من الإرادة التي لا تترك الأمور في طواعية مطلقة وعفوية تامة( )؛ تلك الإدارة التي يمكن أن تختار الحدث(الصغير، وربما التافه ظاهرا) المناسب، وتديره حيّا في ضمن فكره شاغلة شاملة( ).
ومثل هذا جعل المقابلة مع ماركيز “متعة وفائدة… متعة: بطريقة عرضها، والتقاط النقاط الحساسة، وإدارة الحادثة[…] وهي في ذلك تخبرك لمحا ووحيا، وترفعا عن التقرير، لقدرة مديرها على التفنن، وثقة بك منه على التذوق”( ).
وافتقاد مثل ذلك جعل صفحات قصص(الحب في القرن الحادي والعشرين) “مفقرة إلى عنصر(التشويق) الذي(يشدّ) القارئ، ويجتذبه، ويقنعه- عفوا- بأن الذي يقرأه عمل فني، له روح، وفيه حياة… وجاء الكتاب على هذا- أقرب إلى المقالة التعليمية منه إلى القصة”( )؛ لأننا لا نجد “في الكون عملا أدبيا فنيا من غير روح، ومن غير عمق، وتأمل طويل في البناء يبدو للقارئ وكأنه فطريّ مطبوع”( ).
وإذا كانت خصوصية محيي الدين زنكنة “تظهر شأن أي أديب ضمن موجة(أو مدرسة أو اتجاه أو مذهب) في تناوله للحدث وإدارته وتغذيته”( )، وفي دهائه “في اصطياد المواقف المؤثرة من غير ضخب”( )، فإن فن فؤاد التكرلي “مثل(فلسفته) تكوينا ونضجا واستقرارا… واستطابة لسمة من التداعي(تيار الوعي…)، ودهاء من غير ما يشي بالدهاء”( ).
إن المهم في القصة- كما يرى الطاهر- “لا يكمن في غرابة الأطوار، أو في قياسها، إنما في طريقة العرض، أو قل في النهج الذي يكسو فيه المؤلف العظام لحما، والوهم حقيقة، وفي الفن الذي يجعلك تتابع القراءة باهتمام، ويقنعك أن ما تقرأه منسجم ضمن إطاره، صحيح في ظروفه، وأنه قصة وليس كاريكتورا أو فوتوغرافا”( ).
والكاتب البارع- في رأيه- “هو الذي يجلو الصورة وكأنها عملت نفسها- وإن لم يكن الأمر كذلك- “( ).
وعلى هذا رأى حسين مردان- بوصفه شاعرا- “يسير بما يبدو عليه وكأنه لم يخطّط، ولم يتدخل”( )، وكأنه- مرة أخرى- يترك الأمر على هونه( )، مُخْفيا صنعته بدهائه الفني.
وقد انطلق الطاهر يؤكد ذلك، وفي ذهنه أن ما قيل لا يهمنا، “إنما يهمنا كيف قيل الذي قيل، ولو لم يقصد الكاتب[=حسين مردان] إلى الفن لسرد الأحداث سردا، ولفصل وأطال، ولما اختصر ما اختصر، وزاد ما زاد، ولما حوّل التعبير اليومي إلى الصورة. إنه يعي ما يفعل، ولكنه يخفي – كما هو اللازم- وعيه، ويبدو طبيعيا لدرجة السذاجة”( ).
هذا الخفاء يذكّرنا بالغموض. وللغموض وجود في كتابة الطاهر، وقد قال عنه: قد يكون الغموض- “وقد تسميه حاجة إلى قراءة ما بين السطور[…]- مقصودا على وجه من دعوة القارئ إلى التأمل، أو وجه من(جمال) الأداء.. ويأتي ذلك خصوصا في المقالات الإنشائية”( ).
وانتبه إليه عند عبد الملك نوري، فقال: كان يرى “ضرورة التفنّن والتأنّق، وأقصى قدرة على الدهاء في إدارة الحدث(وحتى درجة الغموض أحيانا)”( ).
ويذكرنا ذلك الخفاء- كذلك- بالغلالة التي قال عنها في رواية(الرجع البعيد) لفؤاد التكرلي: إنها “غلالة حبيبة تربأ بالقارئ عن سهولة المطلب، واكتشاف المكتشف”( )، وقال عن فؤاد التكرلي نفسه: إنه “يسرّه أن يحسّ قارئه بالغلالة، فإذا نفذ إلى ما تحتها ازداد سرورا”( )، وقال عن حسين مردان بهذا الشأن: حسين مردان من الشعراء الذين “لم يدرك ما وراء الغلالة التي تلفّ أفكارهم”( ).
من مثل ذلك الفهم، ومن الفهم الذي يرى أنه “لا يشترط الأطفال والبدائيون في حبّهم أغانيهم الفهم الرياضي؛ إنما الموسيقى والإيقاع والهزّة التي تنبعث في نفوسهم من حيث لا يدرون”( )، يؤكد الطاهر أنه “ليس المهم في الفن الفهم الرياضي؛ إنما الوحي والإلهام… وكما أن الوحي لازم للشاعر، فهو لازم للقارئ”( )، ويؤكد أن فن الجواهري من العلو “لغة وخيالا وصورا وأشياء أخرى تستعصي على التحديد”( )، وأن النثر المركز عند حسين مردان “تناسقت قطعه المتعددة في وحدة تستعصي على التحديد الرياضي مطاوِعة للظلال الموحية، مشيعة للثأثير”( )، وأن عنوانات مقالاته صور “لا تؤدي رياضيا ما تؤديه العنوانات الصحفية المألوفة”( ).
ولو نظرنا إلى الطاهر- في ضوء ما سبق- درجةً في التظليل، وتنوعا في أساليبه ومنافذه، لوجدنا التظليل هو الحاضنة التي تعنى بخلق الجمال بوساطة الدهاء الفني، أو الإدارة الفنية، أو السيطرة، أو المنهجية المختبئة، أو غير ذلك مما يحقّق إمتاعا مفيدا.
هذه التظليلية والملامح الأخر تستند إلى ركيزة اشتغال الفكر النقدي عند الطاهر، وهي: الوثوقية.

6- الوثوقية بوصفها ركيزة اشتغال فكر الطاهر النقدي:
يقول الطاهر عن منهجه في(التحقيقات):”منهج المؤلف في التحقيق الرجوع إلى المصادر حتى فيما يراه تام الخطأ دفعا لما يكون من وهم، وحرصا على الكمال… والفائدة. وهو لا يقبل- في ذلك- بأي مرجع، وإنما يتقصى، وقد يرجع إلى أكثر من كتاب،إلا أنه لا يلتزم تثبيت هذه المصادر لئلا يثقل على القارئ”( ).
ثم يؤكد ذلك بقوله: لا موجب “إلى إثقال(التحقيقات) بالمصادر؛ لأن صاحبها لا يثبتها قبل التثبّت بالرجوع إلى أكثر من مصدر مؤتمن كابن خلكان في القدماء، والزركلي(ط4) في المحدثين”( ).
وذلك التثبّت هو ما جعله يعرض المعلومات بوثوقية عالية، تشبه تلك الوثوقية التي أعلن فيها- في عام 1969- عن أن الدراسات التي ستعقد على القصة العراقية لن تجد “في محمود أحمد السيد إلا الرائد الذي لم يكذب أهله”( )، وفي عام 1991 عن (ناقديّة) المرزوقي، إذ قال: لقد صرح المطلوب، ولم تبق حاجة للدبلوماسية، فالمرزوقي ناقد، والباحث مقتنع بذلك، وقد نهضت الأدلة لديه، وشعّت الحقيقة. ويبقى أن يضع القارئ أو السامع في مقعد الاقتناع”( )، وقد كشف عن مراحل هذه الوثوقية، فقال قبل ذلك:”تتوطد الخطوة، ولكنها تتوقف في مكانها(فترة) خشية ارتباك في هذا الحكم[بكون المرزوقي ناقدا]، وخوف غبش في هذا الظن”( ).
ومن تجليات تلك الوثوقية تكرار الآراء والمبادئ مرات عديدة بصيغ مختلفة. وقد يكون شبيها بذلك ما قاله عن حسين مردان:”لا يني يكرر آراءه، يوضحها للآخرين – لنفسه- دون تحوّل عنها مهما تختلف الصيغ”( ). إنها الوثوقية بالآراء، وإنها القناعات الفنية، فمفهوم حسين مردان في الصورة الشعرية، مثلا:”لا يتغير، هو هو سنة 1955، وهو هو سنة 1971، من حيث وحدة الصورة العامة، واتساق الصورة الجزئية خلالها، ومكان الكلمات والموسيقى منها”( ).
الوثوقية- كما هو واضح- تعني التريث في إعطاء حكم، أو قبول حكم، ثم الإصرار عليه اقتناعا ووثوقا بصحته. وهذا الإصرار منبنٍ على الثقة بالنفس في ما تأخذ، وفي ما تدع.
ويمكن أن يكون مأتى الوثوقية من كونه- كما وصف هو نفسه حسين مردان-:”جادّا في أمره، صادقا في تصرّفه، مؤمنا بموقفه، مطمئنّا إلى(فلسفته)”( )، ومن حيازته حكمة الشيوخ وهو شابّ، ومن عنايته بوقار نفسه إنسانيا وإبداعيا، ولاسيما أن وثوقيته ليست(دوغمائية) تجزم وتحكم أحكاما بتّارة انطلاقا من معتقد سابق( ). إن وثوقيته دليل استقرار في الرأي متأتّّ من الاستقراء، والرضا بنتائجه إلى حدّ التمكّن من النفس بكونها ضالّة مبحوثا عنها. فقد وصل الطاهر- على وفق ما نرى، كما وصل حسين مردان برأي الطاهر- “إلى قناعات صارت لديه قواعد لا يقبل منطلقها خلافها”( ).
من روافد الوثوقية- إذا- الرجوع إلى المصدر المصدر، والامتياح من المنبع. وقد علمنا- فيما سبق- أن الرجوع إلى المصدر، وأخذ الحقائق منه، وعلى يد أساتذته، أصل في مشروع الطاهر لمزيتي الدقة والأمانة اللتين تتطلبان الاطمئنان إلى (ثوابت) أو(قواعد) معينة بعد الفراغ من البرهنة على صحتها.
لقد كان الطاهر يعمل جاهدا على الإفادة من مناهل متعددة “لكي يبني معلوماته على ما يشبه اليقينيات، لا الحدس والتخمين”( ). وإذا ما شكّ شاكّ في ذلك، فليس ذاك بضائر؛ لأن كثيرا من نقاد الأدب يفضّلون أن يعملوا من خلال التلميح والتخمين والحسّ الباطني والحدس ودقة الملاحظة، وهذه الأمور تعتمد على مجموعة الافتراضات المخزونة التي غالبا ما تكون عنيدة كعناد أي بنيوي( ).
ومن روافد الوثوقية عند الطاهر- على وجه الخصوص- أن كل ما رآه الطاهر جيدا رآه الآخرون جيدا، وأنه لم يقل شيئا في الأعم الأغلب من دون رويّة وعمق تفكير، وأنه يتمتّع بصفاء فكري، وأنه متأكّد من خلوّ أحكامه النقدية من أهداف شخصية، أي تجرّده، ونزاهته، وابتعاده عن الجبن والمحاباة. ثم لا بد من الإشارة إلى أنه كان يستعدّ لنشر موضوعه قبل نشره، مستخدما دقّته في استخدام المصادر والمراجع ودقته في الملاحظة. وقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك في مواضع مختلفة من هذا البحث.
لقد سعى إلى أن يكون دقيقا في الترتيب أهمية، أو تاريخا، وفي رسم الكلمة، وفي المعلومات، وفي اللغة، وفي العنوان، وفي التاريخ، وفي النسبة، وغير ذلك كثير. ولأنه يصل إلى آرائه بعد برهنة وطول تأمل، فهو ممن يؤمنون برأيهم، ويعتقدون به.
وليس عدم تغيّر المواقف النقدية تقديسا للذات، وإشارة إلى نضجها المبكر، وإنما إعراب عن وعي نقدي قائم على الاستقراء والاستنباط، مستوعب لحركة الفكر النقدي في العالم قديما وحديثا. وقد فعلت مناهج ما بعد الخمسينيات فعلها في تثبيت منهجه وإغنائه، لا تغييره مما هيّأ له فرصة النزول إلى الواقع النقدي العربي، والكشف عن آلياته بشمولية، وعمق، وقوة نقدية.
وعلاوة على ما مرّ ذكره، هناك مهيمن في اشتغال فكره النقدي، هو: الواقعية.

7- الواقعية بوصفها مذهبا مهيمنا في اشتغال فكر الطاهر النقدي:
الواقعية منبثقة من هيمنة المذهب الواقعي في مزيجه الإبداعي، ومن توصّلاته الإنسانية في ما يخص علاقة الإنسان بما حوله، الذي شكّل منهلا ثرّا من مناهل فكره، ومحرّكا فاعلا فيه.
وقد تجلّت عناية الطاهر بها في النصوص الواقعية التي نقدها، وفي الأعلام الذين أعرب نتاجهم عن سمات واقعية، وعبّر عن هموم اجتماعية، واتّجه إلى عامة الناس، وعامة القراء. وبعبارة أشمل: لقد كانت النزعة الانتقادية والإصلاحية( )، والعناية بالشكل، والرغبة في التقدمية والتحريرية، والمطالبة برقيّ الأدباء، وبوجوب التناسب بين قيمة الأديب ومركزه الأدبي، والمطالبة بالالتزام الهامس، وأشياء أخر، بصمات لتلك الواقعية التي توجّه خدمتها لصالح المجموع وطنيا وقوميا وإنسانيا، جماليا وفكريا، وتضع انتصارها لصالح المغموط حقّهم، بغية تحقيق العدالة، وكشف الخلل المسكوت عنه( ).
لقد كانت الواقعية( )- بشتى تجلياتها- مما درسه الطاهر لينال دبلوم الحضارة الفرنسية، ولما كانت الواقعية قد خلفت الرومانتيكية في النثر، ووجدت لها مكانا في الأدب العربي، أو أوجدته لها، منذ أواخر الخمسينيات، فلا نستغرب عنايته بالنثر عموما، وبالقصة والمسرحية خصوصا، لما فيهما من فُسحة لإظهار المشاكلة بين العمل الأدبي والحياة الواقعة( ).
وعلى ذلك أعلن أن النقد النظري وجد- بعد ثورة الرابع عشر من تموز في العراق- “سببا إلى أن يرفع صوته مؤكدا الواقعية الاشتراكية، مطالِبا بأدب على مستوى المرحلة الجديدة”( ).

8- ملامح أخر في فكر الطاهر النقدي:
من الملامح الأخر ما يرتبط بالتكوين الروحي للطاهر، وهو ملمح الدينية، الذي انبثق من أعماق روحه، ومن بيئته، وتنشئته الإسلامية، ومن توصّلاته في ما يخص إفادة الإنسان- أي إنسان- موظفا لذلك قيما وأقوالا وأعرافا وسلوكيات دينية( ).
ومنها ما يرتبط بالتكوين النفسي للطاهر، وهو ملمح النفسية، المنبثق من هيمنة المنهج النفسي في مزيجه النقدي، منذ بدء حياته النقدية، ومن توصّلاته في ما يخص النفس البشرية( ).
وإذا كان الاختمار قد مرّ معنا في ملمح التغذوية، فهو- هنا- مرحلة من مراحل العملية الإبداعية من وجهة نظر علم النفس( ).
ومن الملامح ما يرتبط بالتكوين اللغوي والمظهري، وهو ملمح الجمالية، المنبثق من تنشئته، ومن نفسه الحساسة المرهفة الرومانتيكية، ومن توصّلاته في ما يحقق الإثارة والإفادة في الوقت نفسه، موظّفا طرائق كثيرة لتحقيق ذلك مثل الطراوة، والحوار المتخيل، والوسائط الفنية النحوية والبلاغية التي تحقق التحلية اللفظية، والاقتصاد المكثف، والنفَس العشقي.
ومنها ما يرتبط بالتكوين الفكري، وهو ملمح التناصية، المنبثق من انطلاق الفرد من ذات المجموع وأفكارها، وكأنها ذاته وأفكاره الخاصة به وحده، ولاسيما في التناص النقدي.
ومنها ما يرتبط بالتكوين الاجتماعي، وهو ملمح النسبوية، الذي يشدد فيه الطاهر على الأمور التي حققت- له أو لغيره- شخصيته ووطنيته وقوميته وإنسانيته، أو يمكن أن تحقق له أو لغيره ذلك.
لقد كانت هذه الملامح وغيرها مما اتّصف به فكر الطاهر النقدي اتّصافا إعرابيا صادقا، تتناغم فيه المبادئ النقدية وتتساوق مع هذه الملامح، ومع التوجه الفكري العام الذي انتهجه الطاهر نفسه لنفسه، ولمن شاء أن ينتهجه.

هوامش
( ) ج. س؟ : 12.
( ) م.ن: 38، والكلام لماجد السامرائي.
( ) م.ن : 134، وظ: 136.
( ) للموازنة، ظ: تحقيقات وتعليقات: 305.
( ) ظ: في القصص العراقي المعاصر- نقد ومختارات: 157، وج. س؟ : 9، وللموازنة، ظ: تحقيقات وتعليقات: 446- 447.
( ) ج. س؟ : 216، وظ: 221، وظ: تحقيقات وتعليقات: 8، و9.
( ) ج. س؟ : 210، وظ: تحقيقات وتعليقات: 6.
( ) ظ: ج. س؟ : 211.
( ) ظ: أساتذتي ومقالات أخرى: 326 وما بعدها.
( ) ظ: ج. س؟ : 230.
( ) مقالات: 5.
( ) عن انتباه الطاهر على مثل هذا النوع من الخدمة، ظ: الباب الضيق: 47.
( ) كتب وفوائد: 46، وظ: مقدمة في النقد الأدبي: 11، وموسوعة المفكرين والأدباء العراقيين- ج19 -علي جواد الطاهر: 184.
( ) ظ: وراء الأفق الأدبي: 123-133، ومعجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية: 1/20.
( ) ظ: أساتذتي ومقالات أخرى: 325-333، وج. س؟ : 232.
( ) الدكتور علي جواد الطاهر وجيل الرواد من الأساتذة(مقال)، د. عبد العزيز المقالح، جريدة الثورة، اليمن، 29/12/1987.
( ) الدكتور علي جواد الطاهر رائد النقد الأدبي الحديث في العراق(بحث)، والكلام لباسم عبد الحميد حمودي.
( ) مقابلة مع الطاهر، أجراها: هاتف الثلج، جريدة الاتحاد، 13-19/2/1989.
( ) ج. س؟ : 216.
( ) الباب الضيق: 14، وعن مقالات(وراء الأفق الأدبي)، ظ: موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين- ج19 -علي جواد الطاهر: 157.
( ) الباب الضيق: 9.
( ) ظ: ماهو النقد؟: 12-14.
( ) عن ارتباط الكتابة الإنشائية بالصحافة، ظ: مقالات: 55- 56، وتحقيقات وتعليقات: 305، ومن يفرك الصدأ؟ : 22، ويوازن بـ: ج. س؟ : 295-296.
( ) العربية وثورة المناهج الحديثة: 3.
( ) في آليات النقد الأدبي: 12.
( ) ج. س؟ : 92، وعن حرية الفكر، ظ: 19-22.
( ) ظ: كلمات: 190.
( ) م.ن: 117.
( ) قراءة النص(بحث): 149.
( ) ظ: كلمات: 184.
( ) تحقيقات وتعليقات: 11، وظ: 6- 7.
( ) ظ: م.ن: 438.
( ) وراء الأفق الأدبي- هموم ثقافية(مقال).
( ) وراء الأفق الأدبي- هموم ثقافية(مقال).
( ) محمود أحمد السيد رائد القصة الحديثة في العراق: 55.
( ) ظ: م.ن: 64.
( ) باب(الأخيرة).
( ) حفل النادي الثقافي والاجتماعي لاتحاد الأدباء(مقال):143.
( ) علي جواد الطاهر في حديث القصة والمسرحية(مقال).
( ) مقالات: 141.
( ) في القصص العراقي المعاصر- نقد ومختارات: 14.
( ) محمود أحمد السيد رائد القصة الحديثة في العراق: 52.
( ) ظ: في القصص العراقي المعاصر- نقد ومختارات: 14، و23.
( ) م.ن: 20.
( ) ظ: محمود أحمد السيد رائد القصة الحديثة في العراق: 54.
( ) تحقيقات وتعليقات: 459.
( ) م.ن: 459.
( ) م.ن: 486، وللإفادة، ظ: 410.
( ) م.ن: 541.
( ) ظ: م.ن: 541- 42.
( ) م.ن: 542.
( ) ظ: وراء الأفق الأدبي: 12.
( ) ظ: تحقيقات وتعليقات: 482.
( ) ظ: م.ن: 538.
( ) م.ن: 384.
( ) م.ن: 425.
( ) م.ن: 438، وظ: 439.
( ) من حديث القصة والمسرحية: 235.
( ) م.ن: 235.
( ) م.ن: 514.
( ) في القصص العراقي المعاصر- نقد ومختارات: 15.
( ) من يفرك الصدأ؟ : 37.
( ) م.ن: 58.
( ) ظ: م.ن: 37.
( ) من يفرك الصدأ؟ : 70.
( ) موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين- ج19 -علي جواد الطاهر: 36.
( ) في الريادة الفنية للقصص العراقي: نقد- ج2-(نشيد الأرض) لعبد الملك نوري: 72.
( ) تحقيقات وتعليقات: 540.
( ) م.ن: 540.
( ) من يفرك الصدأ؟ : 246.
( ) مقالات: 229.
( ) م.ن: 247.
( ) وراء الأفق الأدبي: 17.
( ) من يفرك الصدأ؟ : 247-248.
( ) م.ن: 26.
( ) تحقيقات وتعليقات: 5.
( ) م.ن: 280.
( ) محمود أحمد السيد رائد القصة الحديثة في العراق: 10.
( ) المرزوقي شارح الحماسة ناقدا: 11.
( ) م.ن: 9.
( ) من يفرك الصدأ؟ : 18.
( ) م.ن : 55.
( ) م.ن: 222.
( ) عن الدغمائية ورأي الطاهر بها، ظ: كتب وفوائد: 52.
( ) من يفرك الصدأ؟ : 29.
( ) معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية: 4/1703، والكلام لعبد الله بن إدريس.
( ) ظ: مقدمة في النظرية الأدبية، تيري إيغلتين، تر: إبراهيم جاسم العلي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1992: 215.
( ) عن كون الإصلاحية إحدى ظاهرات فكر النهضة، ظ: ممارسات في النقد الأدبي، يمني العيد، دار الفارابي، بيروت، 1975: 170-17، وفي ضوء تحدي البقاء الحضاري- في بحثنا عن منهج جديد للفكر العربي المعاصر، د. عبد الأمير الأعسم، مجلة الرواد، ع1، س2، 1997: 14.
( ) للإفادة، ظ: الخلاصة في مذاهب الأدب الغربي: 42- 43.
( ) عن الاستجابة للواقعية أثرا وتوجيهات، ظ: الرومانتيكية والواقعية في الأدب- الأصول الإيديولوجية، د. حلمي مرزوق، دار النهضة العربية، بيروت، ط1، 1983: 56، و60، و69، وعن استجابتها لما حولها فكريا وجماليا، ظ: أسئلة الواقعية والالتزام- نقد أدبي، نبيل سليمان، دار ابن رشد، عمان، ط1، 1986: 10.
( ) ظ: تحقيقات وتعليقات: 193، و527، وج. س؟ : 129، ومحمد مندور الناقد والمنهج: 17، و46، والأدب العربي وتحديات الحداثة- دراسة وشهادات: 118، والمرايا المتجاورة- دراسة في نقد طه حسين، جابر عصفور، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1990: 118.
( ) ج. س؟ : 30.
( ) ظ: مقدمة في النقد الأدبي: 64، ومنهج البحث في المثل السائر: 101، وتحقيقات وتعليقات: 9، و15، ومن يفرك الصدأ؟ : 251- 252، والباب الضيق: 8، و146- 147، والمرزوقي شارح الحماسة ناقدا: 158، وج. س؟ : 107، وكلمات: 101.
( ) ظ: منهج البحث في المثل السائر: 19، وتحقيقات وتعليقات: 387-388، و538، ومن يفرك الصدأ؟ : 37، و229، ومن حديث القصة والمسرحية: 83، ومسرحيات وروايات عراقية في مآل التقدير النقدي: 121، ومع الدكتور علي جواد الطاهر وكتابه وراء الأفق الأدبي(مقال): 140.
( ) ظ: الإبداع في الفن، قاسم حسين صالح، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط2، 1986: 80-83.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"