تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة:

الشاعرة والقاصة والناقدة الفنية والمترجمة الأديبة مي مظفر نموج للعطاء الأدبي المتواصل منذ مطلع السبعينات حتى اليوم. أنجزت الكثير بلا ضجيج وكانت بعيدة عن الأضواء والإعلام، ولعلها هي نفسها تحاشت الترويج لأدبها زهداً وترفعاً. في الأعوام الأخيرة وإثر رحيل رفيق عمرها، الفنان رافع الناصري، كرست جلّ وقتها وجهدها للحفاظ على إرثه الفني وفاء له ولذكراه. الأمر الذي جعل البعض ينسى – أو يتناسى- إنجازها الإبداعي المتنوع الممتد زمنياً إلى أكثر من أربعة عقود وأكثر من خمسة وعشرين كتاباً. هذا الملف مناسبةجميلة للإحتفاء بها والتذكير بإبداعها.

د. باهرة محمد عبد اللطيف

مي مـظـفـر والـفـنّ الـحـديـث في الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

صـدر عـن الـمـؤسـسـة الـعـربـيـة لـلـدّراسـات والـنّـشـر عـام 2015 كـتـاب الأديـبـة ونـاقـدة الـفـنّ مي مـظـفّـر عـن “الـفـنّ الـحـديـث في الـعـراق : الـتّـواصـل والـتّـمـايـز”.

والـكـتـاب بـ 296 صـفـحـة، يـحـتـوي، مـا عـدا الـمـقـدمـة والـمـدخـل، عـلى 35 فـصـلاً قـسّـمـت إلى خـمـسـة أقـسـام : روّاد الـحـداثـة في الـعـراق، تـجـارب مـنـفـردة، الـتّـجـربـة الـشّـخـصـيـة والـرؤيـة الـكـونـيـة، الـتّـواصـل والـتّـمـايـز، عـراقـيـون في الـشّـتـات : تـجـارب جـديـدة.

ولا تـقـصـد الـكـاتـبـة بـكـلـمـة “الـتّـواصـل” مـعـنـاهـا الأفـقي أي الـتّـواصـل بـيـن أنـاس يـعـيـشـون في فـتـرة مـعـيّـنـة، وإنّـمـا مـعـنـاهـا الـعـمـودي الـزّمـني أي : “تـجـارب أجـيـال مـخـتـلـفـة مـتـواصـلـة في امـتـدادهـا وأخـذ بـعـضـهـا مـن الـبـعـض الآخـر”. وتـقـصـد بـالـتّـمـايـز : “الـتّـنّـوع في الإتـجـاهـات والأسـالـيـب والـرّؤى في الـحـركـة الـتّـشـكـيـلـيـة الـحـديـثـة في الـعـراق”. 

والـكـتـاب حـصـيـلـة تـجـربـة 45 سـنـة واكـبـت فـيـهـا مـؤلّـفـة الـكـتـاب، مي مـظـفّـر، الـفـنّ الـعـراقي الـحـديـث، عـرفـت خـلالـهـا أهـمّ فـنّـاني جـيـلـهـا عـن كـثـب وتـابـعـت إنـتـاجـاتـهـم وزارت مـعـارضـهـم.

وهي تـذكـر في مـقـدمـة الـكـتـاب : “مـنـذ أن شـرعـت بـالـكـتـابـة عـن الـتّـجـارب الـفـنّـيـة، مـع مـطـلـع عـام 1970، كـنـت مـيّـالـة، ربّـمـا بـسـبـب تـكـويـني الـثّـقـافي وانـحـيـازي إلى الـشّـعـر، أن أقـرأ مـا أشـاهـد مـن أعـمـال قـراءة فـنّـيـة جـمـالـيـة، وهـو نـهـج واصـلـت الـسّـيـر فـيـه حـتّى يـومـنـا هـذا”. 

صورة للمبدعة مي مظفّر من أرشيف الأديبة باهرة محمد عبد اللطيف ، فشكرا لها.

فـاهـتـمـامـهـا بـالـفـنّ بـدأ إذن قـبـل لـقـائـهـا بـالـفـنّـان رافـع الـنّـاصـري، وقـبـل زواجـهـمـا عـام 1973.

ويـمـكـنـنـا أن نـتـسـاءل إذا مـا عـدنـا إلى الـجـمـلـة الّـتي ذكـرنـاهـا عـمـا تـقـصـده الـكـاتـبـة بـالـنّـهـج الّـذي واصـلـت الـسّـيـر فـيـه : “أقـرأ مـا أشـاهـد مـن أعـمـال قـراءة فـنّـيـة جـمـالـيـة”. ونـفـهـم مـا تـقـصـده الـكـاتـبـة فـهـمـاً تـامّـاً عـنـدمـا نـنـتـهي مـن قـراءة الـكـتـاب، فـهي تـحـلـل الأعـمـال الـفـنّـيـة الّـتي تـتـكـلّـم عـنـهـا تـحـلـيـلاً جـمـالـيـاً يـبـتـعـد عـن الـبـحـث في هـذه الأعـمـال عـن الـمـهـارة الـتّـقـنـيـة الّـتي تـؤدّي إلى دقّـة الـنّـقـل الـواقـعي لـمـظـاهـر الأشـيـاء، أو الـبـحـث عـن مـا تـرمـز إلـيـه مـمـا لا عـلاقـة لـه بـالـتّـعـبـيـر الـفـنّي أو عـن الإلـتـزام الـسّـيـاسي الّـذي يـجـعـل مـن الـعـمـل الـفـنّي خـطـابـاً دعـائـيـاً لإيـديـولـوجـيـات ثـوريـة أو رجـعـيـة أو قـومـيـة أو وطـنـيـة … 

ويـمـكـنـنـا أن نـفـهـم أيـضـاً أنّـهـا تـقـرأ كـلّ الأعـمـال، ومـن ضـمـنـهـا الأدبـيـة (والـشّـعـريـة مـنـهـا بـالـخـصـوص) قـراءة فـنّـيـة جـمـالـيـة. ومـن هـنـا تـأتي أهـمـيـة كـتـابـهـا فـهـو قـراءة أدبـيـة لـنّـصـوص فـنّـيـة كـمـا أنّـه كـتـابـة فـنّـيـة جـمـالـيـة لـنّـصّ أدبي، فـكـتـابـهـا لـيـس نـصّـاً أدبـيـاً فـقـط، ولـيـس كـتـابـاً في تـاريـخ الـفـنّ فـقـط، ولا في الـنّـقـد الـفـنّي فـقـط، ولا شـهـادة لـشـاعـرة لـهـا حـسّ فـنّي مـرهـف عـن الـفـنّـانـيـن الّـذيـن سـبـقـوهـا وعـن الّـذيـن عـاصـروهـا فـقـط، وإنّـمـا هـو مـزيـج مـن كـلّ هـذا نـتـج عـنّـه عـمـل لا نـجـد لـه مـثـيـلاً في الأدبـيـات الـفـنّـيـة بـالـلـغـة الـعـربـيـة.

ونـتـابـع مي مـظـفّـر في فـصـول كـتـابـهـا كـمـا لـو كـنّـا نـتـابـعـهـا في مـعـرض واسـع الأرجـاء تـقـودنـا في قـاعـاتـه بـخـطى مـتـمـهّـلـة، تـوقـفـنـا أمـام أعـمـال كـلّ واحـد مـن الـفـنّـانـيـن الـخـمـسـة والـثّـلاثـيـن الّـذيـن اخـتـارتـهـم لـتـقـصّ عـلـيـنـا بـصـوتـهـا الـهـادئ، الـمـتّـزن حـيـنـاً والـمـنـفـعـل حـيـنـاً آخـر، فـتـرات مـن حـيـاتـهـم الـشّـخـصـيـة ومـراحـلـهـم الـفـنّـيـة الّـتي تـبـحـث فـيـهـا عـن خـيـوط تـشـدّهـا وتـجـمـعـهـا لـنـلـقي عـلـيـهـا نـظـرة شـامـلـة، أو تـحـلـل لـنـا عـمـلاً مـن أعـمـالـهـم تـحـلـيـلاً نـقـديّـاً جـمـالـيـاً، تـضـيـف عـلـيـه أحـيـانـاً تـقـيـيـمـات شـخـصـيـة. 

وتـداعـب آذانـنـا تـنـوعـات أسـلـوب لـغـتـهـا الـكـتـابـيـة، بـيـن عـرض مـوضـوعي اعـتـدنـا عـلى مـثـلـه في كـتـب تـاريـخ الـفـنّ، وبـيـن اسـتـعـمـالات تـقـنـيـة مـتـعـارف عـلـيـهـا بـيـن نـقّـاد الـفـنّ، وبـيـن تـحـلـيـقـات شـعـريـة بـأسـلـوب مـجـنـح تـدعـونـا فـيـهـا لـنـتـطـايـر مـعـهـا في أجـواء الأعـمـال الـفـنّـيـة الّـتي اخـتـارتـهـا.

جواد سليم

الـمـدخـل :

تـبـدأ مي مـظـفّـر في مـدخـل كـتـابـهـا بـعـرض سـريـع لـتـاريـخ الـفـنّ الـعـراقي مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن حـتّى أيّـامـنـا هـذه. 

وتـتـسـاءل عـن سـرّ غـزارة إبـداع الـفـنـانـيـن الـعـراقـيـيـن وتـنـوّعـه : “فـقـد ظـلّـت فـنـون الـتّـصـويـر والـنّـحـت والـخـزف الـحـديـثـة في الـعـراق، بـقـوة تـعـبـيـرهـا وتـنـوّع أسـالـيـبـهـا وغـزارة إنـتـاجـهـا، مـثـار إعـجـاب الـعـرب وغـيـر الـعـرب وتـعـجّـبـهـم عـلى مـدى الـعـقـود”. وربّـمـا كـان كـتـابـهـا مـحـاولـة لـلإجـابـة عـلى هـذا الـتّـسـاؤل.

ولـنـبـدأ بـقـسـمـه الأوّل :

روّاد الـحـداثـة في الـعـراق :

يـضـمّ هـذا الـقـسـم عـشـرة فـصـول كـتـبـتـهـا مي مـظـفّـر بـيـن 1985 و 2014 في بـغـداد والـبـحـريـن وعـمّـان، خـصـصـت أوّلـهـا لـلـبـغـدادي الّـذي رأى الـعـراق بـعـيـن الـقـلـب :

“لـم أكـن أعـرف مـن هـو فـائـق حـسـن عـنـدمـا كـنـت أجـد نـفـسي مـسـمّـرة أمـام لـوحـة تـصـوّر أعـرابـاً في الـبـاديـة. كـانـت الـلـوحـة الـزّيـتـيـة مـعـلّـقـة في الـصّـالـة، تـسـتـوقـفـني كـلّـمـا مـررت مـن أمـامـهـا وتـثـيـر في نـفـسي شـعـوراً غـامـضـاً لـم أكـن أدرك كـنـهـه في تـلـك الـمـرحـلـة الـمـبـكـرة مـن عـمـري : ثـلاثـة رجـال وامـرأة بـأزيـاء بـدويـة أمـام خـيـمـة سـوداء تـتـخـلـلـهـا خـطـوط عـريـضـة بـلـون أصـفـر مـشـرب بـالـحـمـرة … “.

وهـكـذا تـتـزامـن بـدايـة الـكـتـاب بـبـدايـة اكـتـشـاف الـكـاتـبـة لـلـفـنّ الـعـراقي الـحـديـث في طـفـولـتـهـا. وقـد تـابـعـت أعـمـال فـائـق حـسـن وقـرأت مـا كـتـب عـنـه إلى أن شـاءت الـصّـدفـة أن تـحـضـر أمـسـيـة تـكـلّـم فـيـهـا عـن تـجـربـتـه الـفـنّـيـة، فـأكّـد هـذا الـلـقـاء الـمـبـاشـر مـا كـانـت قـد تـوصـلـت إلى مـعـرفـتـه عـنـه مـن قـبـل.

وأعـتـقـد أنّ هـذا الـفـصـل الـقـصـيـر (ثـمـاني صـفـحـات) يـلـخّـص عـلاقـة مي مـظـفّـر بـالـفـنّ الـعـراقي الـحـديـث : تـشـبّـعـهـا بـه مـنـذ طـفـولـتـهـا وصـبـاهـا ثـمّ قـراءتـهـا لـمـا كـتـب عـنـه ومـتـابـعـتـهـا لإنـتـاج الـفـنـانـيـن الّـذيـن الـتـقـت بـعـدد كـبـيـر مـنـهـم. ومـن هـنـا تـأتي أهـمـيـة كـتـابـهـا كـمـصـدر يـضـاف إلى مـصـادر مـعـرفـة هـذا الـفـنّ.

 

ولـكـنّ الـحـظ لـم يـسـعـد الـكـاتـبـة بـلـقـاء جـواد سـلـيـم، الّـذي تـوفي عـام 1961. وقـد خـصـصـت لـه فـصـلـيـن، تـكـلّـمـت في ثـانـيـهـمـا : “أوراق مـطـويّـة مـن حـيـاتـه” عـن رسـائـل جـواد سـلـيـم إلى عـيـسى حـنّـا. وكـانـت مي مـظـفّـر قـد نـشـرتـه كـمـقـال في مـجـلّـة الأقـلام عـام 1985، ولأهـمـيـة مـا يـحـتـوي عـلـيـه فـقـد أعـادت نـشـره في هـذ الـكـتـاب. 

وبـعـد أن تـكـلّـمـت عـن “اقـتـران الـفـنّ بـالـعـلـم” عـنـد مـحـمـود صـبـري، خـصـصـت ثـلاثـة فـصـول لـشـاكـر حـسـن آل سـعـيـد، تـكـلّـمـت في ثـانـيـهـا عـن “مـزدوجـاتـه” وفي ثـالـثـهـا عـن :حـريـة الـبـحـث، حـريـة الـتّـأويـل”. ثـمّ تـطـرّقـت في الـفـصـول الـتّـالـيـة إلى “الـطّـبـيـعـة كـمـا رآهـا خـالـد الـجـادر”، و “الـفـرات والـبـيـئـة ونـوري الـرّاوي”، و “الـتّـجـريـب والـلـعـب والـمـوت عـنـد كـاظـم حـيـدر”.                        

تـجـارب مـنـفـردة :

يـحـتـوي هـذا الـقـسـم الـثّـاني مـن الـكـتـاب عـلى فـصـلـيـن، أولـهـمـا عـن الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي نـاظـم رمـزي، الّـذي مـارس الـرّسـم أيـضـاً قـبـل أن يـنـشئ مـطـبـعـة عـرفـت بـاسـمـه نـشـر فـيـهـا كـثـيـراُ مـن الـمـطـبـوعـات والـكـتـب الـفـنّـيـة، والـفـصـل الآخـر عـن خـالـد الـقـصّـاب الّـذي “كـان يـرى أنّ الـشّـخـصـيـة الـعـراقـيـة في الـفـنّ يـمـكـن تـحـقـيـق جـانـب مـنـهـا عـن طـريـق الـدّقّـة في رصـد الـمـشـهـد الـعـراقي وتـصـويـر جـزئـيـاتـه، والـظّـواهـر الـمـتـغـيّـرة فـيـه تـبـعـاً لـتـحـولات الـضّـوء”. 

 

الـتّـجـربـة الـشّـخـصـيـة والـرؤيـة الـكـونـيـة :

ويـحـتـوي الـقـسـم الـثّـالـث مـن كـتـاب مي مـظـفّـر عـلى ثـلاثـة عـشـر فـصـلاً خـصـصـت أولـهـا لـلـخـصـوصـيـة الـعـراقـيـة الـمـتـوارثـة عـنـد إسـمـاعـيـل فـتّـاح الـتّـرك الّـذي كـان نـحـاتـاً لـم يـتـوقّـف عـن الـرّسـم، والّـذي عـرض عـنـد عـودتـه مـن رومـا إلى بـغـداد في مـنـتـصـف سـتـيـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن “مـجـمـوعـة لـوحـات فـاجـأ بـهـا جـمـهـور الـمـشـاهـديـن ووضـعـهـم أمـام تـحـدّ كـبـيـر لـجـدة طـرحـه وغـرابـه تـكـويـنـاتـه. كـان الـمـعـرض صـادمـاً في اخـتـزالـه واقـتـصـاده في الـلـون والـشّـكـل إلى أدنى حـدّ”. و “لـعـل هـضـم الـتّـجـارب الـفـنّـيـة، أيّـاً كـان مـصـدرهـا الـثّـقـافي واسـتـيـعـابـهـا ثـمّ إعـادة إنـتـاجـهـا ضـمـن أسـلـوب مـتـفـرّد هـو مـا يـمـيّـز تـجـربـتـه”.

تـتـابـع في الـفـصـل الـتّـالي ضـيـاء الـعـزاوي “مـن ضـفـاف وادي الـرّافـديـن إلى تـخـوم الـعـالـم”. وهي تـدرك أنّـه “لـيـس مـن الـيـسـيـر الإلـمـام بـتـجـربـتـه الـواسـعـة والـمـتـداخـلـة في مـقـالـة واحـدة. ولـن تـكـون هـذه إلّا مـقـدمـة لـلـتّـنـويـه عـن إبـداعـاتـه ودوره الـرّائـد في دفـع الـحـيـاة الـثّـقـافـيـة في الـعـراق إلى آفـاق الـحـداثـة”.

ولا أعـتـقـد أنّ الـقـارئ يـسـتـطـيـع أن يـطـلـب مـن الـكـاتـبـة أنّ تـلـمّ بـتـجـارب الـفـنّـانـيـن الّـذيـن تـكـلّـمـت عـنـهـم إلـمـامـاً تـامّـاً في فـصـول كـتـاب واحـد. ويـكـفـيـهـا أنّ تـبـثّ في نـفـسـه الـرّغـبـة لـيـوسّـع مـعـرفـتـه بـهـم ويـكـمـل اكـتـشـافـاتـه الّـتي بـدأهـا مـعـهـا.

 

والـفـصـل الّـذي كـتـبـتـه عـن شـريـك حـيـاتـهـا ورفـيـق دربـهـا، رافـع الـنّـاصـري، واحـد مـن أجـمـل فـصـول الـكـتـاب : “الـنّـهـر الأوّل، الـغـربـة وتـحـوّلات الأسـلـوب”. وقـد بـدأتـه بـنـصّ رائـع قـصـيـر كـتـبـه الـفـنّـان في 2012، الـعـام الـسّـابـق لـوفـاتـه :

“مـررت بـأنـهـار وبـحـار كـثـيـرة، أقـمـت بـجـوار بـعـضـهـا في بـلـدان مـخـتـلـفـة مـن الـشّـرق والـغـرب، لـكـنـني لـم أجـد أكـثـر مـتـعـة مـن تـجـربـة نـهـري الأوّل : دجـلـة الّـذي أنـتـمي إلـيـه جـسـمـاً ووجـدانـاً. فـمـا انـطـبـع مـنـه في ذاكـرتي لا يـزال يـتـجـلّى أمـام عـيـنيّ مـع مـرور الأيّـام مـقـتـرنـاً بـأشـكـال وألـوان وقـصـص طـريـفـة تـنـسـج بـمـجـمـلـهـا مـشـهـداً مـثـالـيـاً لـلـحـلـم الـجـمـيـل”.

وتـذكـر لـنـا الـكـاتـبـة كـيـف بـدأ رافـع الـنّـاصـري في أواخـر عـام 2012 يـخـطـط لـسـلـسـلـة أعـمـال تـحـمـل عـنـوان “بـجـانـب الـنّـهـر” “كـشـفـت عـن عـودة صـريـحـة وقـاطـعـة إلى مـسـقـط رأسـه ومـرتـع صـبـاه في تـكـريـت بـنـهـرهـا الـرّقـراق وآفـاقـهـا الـمـتـرامـيـة. ربّـمـا كـان يـسـتـشـعـر بـأنّ هـذا الـطّـواف في الـزّمـان والـمـكـان عـلى امـتـداد الـحـقـبـة الأخـيـرة مـن حـيـاتـه قـد أوصـلـتـه إلى مـحـطـتـه الأخـيـرة الّـتي بـلـغ فـيـهـا ذروة تـصـوراتـه عـن الـضّـيـاع والـفـقـدان. وفي الـوقـت نـفـسـه أوصـلـه الـتّـراكـم الـمـعـرفي والـتّـقـني إلى اسـتـدعـاء مـا خـزنـه في مـرحـلـة حـيـاتـه الـفـنّـيـة والـوجـوديـة مـعـاً لإيـجـاد عـمـل فـنّي مـسـكـون بـالـجـمـال صـيـاغـة وفـكـراً”.

ونـتـابـع مـع مي مـظـفّـر في الـفـصـل الـتّـالي مـحـمّـد مـهـر الـدّيـن في سـيـره عـلى نـهـر مـن جـمـر “فـهـو يـتـخـذ مـن تـنـاقـض الـمـفـاهـيـم وعـبـثـيـة الأقـدار والأحـكـام مـصـدراً يـسـتـوحي مـنـه الـكـثـيـر”، أمّـا سـالـم الـدّبّـاغ فـبـلاغـة صـمـتـه تـتـمـثّـل في “لـوحـاتـه الـتّـجـريـديـة بـالأبـيـض والأسـود الّـتي يـعـبّـر فـيـهـا عـن الـكـثـيـر بـالـقـلـيـل”. ثـمّ نـتـوقـف أمـام ألـغـاز ورمـوز عـلي طـالـب الّـذي تـجـد الـكـاتـبـة في أعـمـالـه “ثـمّـة حـدث يـدور في طـقـس غـامـض يـتـوخى الـسّـريـة والـتّـكـتـم”. 

وتـشـرح لـنـا بـعـد ذلـك كـيـف اسـتـطـاع سـعـد شـاكـر “بـقـدراتـه ووعـيـه ومـثـابـرتـه أن يـجـسّـر الـهـوة بـيـن الـجـمـال الـمـحـض لـلـخـزف ومـضـمـونـه الـتّـعـبـيـري”. ونـسـتـمـرّ في تـجـوالـنـا بـيـن أعـمـال خـزّاف آخـر : طـارق إبـراهـيـم الّـذي “كـان يـسـعى دائـمـاً إلى إيـجـاد مـعـادلـة صـعـبـة بـيـن الـقـيـمـة الـتّـعـبـيـريـة الـتّـشـكـيـلـيـة والـوظـيـفـة الـتّـقـلـيـديـة لـفـنّ الـخـزف. ولـم يـكـن أمـامـه أفـضـل مـن اخـتـيـار مـادة مـن صـلـب الـطّـبـيـعـة، اسـتـخـدام الـطّـيـن”.

وتـجـدّ الـكـاتـبـة في الـمـشـهـد الـطّـبـيـعي عـنـد سـعـاد الـعـطّـار أنـثـويـة، وتـلاحـظ تـلازم عـنـصـرَي الـمـرأة والـغـابـة في فـنّـهـا. ثـمّ تـقـودنـا أمـام أعـمـال يـحـيى الـشّـيـخ بـحـثـاً عـن مـبـررات الـرّسـم، فـهـو “فـنّـان دائـم الـبـحـث عـن لـغـة تـسـتـوعـب اتـسـاع رؤاه. تـقـتـرب أسـئـلـة الـوجـود لـديـه مـن أسـئـلـة الإبـداع مـمـا يـجـعـل بـحـثـه الـنّـظـري الـفـكـري والـعـمـلي الـبـصـري بـحـثـيـن مـتـوازيـيـن ومـتـزامـنـيـن ومـتـكـامـلـيـن”.

وبـعـد أن تـتـكـلّـم لـنـا مي مـظـفّـر عـن الـعـراق الـسّـاكـن في وجـدان عـصـام الـسّـعـيـد وعـن نـهى الـرّاضي الّـتي الـتـحـقـت بـكـائـنـاتـهـا، 

نهى الراضي رافع ومي

تـنـهي هـذا الـقـسـم مـن كـتـابـهـا بـبـحـث فـيـصـل لـعـيـبي سـاهي عـن ذاتـه.

الـتّـواصـل والـتّـمـايـز : جـيـل الـثّـمـانـيـن نـمـوذجـاً

تـلـقي الـكـاتـبـة في هـذا الـفـصـل الأوّل مـن هـذا الـقـسـم “نـظـرة عـامـة عـلى الـحـركـة الـفـنّـيـة في الـعـراق خـلال حـقـبـة الـثّـمـانـيـن”. وتـسـتـعـرض “الـنّـشـاطـات الـفـنّـيـة في حـقـبـتي الـسّـبـعـيـن والـثّـمـانـيـن”، ثـمّ تـتـكـلّـم عـن “الـتّـجـارب الـشّـابـة الـلافـتـة”، وعـن “عـمّـان ــ الـمـحـطّـة والـمـلاذ” وعـن “الـفـنّـانـيـن الـعـراقـيـيـن في عـمّـان”، ثـمّ تـحـاول أن تـوضّـح لـنـا “الإضـافـة” الّـتي أتى بـهـا فـنـانـو الـثّـمـانـيـنـات عـلى سـابـقـيـهـم. وتـنـهي هـذا الـفـصـل بـ “نـمـاذج مـنـتـقـاة مـن فـنـاني جـيـل الـثّـمـانـيـن” : فـاخـر مـحـمّـد وهـيـمـت مـحـمّـد عـلي ومـحـمـود الـعـبـيـدي وغـسـان غـائـب وأحـمـد الـبـحـراني وسـامـر أسـامـة.

وتـخـصـص الـفـصـل الـثّـاني “تـداخـل الـحـضـارات والـبـصـمـة الـشّـخـصـيـة” لـمـظـهـر أحـمـد. وهـو “عـلى الـرّغـم مـن انـغـمـاره الـعـمـيـق في الـحـداثـة الـفـنّـيـة، لا يـزال مـحـافـظـاً إلى حـدّ مـا عـلى تـقـالـيـد الـرّسـم، عـلى عـكـس مـعـظـم الـفـنّـانـيـن الـمـرمـوقـيـن مـن جـيـلـه. وخـامـاتـه الـمـتـنـوّعـة الّـتي يـسـتـخـدمـهـا بـحـرفـيـة عـالـيـة تـحـتـفـظ بـأسـرار بـنـيـتـهـا الـتّـحـتـيـة ومـا تـوحي بـه مـن اخـتـزال يـتـمـثّـل بـرهـافـة الـخـطـوط وتـوزيـع الـكـتـل والـفـضـاءات بـشـفـافـيـة وتـلـقـائـيـة”. 

فاخر محمد

وتـتـكـلّـم في الـفـصـول الـتّـالـيـة عـن نـديـم كـوفي الّـذي “كـان يـحـلـم بـقـارب سـومـري يـحـمـلـه بـعـيـداً”، وعـن كـريـم رسـن و “حـرائـق بـغـداد”، وعـن “الـعـمـل الـفـنّي ومـا يـسـتـبـطـنـه” عـنـد هـنـاء مـال الله، وعـن نـزار يـحـيى و “أرض الـطّـيـور”. 

ولا يـحـتـوي الـقـسـم الأخـيـر مـن كـتـاب مي مـظـفّـر : “عـراقـيـون في الـشّـتـات : تـجـارب جـديـدة” إلّا عـلى فـصـل واحـد كـرّسـتـه لـ “عـادل عـابـديـن : الإنـزيـاح والـمـنـفى”. ويـنـتـهي الـكـتـاب بـهـذه الـمـقـطـع الّـذي يـلـخّـص نـهـج مي مـظـفّـر وأسـلـوبـهـا في إدخـالـنـا في أجـواء الـفـنّ الـعـراقي الـحـديـث :

“مـن خـلال الـمـسـافـة الـبـعـيـدة الّـتي تـفـصـلـه عـن أرض الـوطـن: يـصـوغ عـادل عـابـديـن خـطـابـه الـفـنّي والإنـسـاني مـسـتـعـيـنـاً بـجـمـلـة عـنـاصـر فـنّـيـة تـتـوافـر عـلـيـهـا أعـمـالـه كـالـشّـعـر والـمـوسـيـقى والـتّـصـويـر، مـكـوّنـة لـغـتـه الـجـمـالـيـة الأخّـاذة الّـتي يـسـعى مـن خـلالـهـا إلى فـتـح نـافـذة تـكـشـف مـا يـخـفى عـن الـعـالـم”.

ولـم أسـتـطـع، عـنـدمـا انـتـهـيـت مـن قـراءة الـكـتـاب، إلّا أن أبـقى جـالـسـاً دقـائـق طـويـلـة قـبـل أن أخـرج مـن دائـرة سـحـره. واحـتـجـت إلى فـتـرة أخـرى قـبـل أن أتـأسـف عـلى شـيـئـيـن (لـيـس لـلـكـاتـبـة أو لـلـكـتـاب عـلاقـة بـهـمـا) :

الفنانة هناء مال الله : االمأزق

أولـهـمـا أنـني لـم أقـرأ الـكـثـيـر عـن هـذا الـكـتـاب رغـم أنّـه واحـد مـن أهـم الـكـتـب الّـتي نـشـرت عـن الـفـنّ الـعـراقي الـحـديـث في الـسّـنـوات الأخـيـرة، وثـانـيـهـمـا أنّ الـكـتـاب لـم يـصـدر بـطـبـعـة فـنـيـة، وبـصـور بـالألـوان لـكـلّ الأعـمـال الـفـنّـيـة (رغـم أنّ الـمـؤلّـفـة وضـعـت 15 صـفـحـة بـالألـوان في وسـط الـكـتـاب). وهـذا مـا يـنـمّ عـن حـالـة الـطّـبـاعـة والـنّـشـر في بـلـدانـنـا.

وقـد ذكـرت الـكـاتـبـة عـلى غـلاف الـكـتـاب الأخـيـر : “أنّـه بـلا شـكّ يـفـتـقـر إلى بـعـض الـتّـجـارب الـمـهـمّـة الّـتي مـن حـقّـهـا أن تـقـف بـجـدارة مـع هـذه الـمـجـمـوعـة. وكـلّي أمـل في إضـافـتـهـا لاحـقـاً”. وهـذا مـا يـجـعـلـنـا نـأمـل نـحـن أيـضـاً أن تـتـبـنّى دار نـشـر مـهـمّـة إعـادة طـبـع الـكـتـاب مـع الإضـافـات في طـبـعـة فـنّـيـة تـلـيـق بـه.

*عن موقع الـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري. 

صورة للمبدعة مي مظفّر من أرشيف الأديبة باهرة محمد عبد اللطيف ، فشكرا لها.

   


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"