تابعنا على فيسبوك وتويتر

النظرية الملحمية .. إنموذج استقرائي لمناطقية اشتغالها

سعدي عبد الكريم/كاتب وناقد

(١) العواطف – الأفكار – السلوك

بُنيّ مسرح برتولد بريشت (المسرح الملحمي) على مبدئين اولهمـا * التعيين * وثانيهما * النقـد * التاريخيين فقد ولج بنا من خلال هذين المبدئين الى ايضاح معالم بيئية متعينة بذاتها تاريخيا ً ليوضح للمعنيّ بدراسة طروحاته ( الفنية ) كيف اثرت تلك البيئة في الشخصيات وشكلها وصيرورتها ونظمها الفكرية في الأعم الأغلب التي آلت بالتالي الى سحقها , بل وتدميرها بنوازعها الذاتية , والجمعية , بالكلية .

على العكس من كتاب الدراما المتقدمين الذين ركزوا على العناصر الشاملة واعتبروها مركزا للثقل الدرامي في * الموقف * و * القـدر * االانسانيين .

كان اهتمام ( بريشت ) منصبا ً على – الموقف – و – السلوك – الذي يتباه الناس في عموم المجتمع حيال بعضهم البعض في مواقف تاريخية محددة .

فقد كان مهتما في مسرحيتي { الماها جوني } و { أوبرا القروش الثلاثة } بالكيفية والهيئة التي يرتبط بها الناس بعضهم بالبعض الاخر بتواشج ضمني مفكك على اساس الروابط الاجتماعية المتخلخلة في المجتمع الرأسمالي , وفي مسرحية ( الام شجاعه ) بالهيئة وبالكيفية التي يرتبط بها التجار بالجنود وعموم المدنيين خلال الحرب داخل مجتمع منفتح السوق ومضطربا ً اقتصاديا ً , وصَورَ في مسرحية { اتخاذ تدابير } استعراض العلاقات الثورية في غمار النضال .

وقد أطلق ( بريشت ) على هذه المحاولة اسم ( التاريخ ) بمعنى الرد او الرجوع الى رحاب التاريخ او اضفاء الطابع التاريخي على محاولاته تلك .

وسيتمكن ( المعني ) بمسرح ( بريشت ) بالاحاطة على افضل نحو وارهف حس ٍ بالجمال التكويني الاخاذ والعالي الهمة في المنظر البنائي لـ( العرض ) وان يرتقى لاعلى درجات الابهار وأدق موجة من الصدمة , لاحالة المشاهد الى ضفة ( التغريب ) ليكون له بالضرورة وعلى نحو متقن متنفسا خصبا ً لبناء موقف ٍ نقدي لاذع مرتبط ٍ بموقفه الابتدائي الذاتي اولا ازاء تجاربه الحياتية ومن ثم موقفا نقديا عاما ًلتهشيم الحالة المعروضة امامه برمتها وتفسيرها ونقدها من خلال ( المشاهدة ) , وبالتالي وهو المهم أتخـاذ ( موقف نقدي ) جــريء ازاء ( مجتمعه ) الذي فرض عليه تلك المصائر والاطر المقولبة , والقوانيين الغير قابلة للتغيير.

إذا ًما دام النظر الى الترتيبات والمؤسسات الاجتماعية الراهنة وقت النزعة النقدية باعتبارها ترتيبات او ايديولوجيات او مؤسسات تاريخيـة انتقالية وعرضـة لـ ( التغيير )

إذن وعلى ضوء مفاهيم ( مسرح بريشت ) عليه ان يعرض لنا كمتلقين وهذه من مهماته الفكرية في بلورة أنموذجا ً رصينا لـ ( المسرح الملحمي ) وفق المعارير الثلاثة التالية .

1- العواطف .

2-الأفكار .

3-السلوك .

* بوصفها نتاجات لمواقف اجتماعية محدده واستنتاجات لها .

* وليس بوصفها افصاحات عن الجوهر الانساني .

لقد تبنى بريشت ما أسماه بالاداة المسرحية الاولية للمسرح الملحمي , اي ( التأثير التغريبي ) ان ( يُغرب ) او ( يـُبعد ) المشاهد , وبهذا يحوّل دون التقمص العاطفي والتوّحد مع الموقف والشخصيات , ويسمح بتبني موقف نقدي حيـال أحداث المسرحيــة ومن شأن المسـرح ( الملحمي ) ان يفعل ذلك من خلال الحيلولة دون الوهم التقمصي العاطفي او محاكاة الواقع .

لذا نجد ان برشت بفلسفة مسرحه الملحمي ذو الفكرة التغريبية قد تخاصم مع المســــرح ( المطبخي ) الذي يقدم للمشاهد تجربة ( سارة ) او ( عظة أخلاقيـة ) أو ( حلول ) يسهل هضمها لذلك نجده قد رفض المسرح الذي حاول تقديم ( توهم زائف للواقع ) .

ثم أعاد تقييم وإفراز السلوكيات المتاحة لدى الجمهور برمته من الناحية الفكرية الايديولوجية الرائجة والتي اثبتت مع الوقت جذورها داخل ارضية الحواضن المنشئية في النواحي المعرفية والفكرية , والسلوكية .

وهذا النحو من نمط السلوكيات المعرفية الفكرية ما رفضه ( كارل كورش ) بتوحد الايديولوجيات البرجوازية مع الواقع .

لذا نجد ان بريشت اجتهدَ في الاختراق المُنظّر وتمكن من التقاط فكرة كورش القائلـة …

( إن الأيدلوجية قوة مادية تستخدم كأداة هامة للسيطرة ) وهنا يكون الاثنان معا ( برشت ) و ( كورش ) قد اتفقا من حيث المبدئية العلمية التنظيرية بالنظر الى منطوق ان : –

( الايديولوجية قوة مضللة , ينبغي تحرير الناس من ريقها ) ( 1 )

وبذا ارتقى المُنظِران الى مستوى المصاف التبصيري الراقي والتجانس الجمالي الأخاذ لخرق فكرة عبادة الايديولوجيه باعتبارها محركة للواقع واداة تحفيز فكري وتحوليها الى فكرة طمس وسحق الايديولوجيات المعمرة , التي من شأنها ان تـُفقر الرؤيا وتعدم التحليق في رحاب التنوع الوعيوي الحداثوي , ومن ثم الانتفال السلس المريح التدريجي لفسح الطريق امام المنظرين الجدد في عملية الخوض في معترك التنظير لمرحلة ما بعد التجربه الحداثوية .

أي التنظير الى ( ما بعد الحداثة ) للتخلص من هيمنة الايديلوجيات المعمرة التي شاخت بفعل الشروط الحتمية النمطية لديموتها وانتعاشها .

لقد كان لممارسة ( بريشت ) لهذا النهج في تحطيم الايديولوجية والتعسف الفكري التدخلي الصرف والصارم والمقيد للحريات التوعوية للمجتمعات , او ما اسميه ( القهر الفكري ) .

مما عـُدَ تطبيقا منظما خالصا لمبدأ نقد الايديولوجيات والعمل الفكري المنظم , ذو الرؤى المعتدة بنفسها لمنظومة ثبات الافكار الجامدة غير المتحركة وازاحتها وفق التطور التاريخي المجتمعي للارتقاء بالحس البصري , والذوقي والاستنباطي الميال لبديهة الولوج للعقل البشري الفطري للمتلقي ( المشاهد ) والانتقال به صوب عالم استنباط الحلول من الركام المحيط به او الذي يقطن بداخله .

لذا نظر كلا من ( بريشت ) و ( كورش ) الى تطابق او تجانس العمل الفكري المتواشج بالعقلية الفطرية السليمة والرفعة العالية من انماط الثقافات المختلفة داخل تلك الصيرورة الفاعلة للنظرية الجمالية بوصفها لحظة من اللحظات الخارقة الأخاذة , لاكتشاف ما هو غير مُبّصر من مجاهل حياتنا اليومية المعاصرة واديمها النافق الازلي , وكذلك للابهار العقلي واستفزاز المدرك الحسي في الممارسة النوعية التغيرية في مناخات المجتمع بصنوف انتماءاته الاقتصادية , والفكرية ,والسياسية .

( 2 )الفضول – الدهشة – الصدمة

كشف لنا ( بريشت ) عبر مسرحه الملحمي , النقاب عن التطورات المجتمعية والسلوك الانساني المحض في التنوع النمطي للصراعات الانسانية الذاتية والجماعية ليلقي الضوء عليها ويوضح للمتلقي ( المشاهد ) الخاصية والكيفية الفعلية واسباب التصرفات المسوؤلة التي من الممكن ان تصدر من جمهور المتفرجين ( المجتمع ) حيال ذلك ( العرض ) الذي يجول داخل بون الحياة الانسانية اليومية المعاشة العامة , بالفـِردة او بالجمع ضمن المحيط برمته ازاء حُلة ِ التفرد تلك والعكس مضمون طبقا لتلك الرؤيا في جرأة الطرح الموضوعي للعرض .

وتبعا لذلك يقذفنا وسط رؤية دقيقة لكشف ما لهذه الكينونات المجتمعية من طباع على ضوء اختلاف درجة وعيها ووفق ما يحاط بها من قيم اجمالية ليجعل منا كافراد وجماعات متفاعلين متأثرين ومأثرين في تلك الصيرورة المتداخلة او في النزعة المتنامية الانتمائية لأنتشالنا من واقع سيء , رديء , متخلف , محبط,سلبي , الى واقع تنتعش داخل لواعجه الانتفاضية حالة اكثر تحضرا واكثرُ جدية وأعمق وعي ٍ من خلال ( الدهشة ) التي يعبر عنها بالـ ( الصدمة ) وبالتالي وكنتيجة مؤسسة وفق الثوابت الخارقة المنطقية المتنامية لتلك المعادلة يحقق لنا بالاجمال ( التغيير ) الداخلي ابتداءا , ومن ثم يغوص لاستنباط نوازع الشر في الذات البشرية لاتلافها وتحقيق النصرة المثالية عليها , وبالرغم من ان (بريشت) لا يقـدم في نظريتـة الملحميـة ( حلول ) جاهزة , او معلبات مغلفة بنتائج واضحة للخلاص , لكنه يحث المدركات العقلية والبواطن الخافتة والاصوات المبحوحة المنزوية في النفس البشرية , لاستنهاضها واستفاززها لتقدم لنفسها هي بذاتها , حلولا لجدلية حياتها المقرفة , المعقدة , وصولا لبناء تلك المجتمعية الفائقة النـدرة في الارتقاء لمستوى أمثل , وبالتالي وكحصيلة متوارثة عن مجمل هذه الادوات المحرضة , الاستطاعة او القدرة على ( التغيير ) في أنجع الحالات والمواطن .

وعلى سبيل المثال وبطريقة العرض ذاتها , وعلى وجه الاستدلال , استعرض بعض الحالات التي نسج حولها ( بريشت ) مجمل ملامح الصراعات الدرامية في اعماله ( العرضية ) الملحمية وما تلاقية شخصيات مسرحياته من ضروب الاضطهاد والمعاناة التي تتعرض لها داخل الثيم المنتجة الخلاقة الفاعلة , ففي ( الام شجاعة ) نجد وبوضوح ان معظم الشخصيات تتعرض لنزيف تلك المعاناة والاضطهاد الا انساني في بون الحرب القاتم , وعلى ان يفهم الشره في ( الماها جوني ) و ( اوبرا القروش الثلاثة ) والاضطهاد والاحكـام المتعجرفة في مسرحيـة ( غاليلو ) على انها مكونات ومدلولات متعينة تاريخيا لبيئة اجتماعية بعينها ,وهذا ما اسميه بالـ ( الكبت المعرفي ) او ( التعسف الفكري ) لكونهما نتائج محتملة ومتوقعة وفق المنظور ( البريشتي ) للفكرة باعتبارها متنفسا واخزا وجزءا من ذلك المخاض المؤلم وهو بالتالي اي ( الكبت المعرفي ) اختراق غير مبرر لمنظومة العقل البشري النوعي المتطور المتسامي الخلاق , والحقيقة وبذات الصدد هذا ما يشكو منه التاريخ ذاتة كقيمة استعراضية مماثلة لمنهج العرض الذي سيحل بمدلولاته وبمكنوناتة ليفرضها ثانية فوق طاولة الاستقراء والنقد والتحليـل ومن ثم ليثيـر في دواخلنـا ونوازعنـا ( الفضول ) ومن ثم ( الدهشة ) والتحضير للـ( الصدمة ) وصولا لاحداث مظاهر ( التغيير ) كقيمة فاعلة في المجتمع .

واستنادا الى ما صرح به ( والتر بنجامين ) فان الاستجابة للمسرح الملحمي ينبغي ان تكون على ما يذهب اليه بنجامين : – (2)

(ان الامور يمكن ان تحدث بهذه الطريقة , لكنها يمكن كذلك ان تحدث بطريقة مختلفة تماما)

اي انه يتسائل بنباهة ( أعلى هذا النحو تمضي الامور ؟! ) و( كيف يمكننا تغيير الاشياء)؟!

وردا على تلك التساؤلات , أقول , تتمثل ( الايقونة السحرية ) كما أسميها في تقديم افضل أحاطة ومقاربة ومعايشة في العرض المسرحي للشرائط الفضلى ( البريشتية ) الثلاثة : –

•1- الفضـول .

•2- الدهشـة .

•3- الصدمـة .

على انها ثلاثة معايير او فضائل مشفوعة على نحو تعزيز المسالك الجمالية المهضومة وتنظيم الهيكلة العرضية للفكرة ( الثيمة ) وايغالها في تخوم البون المجتمعي المتشابك الصراعات والمتداخل ضمنا في معترك تلك المعاناة الانسانية اليوميـة للمتلقي ( المشاهد ) كما يسميهـا ( بريشت ) بـ ( حكايات المغامرات ) فقد عزم ( بريشت ) على ان يشق مشاهديه طريقهم وفق تلك الخطة او المنظومة التي رسمها لهم ابتدءا ً من الفضائل الثلاثة معززة بـ بجمالية ( تركيب الصورة ) صوب ضفاف الاستفزاز العقلي ليخلق حولهم هالة من الرفعة النقدية على التقلبات ووالوقائع المجتمعية وأن يدركوا بانهم بحاجة ماسـة وضرورية للـ ( التغيير ) وان يقدموا حلولا ناجعة لتلك المهازل المترامية بالكم والنوع ليصار الى وضوح في رؤية الواقع بشكل مثالي , عقلي , ثاقب ومن ثم الى النهوض به تدريجيا او دفعة واحدة لنبذ ِ ما هو ( غير صالح ) وأقامة حدود فاصلة بين الواقع السيء الرديء , وواقع مجتمعي واع ٍ ( صالح ) ونقي من الهنات الشوائب .

وتلك هي المهمة ( المنتجة ) المتواخاة من هذه المعادلة او التجربة في رهانها الحقيقي وفق تلك الشرائط الثلاثة لتكون معشبا خصبا وملاذا جليلا في لب تجربة ( التغيير ) .

لقد عزم ( بريشت ) ان ينتزع من ( المشاهد ) عبر ( العرض المسرحي ) اعتراضا صريحا نصيا وجماليا منقوشا داخل الذاكرة ( المدركة ) ليرتقي بها الى المشاركة الفاعلة الايجابية والتي من اهم اعمدتهـا ( التفكير النقدي ) وأنـا ادعـوا الى تطويرهـا لتسمـو لمصـاف ( الحث التفكيري النقدي الصارم ) للخروج بافضل النتائج وارقى الفضائل من مجـرد التسليـة او قضم الاظافـر داخل صالـة العرض المسرحـي , او ان يتفطـر قلب ( المشاهد ) حزنا ً والما ً وهو يراقب بعناية كيف يُغمدُ عطيل خنجره في قلب دزدمونه النابض بالحب وبالتالي لينتزع من مقلة ( المشاهد ) دمعة شفيفة على مذبح تلك الجريمة النكراء , ليخرج من صاله العرض ويركن للبكاء لبرهة , بعدها ينشف دموعه بمنديل حريري , وفي الغد ( ينسى اسـم من هو ذلك الشاعرالفـذ الذي كتب مشهد هذه الملحمة الخالدة الذكر) !!!

أذن وبالاجمال سيسمح لنا هذا الاستبصار ( البريشتي ) الملحمي , التوغل في العقدة المجتمعية ذات المثالب والنكابات الحقيقية , ليقذف بنا داخل اتون عالم فسيح من التفكير المضني والحاجة الماسة الآنية الى ( التغيير ) الاجتماعي وحثنا على البحث الدائم والسعي المستمر الى الارتقاء لمستوى ( العرض المسرحي ) , والمشاركة الفعلية الفاعلة في احداثه لايجاد حلول آنية صارمة داخل ذلك ( الهول المسرحي ) الفكري الأخاذ اللاذع والمبكي بدموع بلون الدم , ولكن من المكنونات الخفية , لمواطن المدركات العقلية المُسْتفـَزة .

( 3 ) فصل العناصر

أهتم ( برتولد بريشت ) أيما أهتمام , بان ينحو في نظريته ( النظرية الملحمية ) منحى ً ثوريا ً فلجأ الى التعايش وقبول مبدأ أو فرضية ( فصل العناصر ) او ( سياسية الفصل ) فقد استطاع التفريق او التمييز او الفصل بين المترابطات التي بـُنيّ عليها العرض او الشرائط العرضية الثلاثة التي ربما احتلت عند كتاب الدراما الاخرين عناصر او شرائط من غير الممكن التخلي عنها او الفصل بينها لاستكمال ( جمالية العرض المسرحي ) وهي :-

•1- الكلمـات ( الحـوار )

•2- الموسيقى ( المؤثرات )

•3- المشهـد ( الصورة – السينوغرافيا )

تعارض ( بريشت ) في طروحته هذه في فصل العناصر مع مسرحيين كبار ربما ياتي على رأسهم ( فاكنر ) الذي ذهب او دعا الى نظرية ( تكامل العمل الفني ) والذي عمل على دمج العناصر ببعضها ليحولها الى عنصرين مهميين ( جذاب ) و ( قاهر ) تتداخل او تنمو او تعمل فيه الكلمات ( الحوار ) مع الموسيقى مع المشهد ( الصوره ) جنبا الى جنب ليخلق من هذا التمازج والتلاقح الفني عرضا مسرحيا متكاملا ليرتقي بالـ ( المشاهد ) الى حالة سامية من الاندماج الكلي السحري , وتذويبه بما أسماه ( كلية العرض الجمالية ) .(3)

وذهب ( بريشت ) في طروحته ( التغريبية ) في فصله الجذري للعناصر ليخلق حول المشهد حاله من التعيين والمعارضة الفكرية الابتدائية والنقد الصارم , ليصار كل ذلك الى تغيير محتم انموذجي خلاق , ومن ثم ليحتفظ كل مكون جمالي باستقلاله الذاتي المتفرد , و ابعاد او ( تغريب المشاهد ) عن الانغماس الكينوني المجرد والتعاطف الذهني المؤقت الى حالة الصدمة وكسر طوق المتابعة للـ( المشهد ) لا باعتباره استنفار للعواطف او الهيمنة على المشاعر الانية الزائلة , بل باعتباره أستقراءا ً ذهنيا ً جادا ً يتوجب الخروج منه بافضل النتائج وارقى الحلول مع احتمالية الارتقاء بـ ( المشاهد ) لاعلى مستويات النضوج الفكري لفكـرة العرض وهذا على الاقل وفي الحدود الدنيا ما يتوخـاه ( بريشت ) في مسرحه الملحمي من التوازن الفعلي بين المشهد المسرحي المعروض من جانب , والمتلقي من الجانب الاخر , ومن اجل ان يحدث هذا التواشج بين ما ذهب اليه ( بريشت ) في فصل العناصر واختراق مخزوانات الذات البشرية او عقل ( المشاهد ) وبالتالي الى الارتقاء به الى مستوى العرض فهو في ذات العلة , يـُقحمُ نبوغية وطبائعية وفطرة ونباهة ( عقل المشاهد ) ليرتقي به لمستوى العرض الملحمي ذاته .

وهنا لا بد من الاشارة الى مكنونة ( التناقض الفكري ) في مسرح ( بريشت ) في الاستشارة اي ( التفكير ) و ( الاستبصار ) فهما عنصرين مهمين وقائمين في مسرحه , لكونهما مدلولين باستطاعتهما الاخذ بتلابيب ( الفكرة ) صوب ذلك الالق المضيء للحث على التفكير لايجاد ملاذات حلولية صارمة وفق ما تعانيه ازمة ( الثيمة ) وصراعاتها المتغربة , وبالتالي ما يتوخاه ذلك الفصل بين العناصر من نتائج فعلية , ما بعد العرض او اثناءه .

ففي مسرحيـة ( اوبرا القروش الثلاثة ) نجد في البــدء ان ( ماك ) و ( بولي ) ومن ثـم ( ماك ) و( جيني ) يقوما بالغناء عن الحب والعاطفة الشاعرية الجياشة المغلفة بنمط من انماط الغوص بملذات الحياة اليومية , لكن المدهش في الامر ان المشهد برمته ينمي عن موقف محزن مليء بالسخرية اللاذعة للحياة لتبيين هذا التمازج بين الفرح والغبطة وذلك الحزن والالم الذي يغلف المشهد برمته , والادهي انه مشهد مليء بسرقات السلع , وياتي بعد ذلك مشهد المبغي , وكل تلك الصراعات وهذه الحبكة برمتها مبنية على ( الخداع والخيانه ) .

وهذا النمط من انماط البناء المسرحي ( البريشتي ) يقود المشاهد الى الفضول ومن ثم الدهشه والصدمة وصولا ( للتغيير ) في ذات المبتغى في فصل العناصر بحيث يدفعه مرغما الى التأمل في مشيئته المتحتمة والسخرية من قوانيين اللعبة , ليخرج بنتائج التفكير لما آلت اليه هذه الشخصيات التي وقفت امامه لتقول , عليك ان تدرك بان داخل احداث هذا التمازج بين المرح والغناء والسرقة , لعبة كبيرة وحبكة مصدمة , وهي بالتالي تؤدي الى الخيانية والخداع .

اذن ان ( بريشت ) دعا مشاهديه الى التفكر والاستنباط وايجاد الحلول والتغيير وهذه هي مهمته الاصلية الملحمية .

لقد إعتقد ( بريشت ) ان الفصـل بين العناصـر مـن شانـه ان يحـوّل دون ( التوحد ) و ( الانغماس ) السلبي وكل ذلك من شأنه ان يثير ( التأمل النقدي ) فكل وسيط جمالي بهويته المستقلة بذاتها هو نتاج لـ ( تجمع فنون مستقلة ) في توتر تحضيري .

ان نظرية ( بريشت ) في الانتاج الجمالي تتطابق مع ما دعا اليه ( كارل كورش ) الى النشاط الديمقراطي المشترك الخاص في خضم الانتاج التعاوني في مجالات العمل والسياسية فذهب بريشت الى ما ذهب اليه ( كورش ) في نوع التحقيق ذاته في المساهمة والمشاركة في انتاجه الجمالي وعمل في أطر جماعية يشارك فيها فريق من العاملين لتقديم (أنتاج مسرحي) أمثل باعتباره تثويرا دائما لقوى الانتاج كذلك دافع ( بريشت ) عن آراءه ازاء الناقد ( جورج لوكاتش ) واكد ( عن الحاجة الى التجديد والتجريب , وانتاج اشكال جمالية جديدة ) ( 4 )

لكن ( بريشت ) قد نحى منحى ً ثانيا حينما عكس ( لوكاتش ) واكـد على القـول بانه لما كان ( جهاز الانتاج الجمالي ) لم ( يسيطر عليه الفنانون ) بعد ولم يعمل للصالح العام , فان على الفنانيين المغيريين ان ( يكافحوا ) لـ ( تغيير ) ( الجهاز الجمالي ) اي ان يطوروا وسائل الارتقاء والسمو والرفعة النقدية وتطوير أنماط التفكير والابتكار ليجعلــوا منها مواضيــع ( تستحق التفكير ) وان يجعلوا منها اماكن تعليمية وحواضن فكرية ومخاصب للتغيير ومنصات مقدسة للاتصال بالجمهور وموطنا للتعليم , لا عن طريق العودة من جديد لمسلمات نظرية تكامل عناصر العرض المسرحـي , لكن المهمة الجوهرية فـي النظرية الملحمية ( البريشتية ) تكمن هي في فصل عناصر العرض .

اذن فقد عارض بريشت – لوكاتش في طروحاته واكد على فصل العناصر ليحصل من خلالها على تحفيزا تثويريا للـ ( التغيير ) وعمل وفق هدف سام في نظريته الملحمية واوصى الى ( علم جذري لاصول التدريس ) يستند على تقويم الحالات الثقافية والاحوال السياسية والاوضاع الاقتصادية , وعلو شأن الظواهر الفكرية النبيلة , لهدم هوة الركون للصمت او الى حصانة الرذيلة , من خلال هذا المعجز السحري الخلاق ( المسرح ) .

( 4 ) المنهج التعليمـي

كان ( بريشت ) يرى بأن المسرحيات ( التعليمية ) تتفوق على المسرح الملحمي لكونها اكثر فاعلية من حيث الجوانب التعليمية وأعتبرها سلسلة من التجارب ( السوسيولوجية ) ليبتدأ بها دراسة المجتمع وطبائعه الذاتية والجمعية على حد سواء لأخضاعها لاشتراطات منهجيته التعليمية التي دعا اليها باعتبارها المنبر التعبوعي للتحفيز والاعتراض عبرالاشارة الى مواطن الخلل ومن ثم انشاء سدود واقية لعدم استفحال الظواهر السلبية الاجتماعية داخل جسد المجتمعات المتحضرة ولمنع الايديلوجيات المعمرة للزحف الى عمق النفس البشرية الواعية الخلاقة واتلافها وصهرها داخل بودقة رحم الجمود والسكون للمواقف المفروضة بقوة القدرية .

وقد اطلق ( بريشت ) على هذه التجارب السوسيولوجيـة عنوان ( تمارين الرشاقـة ) او هي بمثابـة (تدريبات ذهنية) وبالتالي ستؤدي له هذه الاعمال المسرحية بالاجمال الى متنفس لـ( تثوير ) ملكة الذهن وأدوات ( الجهاز ) المسرحي بصورة أصيلة وجذرية .

وذلك من خلال السياقات والضوابط الأنموذجية الثورية للفرق المسرحية التي تحفل بنوع من أنواع الأنتماء السياسي , أوالفكري التي يمكن ان ( تعرضها ) أمام جمهور يتفق بالحدود الدنيا مع تلك المحاور والشرائط السياسية و الفكرية ابتداءا ً من الفكرة وانتهاءا ً بسياق وسمات العرض المسرحي ليرتبط معه ارتباطا ً ( ثوريا ً ) تتجلى فيه عملية الصدمة بأرقى وأدق صورها وذلك عبر ( المنهج التعليمي البريشتي ) ومن ثم لينتج عبر ذلك المنهج التعليمي في العرض المسرحي تأثيراً ثورياً صوب التغيير المحتم الصارم ( ذاتيا كان أم جماعياً ) لحركة التاريخ ومسار الايديولوجيات , ولا ينبغي لنا النظر لتلك الاعمال المسرحية بوصفها أعمالا صغيرة محدودة القيمة , وغير ذات جدوى , ولكننا يجب ان ننظر لها بعين الاكبار لكونها من أسس المنهج التعليمي الذي ينحو منحى التغيير في مسار التاريخ والمنظومة المجتمعية .

ومسرحية ( أتخاذ تدابير ) ينبغي ان تُعتبر المثال والنموذج لمسرح ( المستقبل الثوري )(5)

استطاع ( بريشت ) خلال فترة المنفى ان يطور أشكال جمالية جديدة على ضوء علم الجمال المادي وكانت جل أطروحاته هذه تنصب في ميدان كتاباته النثرية التي كان يصور ويوضح فيها الصراعات السياسية للعصور , ويفضح في ما لا شك فيه عن التناقضات والمفارقات في المواقف السياسية من جانب وبين الافكار من جانب اخر وبالتالي الاستفاضة بالكتابة عن قضيته الاساسية الكبرى التي عنيّ بها كثيرا وهي تطبيع هذه الافكار واظهارها الى حيز الوجود , اي تطبيق الافكار والملهمات الفكرية والسياسية وجعلها خبزا يعتاش بها وبظلها جمهور الفقراء والمحبطين وتحقق له ذلك بالاعم الفكري والسياسي عبر الوخزات التنظيرية للظاهرة التعليمية داخل ملفات افكاره النيريه , فلقد وضع اليد في كثير من الاحايين على مجمل الاوضاع المتردية السلبية للرقي بها الى مصاف التكامل ما بين (الطروحات الفكرية ) و( التطبيق ) ولذلك نجده قد اتفق مع ما ذهب اليه كلا من ( كورش ) و ( لوكسمبرج ) وانحاز الى افكارهم الاشتراكية في حين انه قد طفـا على سطح ومضـات ( بريشت ) الفكريـة ( توتـر ) واضح وجلي يكاد لا يخفيه في ملامح اعماله المسرحية وبين ( اللينينة التقليدية ) في الميادين السياسية التطبيقة , وعلم الجمال معا ً, هذا التوتر الفكري صُـور كعداء واضح من جانب الحزب الشيوعي الالماني حينذاك لمجمل اعماله المسرحية .

ولقد تمخضت المجادلات المتعمقة المتوالية التي خاض غمارها ( بريشت ) مع ( لوكاتش ) حول مفاهيم الواقعية الاشتراكية بوصفها مذهبا جماليا سياسيا رسميا .

لقد أهتم ( بريشت ) أيما أهتمام بان تعرض نتاجاته المسرحية التعليمية في المدارس والمصانع والتجمعات السياسية حيث يستطيع ( الممثلون ) و ( الجمهور ) من التداخل والتلاعب وتغيير اشكال المسرحية حسبما يشاؤون وفق مفاهيم رؤيتهم الانية للشكل المجتمعي والذاتي المعاش .

فـ ( المسرحيات التعليمية ) في معتقدات ومفاهيم ( بريشت ) الفكرية ليست معنية بالدعوة لمذاهب سياسية محددة او احزاب بذاتها او تلقين الجمهور ( المشاهدين ) مواعظ سياسية او خطب جاهزه او شرح لايديلوجيات بعينها لتصبح خشبة المسرح عبارة عن مصنع استهلاكي للافكار السريعة الجاهزه , او القيام بالدعاية المجانية او المربحة للاحزاب ليتحول العمل المسرحي ضمنا ً لمجرد جولة سريعة للاعلان عن فكر سياسي ساذج .

فكان لزاما ًومن خلال المبعث الحي لقدسية العمل االمسرحي باعتبارة أداة تعليمية تتوخى التغيير الحقيقي الصارم وعلى ضوء التقدير الاقل اعتراضا , الذي يعرضه لنا ( بريشت ) عبر منهجه المسرح التعليمي , ولما كان ينبغي عليه في عرض هذه الاعمال المسرحية ان يشرك جمهورا محدودا صغيرا في أنتاج عملية التعلم والتعليـم , وتتجلـى هذه الفكـرة في

مسرحية ( أتخاذ تدابير ) على سبيل المثال لا الحصر فهي تحاكي وتواجه الجمهور بالمسائل الرئيسة للثوره , والعنف , والانضباط , وهيكلة الثورة , والعلاقة بالجماهير , والعدالة الاجتماعية عبر مفاهيم الثورة , والبدائل الثورية المتواخاة , ومن ثم ياتي ليؤكد ان ليس هناك ثمة مذهب صحيح يجري طرحه , يستطيح ان يحافظ على ديمومته وعلى الممثلين ان يقدموا مشهدا ثم يقوموا بمناقشته مع الجمهور شأن أنموذج ( كورش ) الخاص بمجالس العمال فانه لا ينبغي ان يكون هناك نمطيه من التسلسل الهرمي الثابت , وانما ينبغي ان تكون هناك مشاركة ديمقراطية في الانتاج المشترك ومن مهام الجمهور ( الشعب ) ان يرسي مبادىء الممارسة الثورية , ولذا فان مهمة الفنان الثوري هنا ليست جعل المذهب السياسي او الحزبي مستساغا ليسهل استيعابه .

( وانما مهمته تشجيع الفكر النوعي التوعوي الخلاق , والنقد الثوري له ) .

ووفق هذا المنهج التعليمي الذي يصر على استخدام لغة مسرحية مسموعة وادوات ممنهجة عالية الهمة , للولوج الى اذهان ووعي الجمهور ( الشعب ) ومن ثم الارتقاء به لمستوى المشاركة الفعلية الفاعلة , والتفاعل القصدي الفكري في ( العرض المسرحي ) للخروج بنتائج فضلى صوب أنشاء ( ذات بشرية ) خالية من الشوائب الدنيئة , وخلق ( مجتمع راقي ) يصبو الى التكامل الامثل عبر المفاهيم والمعايير الاخاذة للمنهج ( التعليمي البريشتي ) .

( 5 ) بريشت بين حياته .. والنظرية

هو ( يوجين برتولد بريشت ) الذي أرتأى في وقت لاحق من حياته حينما ذاعت شهرته وسَطعَ نجمهُ , كشاعر وكاتب مسرحي ومخرج وصاحب بوادرَ نظرية ٍ مسرحيةٍ جديدةٍ أن يسقط من أسمه ( يوجين ) ليعرف بأسم ( برتولد بريشت ) في دور النشر وفي المنتديات وعلى مستوى أعضاء الفرق المسرحية التي كان يتعامل معها وعلى صعيد النقاد بوصفه شاعرا وكاتبا مسرحيا , ومخرجا , وصاحب نظرية جديدة في المسرح الحديث 0

ابتدأ ( بريشت ) حياته الفنية شاعر نثر , وفي أواخر عام ( 1918م ) كتب باكورة أعماله الدرامية , مسرحية ( باخوس ) التي عدت أول محاولة له للكتابة في فن المسـرح وتتنـاول ( باخوس ) في ثيمتها وتطور احداثها اللاحقة , التمزق الداخلي والاحباط الذاتي , والتشتت الفكري , والنزعة الى الغربة داخل الذات , لقصة جندي يعود من جبهات الحرب , ليجد نفسه بين مصيره التائه , ونداء الجماعه , للرقي به فوق شتاته الذاتي0

لقد كُتبت هذه المسرحية بأسلوب ينحى بدرجـة او باخرى منحى ( المدرسة التعبيرية ) التي سادت المسرح الالماني في ذلك الوقت , وانتعشت أيما أنتعاش عبر مسارحه المنشره في برلين , وكان بريشت قد كتب ( باخوس ) بلغة شعرية جميلة أخاذة , لتحلق بعيدا بشاعريتها المتألقه , لترقي الى سمو القصائد الطويلة الخالدة , لكنها سببت له انتكاسة مروعة , حينما لم يكتب لهذا العمل المسرحي ( باخوس ) أن يرى النور , ولم يعرض البته على خشبة أي مسرح ِ , من مسارح المانيا وقتذاك .

ولكنه ورغم ذلك لم يعتريه الاحباط والقنوط , فكانت محاولاته اللاحقة لخلق وطرح ومغازلة ( الجمالية الواقعية الاشتراكية ) في الدراما , قابلة للتميز والقبول , وربما للنقد في أحيان أخرى , الا ان اهميته الفذة بوصفه كاتبا مسرحيا مجددا , وفي المقام الاول بوصفه شاعرا نجيبا , لستُ هنا بموضع التساؤل او الأتهام المباشر او النقد لهذه القدرات القذة , لكن الاشارة فقط الى قصائده الشعرية الطويلة الاخيرة التي اعتبرها النقاد من أمهات الشعر الالماني في العصر الحديث , لكنه هو نفسه , اعتبرها خيبة أمل مغلفة بالاحباط , ومؤطرة بالاكتئاب , حيال المُثل العليا التي كان يؤمن بها في مراحل شبابه المبكرة , وفقدان فورة تلك النزعة للتجديد الساكنة داخل جسدة النحيل , الممتلأ بالحيوية , وذهنه المليء بالافكار , والمجبول بشاعرية متقدة .

آثر ( بريشت ) على رفضه لهيمنة ( التزامه السياسي ) فاسفر ذلك على رؤيته للعالم بشكل حديد آخر , باعتباره هولا ً شاسعا , وبوبا رحيبا خصبا , وأفقا ً متقدا بالافكار , مما ساعده هذا الخلاص من المحكم الايديولوجي ( الالتزام السياسي ) , الى التفاته لذلك الافق الرحب المترامي الاطراف للعالم , لايجاد , وخلق حيثيات رؤيوية حديدة خارقة , وأثراء معرفي شامل , ونقد صارم , ومحاولات فعلية للتغيير , ومن ثم اخضاع كل ذلك التراكم المهول من المنظورات الشاخصة الخاطئة للمجتمع , والحاجة الماسة للـ ( التغيير ) عبر خشبة المسرح فبدأ في بث الروح في عروق نظريتة الدرامية الحديثة .

لقد ساعدته رؤيتة الشعرية الأخاذة للأرتقاء بذاته ليسمو ويسطع نجمه كشاعر وكاتب ومخرج درامي مرموق , صادق , يتعامل مع شخصياته التي تتضمن طروحاتها استيحاءات سياسية , الا انها لا تتجاوز مقاصده , وبالتالي لم تنتقل بـ( الاستلال ) لعمـوم الشخصيات

في اعماله المسرحية لتشمخ بذاتها شخوصا واعمالا درامية عظمية جعلت منه من افذاذ المنظرين , وكُتاب المسرج الحديث , الذي لا يتنازع علية قلة محدودة من النقاد الا واقروا على عظمته ككاتبا مسرجيا مجددا فـذا ً.

لقد كانت طروحاته ونظرياته في ( علم الجمال ) تسمو منتعشة ً لتلج جوهر عمله المسرحي الابداعي , وفي ذات الوقت كان يحسبها معرقلة ومقيدة لعمله الابداعي , لكونها لا تترك له الخيار بالتنقل الحر داخل مناخاته الذهنية الفائقه , غير أن مأخوذه السحري الفطن الجديـد ( المسرح الملحمي ) أنتشله من سديم ذلك الصراع العنيف , ليُصار الى أنموذجا رحبا ً خلاقا لتتلاقح وتتزاوج داخله بنات افكاره الخلاقة , بوصفـه بديلا ً جذريا ً ضروريــا ً ملحـا ً لـ ( المسرح الدرامي ) , لتبقى طروحته تلك , نظرية ً جديرة ً بالاهتمام وملاذا شاملا خلاقا جذابا على الصعيد ( الجدلي ) ومحطة جديدية للابداع للكثير من المعنيين والمهتمين بالخروج عن طوق انماط النظريات ( الكلاسكية القديمة والحديثة ) والاهنمام بالعملية الجمالية وصهرها في المناخات الحداثوية لـ( فن المسرح ) .

لقد عاش ( بريشت ) ما بين عاميّ ( 1918 – 1933 ) فترة ً حكمتها علائق صراع شديدة التوتر والهيجان الطبقي والفكري , حيث كان من أهم أطراف ذلك الصراع المحتدم فئات الجماهير العريضة المسحوقة , التي تحاول النفاذ من هيمنة قطاع عريص من الاحتكاريين الذين حرموا تلك الطبقات الفقيرة من أدنى درجات العيش الانساني , بل ويحاولون اذلالهم واستغلال طاقاتهم الجسدية في ورش العمل والمصانع الكبيرة ليبقون داخل عتمة ذلك الفقر المدقع ومستنقع الرذيلة والاحباط , وتقابلها من الطرف الاخر فئة كبار الرأسماليين , ورجالات الحرب الذين دفعوا أعداد هائله من الشباب في أون الحرب بل يصل الامر للجم الافواة , والتعذيب داخل المعتقلات السرية لكبت أصوت الحرية لدى الشعب ومن خلال مجمل كل تلك الفئات المهيمنة على مصائر الناس , تنتعش فئة اخرى وسطية ً من الموظفين البيروفراطيين , ورجالات الدين , وغيرهم من المتنفذين , يبقى المجتمع الالماني آنذاك يرزخ تحت نير تلك الشرائح المتسلطة على الرقاب والمنتعشة والمترفة أقتصاديا , والتي تتوفر لها كل وسائل العيش الرغد , وما بين اولئك الذين يرزخون تحت وطأة شغف العيش والحرمان والفقر المتقع .

وهنا ينبري ( بريشت ) في طرح مضمون نظريته ومسار قواعد فنه الخلاق الجديد وابداعه المسرحي الذي دعا فيه للـ ( التغيير ) بصفة خاصة , ومنهلا خصبا لأستداع الفكر الانساني المبدع الخلاق , ليكون مشاركا فعليا , وقدرة فاعلة ثاقبة , في إحداث الصدمة وصولا لحالة ( التغيير ) الملزم الصارم , لمجمل الانحرافات المتأصلة داخل المجتمعات البشرية , وربما تلك هي المندوحة الفضلى والمثلى , التي تحسب لنظرية المفكر والشاعر والكاتب والمخرج الفذ ( برتولد بريشت ) في اطروحتة المجددة ( النظرية الملحمية ) .

الهوامش

( 1 ) كارل كورش ( الماركسية والفلسفة ) ص 70

( 2 ) والتر بنجامين ( فهم بريشت ) ص 8

( 3 ) بريشت يتحدث عن المسرح ص / 33

( 4 ) الجماليات الواقعية الاشتراكية عند بريشت / دوكلاس كيرنر ص / 51

( 5 ) الدراما التعليمية / اولتر نيتف / ص 78

سعدي عبد الكريم/كاتب وناقد


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"