تابعنا على فيسبوك وتويتر

العجائبي والرمزي في الكتابة القصصية

قصة عرس في مقبرة”  للقاص العراقي علي السباعي 

أمجد مجدوب رشيد 

 عضو اتحاد كتاب المغرب 

إضاءة:

النسق السردي مصبوب بملكة فنية بينة  ،له تلك النكهة التي تحفظها وهو يذهب بك،يأخذك إلى عوالمه وتحولاته،سرد يغرس نصله في الراهن،في وجع الوطن والإنسان،وتيهه الوجودي،وفي مصيره.

– “إيقاعات الزمن الراقص” مجموعة قصصية ،تؤكد رسوخ القاص علي السباعي في مسار الكتابة السردية وتحديثها

– فمن أبرز مميزات كتابته:

– دقة اختيار المعجم السردي.

– ابتكاره لحدث مفعم بالمفاجأة والدهشة.

– كتابة سردية منفعلة بأسئلة الوطن والإنسان.

– تستغور طيات النفس.

– تبني فضاء من التخييل الرامز.

– الرمز:

– الرمز حسب جوتييه :                     

–          «…إيحائي بجوهره لا يكتفي بتصوير الأشياء المادية ، بل يسعى  إلى نقل تأثيرها في النفس بعد أن يلتقطها  الحس ،ثم إنه يحمل معنى ذاتيا في الوقت الذي  يوحي بمعنى غير محدد،خارج عنه ومنوط به .” (1)

 

وفي هذا النص نرصد الكيانات الرمزية   التالية باعتبارها شفرات دالة وذات إسهام في تكوين حبكة النص وشد وثاق الخطاب،وتشكيل رؤاه الفكرية والجمالية :

 

الكيان الصوتي :

«تسحب أنفاسها بصعوبة كأنها قنينة تحشر في الماء عنوة فتطلق فقاقيع ………..

ارتفعت القعقعة………..

صرير الصراصر حاد وموجع، تقول ودموع الفرحة تترقرق من عينيها……….

تزغرد، تقرع طبولها، تراقصه نغماتها فوق جذع شجرة الكافور المنتصبة وحيدة وسط القبور، ….»

 

الكيان اللوني:

كأنها قرص أحمر ملتهب شرخ حياتي إلى نصفين: -عزلة، وخذلان……

الغروب

أحلم، والشمس بانحدارها نحو الغروب تترك صبغتها الحمراء كالدم تعتمر بها قمم القبور…

عيناها السوداوان الوحشيتان تهطلان دموعاً مخضبة بالكحل، أحسست بأنني كطائر البوم….

ارتدى الليل ثوبه الجنائزي الأسود، اكتست القبور بظلام أب الحالك، نظرت ذاهلاً، مندهشاً

، انتشر النور قادماً من عصور سحيقة، موحشة، ليملأ المكان برائحة الشمع والجماجم المحترقة قلت مستفهماً بقسوة:

، وبأنني معشوشب هنا في المقبرة، كأنني عشبٌ ضار يقتات وجعاً، يتلبسني الإنهاك كوني زمناً مضى، بل فكرة سرعان ما تناقضها

الكيان العجائبي:

تخترق عيوني العديد من الهياكل العظمية تصطف على شكل أزواج، العشرات من الجماجم موزعة على مواضع منتخبة بإتقان وقد رتبت على شكل أزواج فوق القبور.

**

تسيد الفجر، أغمض عيون النار أجفانها، تراقصت، خشخشات ناعمة أصدرتها إغفاءاتها المتثائبة نشوة، فردت الحياة أجنحتها، راحت تنظف ريشها الزاهي بمناقير قدت من وهج الشمس، شرعت غربان المقبرة بالبحث عن غذائها، غراب أسود كبير بجناحين أبيضين عظيمين يحوم فوق ((تاجية)) 

المضطجعة على الأرض، مباعدة ساقيها ما وسعها، مغرية الغراب على النعيق، استفاقت مذعورة، تتلفت كمن داهمها لصوص سرقوا سعادتها منها، 

كيان المأساة:

تشاركني ((تاجية)) الصراخ والطواف بين القبور تبكي بناتها، حظها، وألمها الذي زعزع كياني، مزق يقيني بالحياة، أمسكتها من يدها مهدئاً، داهمني منظر الدموع السابحة في الكحل الأسود

كانت مصرة على البكاء، لتذكرني بأيامي الماضية التي أنفقتها في مراقبة عوائل الموتى وهم يبكون موتاهم، ألبث مضطرباً لبعض الوقت لأسألها بعدما لوَّعني بكائها:

-علام تبكين؟

 

الموت والحياة:

العنوان يكتنز توترا دلاليا بين قطبي الوجود نلخص ما نريد قوله من خلال الآتي :

عرس = الحياة 

مقبرة = الموت 

” إن للعنوان دلالة سيميائية خاصة تنبع من قصدية لكشف دلالات الأثر والرغبة وصولا لنتيجة معينة ” _(2)

الغائبون:

هذا النص يصور مأساة العراق ،تلك المأساة الرافلة  في الوجع والدم ، المأساة التي حولت المجتمع إلى أصوات فردية كالفقاعات أصوات البوم والغربان  ، يحضر في هذه القصة الموت بتلوينات عدة ، نعم إنه يحضر ليحاسبنا جميعا ويندد بوضع انحرفت فيه بوصلة الإنسان عن هدفها ( وحيدة أبكي كل شيء في حياتي فحياتي بكاء في مأتم 

 ” تاجية ” تبحث عن بناتها ، عن بنات العراق وشرف العراق ، هن الغائبات بل الغياب يشمل القيم وغايات المجتمع. 

 

بناء تأويل :

تتأمل بكل حمولتك  المعرفية والجمالية المكونات الرمزية ،فتخلص إلى ما خضب روحك من الوجع المبثوث في ثنايا الخطاب السردي  ،وهي في هذاالنص السري تكثيف فني ،يريد  إبلاغ وبلاغة رسائل تتصل بحال العراق ة أرضا إنسانا وحضارة مصيرا:

العراق صوته مختنق ،يود لو يصرخ لتسمعه الأقطاب 

 

المعنى المحتمل:

 

يشكل الزخم اللوني نسقا يرسم راية الوطن (الدم-النور-الكحل –العشب 

كل لون يجاوره  وصف   مؤلم  وحزين. الشمس../الحمرة

البكاء/الكحل/ الثوب الجنائزي – الظلام – ….

الاغتراب:

غريباً وسط الموتى أعيش، شعور باليأس شرع يقتات علي، يتآكلني تعب مزمن لما أشاهد من فواجع، قلت بقناعة:

الفضاء والأمكنة:

العمل الرواي عمل تخييلي والمكان جزء من المتخيل و الفضاء المرسوم داخل النص السردي،هو فضاء يحمل دلالات ومقصديات..فكرية وجمالية.لقد « أظهر السرد…ق\رة كبيرة على تمثيل المرجعيات الثقافية المتعددة (بمستويات من…)الترميز والإيحاء…»(3)

العجيب والخيالي:

العجيب يتجلى من خلال التأثيث الذي نلمسه للفضاء / فضاء المقبرة /ويدهشنا بمستوى الرعب والمأساة المضمرة في الحوارات الموازية له:إنه”يعرض العالم الإنساني بطرقة جديدة تتسم بالغرابة …وانتهاك واضح لكل ما هو مقبول”(4 )

 

 تتضافر  المكونات المعنوية والفنية لتشكيل  وتخليق النص القصصي ،بوعي عميق يخصب الكتابة السردية العربية،ويفتح لأفقها أفقا جماليا وإنسانيا فسيحا.

 

الهوامش والإحالات:

1- عبد الغني الخالدي :الرمزي والإيقاعي فيي شعر محمود درويش /ط1-2015-منشوات مقاربات-ص 37.

2- الدكتور خالد لفتة باقر والدكتور ناصر شاكر الأسدي”- فاعلية العلامات في حكاية كليلة ودمنة دراسة سيميائية “مجلة 

 

3- أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين 11 –الرواية العربية …ممكنات السرد-11/13 شتنبر2009 الكويت- مجلة عالم المعرفة ع359 يناير2009 ص53.

 

4- د شاكر عبد الحميد- الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي- مجلة عالم امعرفة ع360 فبراير2009 ص199.

 

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"