تابعنا على فيسبوك وتويتر

عبد الرحمن منيف .. والنجف .. والسردية العراقية

حسين سرمك حسن 

بغداد المحروسة

في كتاب ” رسائل حميمة ” الذي أصدره الدكتور ” شاكر خصباك ” والذي ضم مجموعة من الرسائل المتبادلة بينه وبين مبدعين آخرين معروفين منهم عبد الرحمن منيف وعبد المجيد لطفي وعلي جواد الطاهر وخالد الجادر ومهدي المخزومي وغيرهم ، تستوقفنا الكثير من الدروس والتجارب التي تمس جوهر فاعلية الثقافة العربية عموما والثقافة العراقية خصوصا . وهي دروس شديدة الغنى وكبيرة الثراء في موضوعيتها ومصداقيتها العالية وينبغي التوقف عندها طويلا لتأملها ودراسة معانيها واستنباط الدروس والعبر منها . ومما يضاعف من أهمية هذه التجارب والملاحظات هي أنها تأتي من مبدعين مميزين كانت ، ومازالت ، لهم أدوارهم البارزة في مسيرة الثقافة العربية ، بل أن أغلبهم من روّاد هذه الثقافة ، وقد أسهموا في تأسيس ركائز ريادية مهمة فيها . 

ومن الأمور المهمة ، قضية تثيرها رسالة من الروائي الراحل عبد الرحمن منيف إلى الدكتور خصباك وتتمثل في معضلة تحدثنا عنها كثيرا وتتمثل في تقصير المبدعين العراقيين عموما والروائيين خصوصا في أن ينهلوا من معين محن الواقع العراقي التي لها بداية وليس لها نهاية . يقول منيف : 

( النجف وحدها تضع مائة رواية أهم وأخطر من ” مائة عام من العزلة ” . قلت ذلك مائة مرة ، لكن لا أعرف لماذا لم يتصد أحد . قلت أن الفيضان وحده ملحمة متحركة ، كانت منذ نوح وحتى الآن ، لكن أحدا لم يتصد للموضوع . الحزن ؛ هذا الخطر الداهم والدائم ، لماذا هو هكذا وبهذا المقدار ؟ ولم أصل لأي جواب . الحب والقسوة في نفس الوقت . الرهافة التي تصل درجة الذوبان والحدّة التي تصل درجة استعمال موسى الحلاقة في القتل !! الغرام السابح في ربيع لا يأتي ، والانتظار الذي لا ينتهي في نفس الوقت الذي يعرّف الإنسان عمّا هو متاح بحثا عن المستحيل ، والصبر الذي يوازي أو يتفوّق على كل شيء ، ومع ذلك السطح المستوي المتموج الغارق في عصور قديمة ثم يطفو في لحظة وكأنه ربيع لا ينتهي ، علما بأن خريفا قاسيا دائما ، ولا ينتهي هو كل ما ينتظر ” . 

ومن المفرح ، والمحزن في الوقت نفسه ، أن ملحمة العراق / ملحمة بغداد كما يسمّيها منيف قد كتبت من قبله ذاته في عمله الكبير “أرض السواد” ؛ مفرح لأن جانبا مهما من ملحمة أرض السواد قد كتب بيدي روائي كبير هو عبد الرحمن منيف ، ومحزن لأنها لم تكتب بأيادي روائيين عراقيين رغم اعتزازنا الشديد بمنيف العربي الغيور وهو عراقي كما تشير سيرته وكما أعلن هو في أكثر من مناسبة رغم أنه شقيق كبير من السعودية . ما الذي ينتظره الروائيون العراقيون ؟ صحيح أن هناك بشائر نهضة سردية ، لكنها دون المستوى المطلوب بمراحل فظيعة . أغلب الروائيين العراقيين مازالوا يكتبون من الذهن .. من الذاكرة .. من القراءات الأجنبية .. وليس من خلال الحفر الشاق في أرض الواقع العراقي العجيبة والغرائبية . هناك استثناءات ولكن هذا الإلتحام بالواقع العراقي ليس قاعدة . كتب غالب هلسا عن بغداد وكان الكثيرون منا على خلاف مع ما سطره حتى أن بعضنا عدّ ما كتبه مشينا ، إذن لماذا لا تكتبون أسطورة شعبكم / روايته بأنفسكم ، وماذا تنتظرون ؟ . 

لنعد إلى رسالة عبد الرحمن منيف ونقرأ كيف كان يستعد لكتابة أرض السواد : 

( إنني الآن مسكون بشيء واحد : الرافدين . 

قرأت تاريخ الفيضانات ، الشرائع ، الملاحم ، أسجل ملاحظات ، أكتب هنا وهناك أفكارا ، لكن كيف ستجد سياقها ، حياتها ، طريقها الخاصة في التعبير : لا أعرف . لقد غرقت كما غرقت بغداد خلف السدّة عام 1954 ، وكنت شاهدا ، وكنت مسحورا بكل ما أرى وأسمع وأعيش . الملاحة ، الحزن ، عبود الكرخي ، وسليمة مراد ، أبو حلق الذهب وفتيات الملاهي ، سينما روكسي وكبة الموصل ، الرأي العام وجواهري تلك الأيام ، وغانم الأعظمية ، جسر الشهداء وجسر الأعظمية ، الميدان بكل ما يعنيه في الانتفاضة وما سيؤول إليه ، ملهى شهرزاد والجواهري ، صديقة الملاية وزهور حسين وعفيفة اسكندر ، حسن خيوكة والأعظمي ، والياس خضر وداوود اللمبجي ، مطعم العاصمة وسوق السراي ، ابن سمينة ومقهى الدفاع ، شارع المتنبي والمربعة ، البرازيلية ومقهى السويسرية ، حسين مردان والجماجم التي تتحول إلى منافض سجائر عند البياتي ، السياب ، والشناشيل ؛ أحاول ، قدر الإمكان أن أجمع ، أن أستعيد ، أن أركّب ، أن أغير ، أن أعيد تشكيل العالم ) . 

وكل هذه الإنشغالات والمصادر المتعددة والمتشابكة تثبت ما قلناه كثيرا من أن القصة القصيرة فن ، والرواية علم له أسسه ومناهجه ومستلزماته الهائلة التي يواصل منيف الحديث عنها قائلا : 

( أصبحت أكوام الكتب التي تتناول جعفر أبو التمن والحصري والسعدون ومشتاق ونوري وضاري وبكر وغيرهم ، كثيرة ، حصارا لا يمكن الإفلات منه … أحاول الآن أن أبحث عن الأغاني والبستات ، وكل ما له صلة بأيام تبدأ من الحرب العالمية الأولى ، ولا أعرف إلى أين ستمتد ؟ قرأت مؤخرا المميّز والعلّاف ، وأدرس بدقة خارطة المدينة المعذّبة كيف كانت وما طرأ عليها ؛ قرأت حسين جميل في مذكراته وشوكت والجادرجي ، وأحاول الوصول إلى أي مصدر جديد يمكن أن يغذي الذاكرة ويعطيها مدى إضافيا ….. إن الكتابة في هذا الموضوع تشكل تحديا أساسيا بالنسبة لي لم أحس بمثله في أي يوم سابق ، إنه ينعش ويقهر ، يستفز ويبعث ذكريات منذ أيام جلجامش ، يقول الأشياء بصمت فضّاح ، ويعد ببضاعة ليست موجودة في أي مكان آخر في هذا العالم ) . 

هذه ” البضاعة ” السردية غير الموجودة في أي مكان في هذا العالم كما يصفها عبد الرحمن منيف ، والذي استثمرها أفضل استثمار ، هل كتب لها أن يستلهمها الروائيون العراقيون سطحيا ، أو أن يغمسوها – كعادتهم – بعصير السياسة المسموم فيقتلوا الإثنين ؟ .. أعتقد .. ولسنوات مقبلة أن هذا سيكون قدر هذه البضاعة النادرة والفريدة .. وإلا ما هي وجهة نظركم ؟ .        

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"