تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :

سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي  – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.   

سلمان داود محمد والقصيدة الأعجوبة .. قراءة نقدية في قصيدة ( تجوال)

علاء حمد  

النزول الى عبقرية الحدث ، هو التجوال بين الشوارع البغدادية ، هكذا أراد منّا الشاعر العراقي سلمان داود محمد ، وتجوال الشاعر يختلف عن جولة أي امرء لبس فطنته ورحل ..

الفنان يصنع تمثاله وحتى بين أزيز المارّة وضجيجهم ، ويصنع اللوحة بنهار هادئ ، وتبقى الألوان لسنوات جامدة على اللوحة ، تحتاج الى النطق ، لكنّ الشاعر

يصنع لوحات بقصيدة واحدة ، تاركاً النطق للكلمة الشاعرية التي يتبناها في توظيف الصور المنقولة بين الواقع والورقة ( التعامد بشكله الفنّي ) ومن هنا لايحتاج الشاعر الى المرور في منطقة الفلاشباك ، فهي موجودة وحيّة أمامه ، يمرّ بها ، بل يعايش الحدث بحد ذاته .. وللصورة الشعرية جدلها ، وهذا الجدل يقودنا الشاعر من خلاله ليبين لنا مدى الإستيعاب الذاتي والمرور عند الذاكرة ، فالصورة الموجودة في الخارج هي غير الصورة الموجودة بالمخيلة ، ولكن بشاعرية مصطفة يرى الشاعر أن نفس الصورة من الممكن نقلها للقارئ ببيان فنّي أوعز على ترتيبه كي يظهر بشكله المتوازن في فنّ النظم ..

وكما يختلف الشعر من حيث طبيعته عن العلم والفلسفة والدين تختلف وظيفته أيضاً. فوظيفته لا تكمن في توصيل فكرة أو وعظ وإرشاد بل لـه وظيفته الخاصة. وهو لا يردد ما تهدف إليه المعارف الإنسانية المختلفة، بل لـه معرفته الخاصة التي لا تنفصل عن طريقته في التعبير. فهو يختلف عنها في بحثه عن الحقيقة وفي الحقيقة التي يبلغها وفي الطريقة التي تجسّدها. إن وظيفته جمالية لا تنفصل فيها المتعة عن الفائدة. ولهذا يترك أثراً متميزاً لا يتركه غيره من العلوم والفنون. وتبقى وظيفة القصيدة التي يعكسها علينا الشاعر سلمان ، ذات مزايا خاصة التصقت بجلده والاسلوبية التي يتبعها في رصد العامل الفني في القصيدة الواحدة ، وهذا العامل غير متوفر لدى العديد من الشعراء الّذين يلوذون مفسرين قصائدهم بمدارج عدة :

أهيمُ في صباح المدينة .. ” أبحثُ عن صدى ضحكتكِ بين أكوام الضجيج

فأرتطمُ بأعمدةِ يا فطةٍ جبارةٍ تقول :

” ” مجزرة بغداد العصرية .. ذبح حلال .. لحومنا الأفضل …

وأمضي .. ”

هو يهيم في صباح المدينة وليس بصباحه ، ومن هنا كانت للمدينة مزرعتها في الخصوبة الشعرية التي يتناولها الشاعر ، خصوبة استعصت على الكثيرين وهم أمام المرآة ينظرون الذاكرة المبصرة ، وأمام حدقات العين ، تسافر بالشاعر الى بلدان عدة ، في الوقت الّذي تكون فيه مجازر بغداد في الشارع الّذي يقطنه البغدادي .. ومن طبيعة الشعر. فهو لا يضع مقاييس محددة للشعر بل يركز همه على صدق التعبير عن عاطفة الشاعر.على أن صدق العاطفة ليس مقياساً لجودة الشعر وأن هناك فرقاً بين الصدق العاطفي والصدق الفني. والشعر بهذا ليس نقلاً صادقاً للمشاعر وإلا فما جدوى الشعر إذا كان صورة طبق الأصل لذات الشاعر؟ ومن هنا ذهب رواد الشعر العربي الحر إلى أن الشعر خلق وإبداع وابتكار وليس صورة لمرجع داخلي أو خارجي. فالشعر هنا عالم جديد مستقل نسبياً عن الذات والموضوع وهذا ما يبرر وجوده. وقد تأثر هؤلاء الرواد بأصحاب نظرية الخلق مثل إليوت وجيروم ستولنيتز وألان تيت وغيرهم. وعلى الرغم من تأثرهم بإليوت في نظرية الخلق فإنهم لم يقولوا بالمعادل الموضوعي من حيث هو وسيلة للخلق، وإن ذكروا وسائل مثل الصهر أو التمثل والتحويل وإعادة التشكيل. فالشعر عندهم خلق جديد لا تقليد للموروث الشعري أو المجلوب الغربي إنه شيء مختلف عن مرجعه، لذلك أنه يقول المجهول والممكن ولا يقول الكائن والموجود. فالشعر رؤيا تتجاوز المكان والزمان المحدودين إلى اللامحدود والمحسوس إلى المجرد. والمنبع الشعري لدى الشاعر العراقي سلمان داود محمد ، هو نقله للحقائق المتوازنة بين بصيرته والكلمة الناطقة بشكلها الشاعري …

” أبقى أهيم في ضحى الدروب ،

أنقّب في تلال الشجن ،

باحثاً عن صدى ضحكتكِ ،

فأعثر على سيارات طاعن أغلبها بالإصفرار ..

الشارع مستشفى ، هكذا يبدو الأمر

والطبيب الوحيد ” شرطي مرور”

يمارس التنفس الصناعي على صافرة …

بينما المارة كرات مركولة نحو المرامي

فيما النتيجة ( العراق – صفر ) فيرتج السرير المكتظ بأنين ” مؤيد البدري ” … وأمضي … ”

القصيدة هنا تشكّل لوحات حيّة ( مؤيد البدري ) المعلّق الرياضي الّذي له حضوره وانحيازه الدائم للعراق ، وكذلك المفردة الشعرية ، انحازت هنا بشكلها الدائم للعراق ، فشرطي مرور ، وليس هنا أل التعريف ، رافضاً الشاعر أن يعرّف أو يحدد الحدث الّذي تناوله في تجواله ، فكلّ بغداد موزعة على الردهات وعلى الأسرّة وتلوذ على بياض ناصع ، يرتديه الطبيب في المستشفى … إنّ الشعر الحديث هو حديث النفس إلى النفس، والقارئ يقرأ القصيدة  منفرداً دون حاجة إلى صوت جهير ( سياسة الشعر ، أدونيس ) . فالقصيدة الحديثة كثيراً ما يلقيها الشاعر على الجمهور وتؤثر فيهم. وأن قوة الإيقاع يمكن أن تكون في القصيدة الحديثة أيضاً. وأن الإيقاع الخليلي لا يكتفي بأن يقدم لذة للأذن كما يرى أدونيس ولكن يقدم متعة للروح أيضاً، فهو لا يطرب الأذن فحسب بل يملأ النفس لأنَّه جزء من تجربة شعرية وليس وعاءً خارجياً. ولكن هذا لا ينفي أن القصيدة الحديثة تتميز عن القصيدة القديمة في وسائل التأثير، فهي تمتلك طرائقها الكثيرة المتنوعة على مستوى الشكل والمضمون، إضافة إلى كونها نصاً مفتوحاً باعتبارها سؤالاً لا إجابة كما يرى أدونيس. ومن هنا لايحتاج الشاعر الى قالب جاهز كي يدخل قصيدته المختبر ، فالمختبر متواجد بشكله الكلّي بما تراه البصيرة ، هي بصيرة الشاعر الأخذة نحو الأبدية في دخولها المصرّ ، والدخول هنا يتطلب عدة أبواب يصنعها الشاعر لذاته ، وقد صنع اسلوبيته وجهّزها على كمشة كفّ شاعرية ، هذه الكف لاتطلق القصيدة إلا ومعها عوامل التأثير الكلّي ، هذه هي القصائد الناجحة والأسلوبية المؤثرة بين المتلقّي والشاعر ” ولأن الأرَضَة بلا بلد ،

ترسم خرائط شتى لوطن

يقول الرسام ، وبائع الكتب ،

والأشجار المعمرة ،

وصانع الكراسي ( لم يقل شيئاً ) … ”

كان يرى الشاعر ويمضي ، وهنا يرى الشاعر ويجهش بالبلاد ، هل هي خاتمة المعنى ،

أم خاتمة البلاد العجيبة والتي لم تستقرّ على كفّ أريحية .. أن الشعر لا يعاين الحقائق النظرية ولكنه يذهب إلى أنه يعاين حقائق أخرى أسمى لا يدركها العقل ولكن يدركها الحدس والخيال ، والمحسوسات التي يملكها الشاعر لايملكها غيره ، ومحسوسات شاعر عن شاعر تختلف ، فهناك من يسقط في التفصيل الممل ، عابراً كلّ انواع الرمزية في الشعر ، وهناك من يدخلنا بشكله المباشر ، مشكّلا هيئته الشعرية الناقصة ، ولكن وحسب مخيلتي الشاعرية ومن خلال مواكبتي للشاعر سلمان داود محمد ، فأنه دائما يدخلني الى مزرعة شعرية جديدة .. هل هو النضوج المتجدد أم هي عدسة الشاعر في الرؤيا وفنّ النظم ؟!

لذلك عندما أدخل الى قصائده أسميها القصيدة الأعجوبة .. أعرض عليكم النصّ الّذي أمامي واللّذي يحمل تسميته ( تجوال (

تجوال

أهيمُ في صباح المدينة ..

أبحثُ عن صدى ضحكتكِ بين أكوام الضجيج

فأرتطمُ بأعمدةِ يا فطةٍ جبارةٍ تقول :

” ” مجزرة بغداد العصرية .. ذبح حلال .. لحومنا الأفضل …

وأمضي ..

أبقى أهيم في ضحى الدروب ،

أنقّب في تلال الشجن ،

باحثاً عن صدى ضحكتكِ ،

فأعثر على سيارات طاعن أغلبها بالإصفرار ..

الشارع مستشفى ، هكذا يبدو الأمر

والطبيب الوحيد ” شرطي مرور ”

يمارس التنفس الصناعي على صافرة …

بينما المارة كرات مركولة نحو المرامي

فيما النتيجة ( العراق – صفر ) فيرتج السرير المكتظ بأنين ” مؤيد البدري … ” وأمضي …

البطالة أشغال شاقة .. تقول الأرصفة ..

ولا أدري ، لماذا الجراد يتعامى

عن العبور الى مناطق منعوتة بالإخضرار ..

يقول بائع المبيدات …

ولأن الأرَضَة بلا بلد ، ترسم خرائط شتى لوطن

يقول الرسام ، وبائع الكتب ،

والأشجار المعمرة ،

وصانع الكراسي ( لم يقل شيئاً ) …

لقد حل الغروب الآن ولون الأصيل لا يكفي لإضاءة الطريق ،

الأحمر في الإشارات الضوئية يكفي بالطبع ..

ها أنني في البيت

أهيم في دجى القنوات السميك

أبحث عن بقايا ضحكتكِ بين ركام الأخبار،

لم أجدكِ .. و .. لم ……..

فأضغط على زر غيابكِ بإبهام روحي

وأجهش بالـ … :

سلمان داود محمد

بغداد 

*عن موقع عراق اليوم

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

5 تعليقات لـ “علاء حمد : سلمان داود محمد والقصيدة الأعجوبة .. قراءة نقدية في قصيدة ( تجوال) (ملف/2)”

  1. علاء حمد يقول :

    الناقد العراقي والانساني الاستاذ حسين سرمك ..
    شكرا جميلا على هذه المطالع التي بدأتها بخصوص الشاعر العراقي المبدع سلمان داود محمد ، وقد كانت القصدية المتواصلة من أعجوبة الحدث القصائدي وقصيدة ( تجوال ) كبداية تنويرية ومفرحة في موقعكم الجميل .. وهي ان دلت فتدلّ على الأهتمام والمتابعة الجدية وما يخصّ الكتابات والدراسات النقدية بريشة عراقية ..
    أهنئ نفسي بكم دائما وأبدا ، وأهنئ القارئ العراقي والعربي بأنحاء المعمورة .. نتواصل بالكلمة الطيبة
    ولكم محبتي بكلّ تأكيد ..

  2. شكرا جزيلا أخي الرائع الناقد البارع الأستاذ علاء حمد على لطفك ومشاعرك النبيلة.

  3. سحاب الصالح يقول :

    ليس انت ايها الكاتب ولك مني كل التقدير والاندهاش لجمالية النقد والطرح المبدع الذي يجعل القاريء يستمتع بما تكتب وعن العلامة الاعلامية التي خصصتها للكتابة عنه انك تجد نفسك في مزرعة شعرية عند سلمان داود محمد . هو فريد بمعنى كل هذه الكلمة حسب رأيي وانا انسان ليس لدي الخبرة في عالم الشعر اجد عن قصائده ابيات تدهشني الى حد ان اترك عالمي وابقى في عالمه اتجول عند بساتينه واناسه وحاراته..سكرا لكم جميعا والأستاذ د. حسين سرمك

  4. سلمان داود محمد يقول :

    شمعدانات تفكّر سطوعاً ..
    ********************

    من المهام الإبداعية التي اضطلع بها موقع ” الناقد العراقي ”
    هي العمل على تأسيس ذاكرة ثقافية رصينة ومعمقة في تسلط الضوء على مساحة واسعة من النتاج الثقافي المترامي على جهات العالم الأربع – نشراً وتنقيباً معرفياً وأرشفة – عبر دأب ومثابرة الناقد العراقي المبدع د . حسين سرمك حسن الذي أخذ على عاتقه إدارة هذا الموقع والإشراف عليه ورفده بكل ما هو لافت وجديد ومفيد لخارطة الثقافة عموماً والثقافة العراقية على وجه التخصيص ، ومنها الشروع في عمل ملف جديد الآن ، إذ جاءت في مستهله إشارة طيبة من د. سرمك ترافقها دراسة نقدية جاءت من تفكّرات وقلم المبدع العراقي علاء حمد …
    مع الحب للناشر والمنشور والقارئ حتماً ودائماً والى الأبد ..

  5. شكرا جزيلا أخي الأعز الشاعر المبدع سلمان داود محمد.. سنمضي طويلا في هذا الملف الذي تتمنى أسرة الموقع أن يكون موفقا في إضاءة جوانب من تجربتك الشعرية الباهرة لدى القراء الكرام.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"