تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

الشاعر الكبير سلمان داود محمد: بهاء الثبات على صراط العراق المستقيم
د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
24/تموز/2017

(على مبعدة من كلب وأناس يعرجون
يقيم هناك طبيب الخطى
سيعرض ساقين –وأشتري
الأولى تشبه التي نسيتها في “ديزافول”
والأخرى مما تساقط من نصب تذكارية
سأمشي بهما دهوراً
حين أشتهي التقرّب من سريري..
فهل عرفتِ لماذا اعتاش الحراس على الأحلام
وازدهرت صناعة الخفاش في المدينة..؟..)
الشاعر الكبير
سلمان داود محمّد
منذُ أنْ تخصصتُ بالطب النفسي وتعمّقتُ في منهج التحليل النفسي تحديداً تغيّرت حياتي في مناحٍ كثيرة من أهمها هو أنني لم أعد أؤمن بما يُسمّى بـ “الصدفة” البتة. كل شىء في حياتنا نسمّيه صدفة هو “تقاطع ضرورات”. وأغلب المصادفات تنتج عن تقاطع ضرورتين. وأغلب العوامل الحاكمة تكمن في قوى اللاشعور التي لا يحترمها الكثيرون منّا ولو تعاملوا معها باحترام ولطف لتغيّرت حياتهم جذرياً . قبل مدّة نشرنا في موقع “الناقد العراقي” الذي اشرف عليه كتاباً عن الروائي باولو كويليو ترجمه المترجم البارع الأستاذ “خضير اللامي” فيه يتحدث كويليو عن هذا الجانب. يقول إنذه كان يتحدّث إلى الجمهور في محاضرة عن تأثّره برواية “مدام بوفاري” لفلوبير وفجأة سقط كتاب من رفّ عالٍ في القاعة على الأرض فأحدث صوتاً عالياً جفل منه الجمهور وعندما رفعوا هذا الكتاب ظهر أنه رواية “مدام بوفاري” !! عشرات بل مئات من هذه الحوادث ملأت حياتي بعد أن صرتُ أنظر إليها نظرة جديدة. قبل أيام قررتُ الكتابة عن صديقي الشاعر العراقي الكبير “سلمان داود محمد” ، وتلكأتُ بسبب ظروف خارجة عن إرادتي. جاءتني رسالة صباح يوم أمس من الصديق “محمّد رسن” يقول فيها :
(صداقتكما مكسب كبير أنت والشاعر سلمان..وأغبطكما على سلوككما الذي يشبه نتاجاتكما..احبكما لأنكم نوعيون… لأني صدمت كثيرا بالوسط الثقافي… ورود الكون لكما… انتما دالة الرؤيا بالنسبة لكل المصلحين الحقيقيين في زمن كثر به المتسخون الأوغاد.. لولاكم لغادرتُ الثقافة لما رأيته من تناشز وتشظي وازدواجية ونرجسية متورّمة… لكم حبي ما حييت…سيخلد التاريخ وقفتكم المشرّفة وسنعيش على خطاكم وهي ترتقي سُلّم الانسانية.. فالانسان أكبر من كل عنوان…..محبتي الدائمة)
أي أنّه يتناول وبالضبط نفس فكرة المقالة التي أريد كتابتها وتأخرتُ عن إنجازها وكأنه يريد تحفيزي عليها “من دون أن يدري” ويقول لي : قُمْ واكتب !
وما أردتُ كتابته عن سلمان تحديداً هو عن ظاهرة نادرة في حياتنا الثقافية وحتى العامة وهي معضلة التطابق بين السلوك الثقافي والسلوك الشخصي في الثقافة العراقية. سوف أترك هذا “التناشز” في السلوك الاجتماعي فقد أشبعه المفكر الثائر الراحل “علي الوردي” درساً في مؤلفاته، واشبعته أنا عَرْضاً في كتابي عنه “علي الوردي عدوّ السلاطين ووعّاظهم” (صدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) عام 2013)، وسأتحدث بإيجاز عن معضلة حقيقية تعاني منها ثقافة بلادنا منذ مئات السنين حتى صارت مرضاً ثقافياً نفسياً اجتماعياً وتجدها لدى حتى افضل الأسماء اللامعة في تاريخنا الثقافي من المتنبي .. التوحيدي .. الجاحظ .. وصولاً إلى الزهاوي والرصافي والجواهري والسيّاب .. وغيرهم الكثير .. الكثير.
سلمان داود محمّد من النماذج القليلة التي يتطابق سلوكها الثقافي وسلوكها الشخصي بقوّة مثيرة للدهشة والاعتزاز. سلمان “ثقافي” حينما يكتب القصيدة أو المقالة، وعندما يؤدي عمله في دار الشؤون الثقافية أو يدير مجلة “آفاق أدبية” التي يرأس تحريرها والتي خلق فيها ثورة طباعية وإخراجية ومضمونية وقد تُدرس بعد سنوات بأطروحات حين يقتنع الأخوة الأعداء بمغنية الحي التي تطرب الأحياء المجاورة ويرفضون أن تطربهم!!
سنوات طويلة وأنا مع سلمان، وكل يوم تترسّخ أمام عيني وسمعي حقيقة أن كلمة سلمان الشاعر هي نفسها كلمته كمواطن يسير في الشارع وهي نفسها في جلسة الشراب أو شرب الشاي أو الندوة الثقافية أو اللقاء الصحفي أو في رسالة يكتبها على الورق أو البريد الإلكتروني.
حين تمّ تفجير شارع المتنبي (5/7/2007) من قبل الإرهابيين المجرمين القتلة عُقدت “وقفة” شعرية في الشارع لإدانة الجريمة النكراء. كل الشعراء قرأوا نصوصاً شعرية. أمّا سلمان فقد قرأ أعظمها . لقد وقف ومزّق قميصه وأحرقه!
وحين جرى حفل لتكريم أحد أصدقائنا من الروائيين جاء سلمان ومعه رغيف خبز من تنوّر أمّه العظيمة وقطّعه بيننا ليأكل كلّ منّا قطعة لنكون “أخوة بالخبز” إضافةً بل أهم من “أخوة بالدم”. وكان نصّاً فريداً وصادقاً ومن يدٍ مقدّسة.
عمل سلمان مُحرّراً في صحف ومجلات فكان أحرص عليها من صاحبها ومن رئيس تحريرها . وهي معادلة عجيبة غريبة. لا بُدّ أن الكثيرين منّا يتذكرون سلمان وهو يجلس في مقهى الشاهبندر صباح كل جمعة وأمامه منضدة صغيرة عليها أعداد صحيفة “الأديب” كي يبيعها ويساعد على توزيعها وانتشارها. وهذا ليس من واجبه كمحرّر ولكنه من واجبه كمواطن عراقي مثقف غيور في زمن عزّت فيه الغيرة كما قال الحكيم الشعبي الراحل عبد الصاحب الضويري :
قطرة إهي يا صاحبي مو نهر – وريت النهر ذاك الجره ما جره
أعبرْ مثل ما عبروا اعله الشرف – دنيه وصفى بيها الشرف گنطره
وفي المجلة التي يرأس تحريرها يقوم بنفسه ويتابع ، سَهَراً وعذاباً ، التصميم والإخراج والصور والألوان والخط والتسويق على قدميه المتعبتين.
سلمان هو ممن “باعوا المراوح كي لا تطير السقوف”، و “بارعٌ في توسيع المأتم للتنكيل بأشجار القهوة” .. و ” على قدر الضيم يطرق “ما” .. فترد العرصات كعادتها “كو”..”. وكل المقاطع من قصائده الرائعة.
سلمان حريصٌ على نقاء أصدقائه الشعراء ويريد أن يقرأ شعرهم “فيهم” لا “منهم” فحسب .. ولهذا لم يُبقِ له صاحبا أو صديقاً إلّا من يعرف قيمة لدغات حرصه ويتحمّل نار محبّته..
الكلّ تحب العراق وتتغنى بعشقه ، فأسأل نفسي : إذا كان كل هذا العدد الهائل من عشّاق العراق موجوداً حولنا فلماذا خربت بلادنا ؟ ومن دمّرها ؟
سلمان لديه وصفة حبّ العراق التي لا تُدرّس فهي تُرضع مع الحليب الطاهر وتصبح دماً يجب أن تحافظ عليه بروحك فهو مادة حياتك المصيرية إذا نزفتها متّ ، وهي من نوع الفصيلة التي لا ترهم عليها أيّ ةفصيلة إلّا فصيلة “عراق” وهي غير موجودة في مصارف الدم في أي مكان من العالم. وقد رسم سلمان معادلة لحبّ العراق والمواطنة الصحيحة حين قال :
((أحبُّ الموسيقى وساحة الطيران
وأحفرُ في السبائك (لا أريد)
فصيلة دمي (باب الشيخ)
وعندي من الشظايا
ما يجعل النهار مرقطاً …))
وهو شاهد العذاب والتاريخ العراقي شعرياً منذ التسعينات حتى اليوم :
(لأنكِ في (ساحة النسور)* تقترحين البلابل،
ولأني لست (ابن فرناس)* وريشي قليل..
ألملمُ ما تبقّى من انفلاقي في ضحى الناسفات
وأصعدُ عسى أن أجيد الانضمام إليّ
وأستودع اكتمالي تحت جفنيك لأرى، فرأيتني:
• خسائر من قمح تصدتْ لها بومات غامضة وطواحين…
• آمالاَ مؤكسدة تتسرّبُ من (حيّ الصفيح)…
• ومدينة تكفكفُ دمع الرصاص بأكفان مزركشة …
وماذا بعد ؟؟
– نعم.. أحبك
وأقبـّـل الصافرة لأنها رئة عند اختناق المرور
وضمان لعشٍّ يزقزق من أعلى خسفة
في (خوذة الرصافي)* يوم قال:
– سأفتديك بهذا ( مشيرا إليَّ)،
أي لك وحدك هذا الشريد الفضفاض كحافلة،
الذي أدمنته الدروب والمتأخرون عن الوظيفة والشتائم
ثم مضى يحبك
ويبجـّـل ما تساقط من سوسن على رهافة الوسن،
فما كان على (صقر قريش) إلا التورط بالسكارى
حين إستعان بـ (ساحة الأندلس)* على ضياع الأندلس ،
وما كان على ساعة (القشلة)*
إلا الرنين في غبش (المتحاصصين)* تماماً
حين أشارت إليّ بناقوسها المشطور بعدئذ:
– قشٌ.. لك..
– قشٌ .. لك..
القشُ لك…..)
سلمان صرخة بغداد العروس المحزونة المُعذّبة المهجورة التي – الصرخة – وضعها عنواناً لكتابه عن يوميات الاحتلال :
(هنا بغدآآآآآآآآآآآآآآآه) – يوميات الحرب العالمية الرابعة على العراق للفترة من 20/3/2003 ولغاية 9/4/2003 ومازالت)
افترقتُ عن سلمان مدّة عشر سنوات لظروف قاهرة ثم التقينا واعتقدتُ أن قوّة عوامل التعرية في الحياة العراقيّة “الجديدة” بعد الاحتلال قد زعزعت شيئا من تربته النفسية والإبداعية السلوكية المبدئية ، ولكنني وجدته أنقى وأروع وألعن في الثبات والرؤيا على صراط العراق والإبداع المستقيم.
وجدته ما يزال – وكما كان – يردّد بلا كلل :
“العراق مثل ثمرة البصل كلّما قشرتها أكثر سالت دموعك أكثر”
و
“العراق مثل المسك لكي تحصل على رائحته عليك أن تطحنه”
ومن دون أن يدري يصف سلمان نفسه كما عرفته وكما جرّبته : مثل ثمرة البصل ومثل المسك.. سلمان صعبٌ على من عرفوا الحياة نظرة فابتسامة فلقاء فوداع .. وعصيّ على من لم يخبروا معنى أن يكون الرجل كلمة .. وسلمان كل حياته كلمة .. سلمان كلمة .. سلمان الكلمة ..
ولا أجد ما أختم به تحيّةً لسلمان سوى ختام على طريقته في صياغة العناوين والأبيات الصادمة الغريبة مثل : خروف العلّة .. واوي الجماعة .. القش لك .. جرد “الأنا -ناس” .. فهل لديك 17/1/1991 ديناراً لنشتري الجريدة..؟! .. غريب يرطن بالـ “بسـ…كويت”.. وعلى طريقته أستعين بعبارة للشاعر الراحل “رشدي العامل” كان يهدي بها كتبه لأصدقائه فأقول :
(أخي سلمان داود محمّد..
أحييك ..
وألعنك ..
وبالعكس… )


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “د. حسين سرمك حسن : الشاعر الكبير سلمان داود محمد: بهاء الثبات على صراط العراق المستقيم (ملف/1)”

  1. علاء حمد يقول :

    ضمن القول القضائي :
    …………………….
    ولأن القول الشعري على ألسنة الشعراء ، فالقول القضائي على لسان شاعر .. نعم شاعر واحد لاغيره .. ولأنه أبدا .. فيقودني الى الأبدية ونحن نتخاتل معه بإيجاد محنة الشاعر ، ومحنة الشاعر قوله النهائي فهي ( ضمن القول القضائي ) هكذا رأيت الشاعر المبدع سلمان داود محمد .. وهكذا أراه .. بحديقة من الزهور ويتجنب الالغام .. ثورة متواصلة نحو المرئي واللامرئي .. فيأخذنا الى غرف عديدة ، ومنها غرفة الخيال ، وغرفة المعرفة الشعرية ( لان المسلك الشعري خاصية لانهاية لها ) فينقاد ويقودنا الى الشعرية بكل تأكيد ..
    ………………..
    محبتي ابو عماد الجميل .. وللدكتور سرمك اجمل شلالات المحبة والشعر ..

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"