تابعنا على فيسبوك وتويتر

قراءة مستعجلة لرواية (استمراء الألم)
للروائي العراقي : تحسين علي كريدي
بقلم الشاعر عباس رحيمة
..يختصر الوصف لكنه كنهرٍ جارفٍ من الكلمات يجرفك معه الى طوفان الحدثِ بحيث تمسك الكتاب وكأنك تمسك وردةً لحبيبتك لن تغفو إلى أن تستسلم الى نهايتها ، يختصر، وهذا ما يذكرني بالروائي أرنست هيمنجواي،
(امتدت يده هذه المرة بسرعة، وتلقف سماعة الهاتف) الكاتب في هذه الرواية لم يطل وصف المشاهد ويأخذ القارئ في دوامة بعيدة عن الحدث بل يجعله قريبًا، وهو يسترسل القراءة لعله يعرف مصير القادم من جيلٍ عاش لحظات التأمّل والحبّ والمعاناة .والانكسارات الداخلية ….(أشعر أنّكِ تتعمدين استفزازي) ..أخذ القارئ إلى معالم مدينة عشتُ فيها طفولتي ومراهقتي قبل أن أطرح خارج البلد ،أتذكر كيف كنا نقف تحت مظلة انتظار الباص ونحن في منتهى الأناقة والوسامة لكي تنقلنا حافلة المدينة الى المدرسة ،أو نكون أكثر حظا ونحظى بابتسامة أو نظرة وله. العمارة مدينة صغيرة، اسمها ميسانو..فتاة غافية على نهر دجلة ..أخذني الى موجات المشرح ..فاض بي الحنين ذكرني ..محلة السرية والسراي ، بالجسر الخشبي الذي يربطها بمحلة الماجدية ..ثم انعطف بي الى محلة الصابونجية ثم الكنائس .وكان بين كل وصف قصير . يحشو حدثًا ،وكأنه يقول للقارئ الشغوف لا تبتعد عن مصير هؤلاء الذين أخذت الحرب عصارة قلوبهم وعصفت بهم الرياح هباءً منثورا في شتات العالم ،
وكيف تتحطم عزيمة وأحلام الشاب الواعد ،(من هو مسؤولك في التنظيم، لا عليك سوى الاعتراف مثلما فعلت أنا وسيفرج عنك) ..هنا تنهار الأحلام والمبادئ مجرد اعتراف.. وبعدها كم اعتراف وكم هتافٍ ..بالروح بالدم ..بعد أن يأخذني الى زنزانة الجلاد، ينعطف بي إلى الطفولة والعيد والملابس الجديدة ،لم يدم الحلم بل أيقظني من غفوتي…في تلك الأثناء (ابعدت عائلة مع مجموعة من العوائل بشاحنة …إلى الحدود العراقية الإيرانية)، يا للفاجعة ..كم فقدنا أصدقاء واخوةً وجيران طيّبين، كأنه يخاطبني أنا القارئ ،الذي عاش الأحداث وكان جنديًّا وشاهداً على مأساةٍ عاشتها أجيال ..(أشعر بأننا أصبحنا مجرد طرائد لصياد.). كذلك يأخذك الى رحلة الغربة والبعد عن الوطن ومدن .تختلف عن عاداتنا وطباعنا وهمومنا ،وعفة الحب العذري .ثم ينعطف بنا إلى الحرب وفقدان الأخ وتحول صديق الطفولة والمراهق إلى انتهازي .متطفلٍ على آلام الآخرين وحزنهم الى منتفع .ولم ينسَ حياة الطلاب العرب في المنفى وكيف تقربهم الغربة ومعاناتهم وحبهم الى بلدانهم حيث يفقد صديقه في لبنان ويبقى على وعده بان يكون ملتزما وفيا لصديقه ويعيل زوجته الأجنبية ،يأخذنا من الشبق والعواطف الهيّاجة .وعنفوان الشباب ،الى حرب .وغزوة بلد مجاورة وهجرة وهجران حبيبة .إلى نهاية دكتاتور ،ورجوعه مرة ثانية إلى مأزق الطائفية والإرهاب .والمصالح الشخصية(الحرب ماثلة رغم مضى أربعة عقود عن وضع أوزارها) مازلنا في دوامة السؤال والحيرة عن مستقبل مجهول الى أجيالنا القادمة.. حيث مخاض الإرهاب .هنا يختصر مأساة الخاسر الرابح.. لا يمكن أن تتخيل, انه لشيء صعب للغاية، أن يتخلى المرء عن عضو من جسده .خسر عضوا من جسده لكنه فاز بالبقاء حيًّا .هذا ما يريده ويقوله لي تحسين أنا القارئ الذي عشت مرارتها. وشاهدت صديقي يسدد البندقية نحو ساقه…ثم يأخذني إلى كيف تدور الصفقات بين دول العالم التي تدعى وتطالب بحقوق الإنسان .كيف يتاجرون بدماء الأخرين من أجل حفنة من الدولارات .تعلم يا أحمد كم هو منافق هذا العالم الكل يرغب بلعب بدور الذئب، ألا أحد يرغب بأن يلعب دور الحمل، ولا حتى دور الراعي ..بل اقول الى بطل الرواية والتي يسرد حداثها الروائي ،أن الضحية نحن العراقيين وشعوب العالم الثالث المغلوبين على أمرهم..
هل أنت خريج هندسة.. نعم ..هنا تسقط المعايير العلم والتعليم والثقافة .عندما يزج في سجن ،ولم ينقذه صديق الطفولة ،أنا هنا ضابط مرهوب الجانب.. وتنازلي يفقدني هيبتي، هيبتك ! انا صديقك.. وينعطف بي إلى الوضع الحالي بالعراق ..اسف الدكتور لديه ضيوف. خاب ظنهم بابن بلدتهم وصديق ابنهم كأنه يقول لي لقد خاب ظن العراقيين بمستقبلٍ آمن وحرية وبناء البلد بعد أن دمرته الحرب ..دعوة للقراءة
عباس رحيمة
11/11/2018


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"