تابعنا على فيسبوك وتويتر

رصد التحولات الاجتماعية في رواية
” سوق هرج “
ناطق خلوصي
ينتمي القاص والروائي عائد خصباك إلي جيل أسهم في إحداث نقلة نوعية في مسار الإبداع العراقي . صدرت مجموعته القصصية الأولى ” الموقعة ” عام 1973 ، تلتها ثلاث مجموعات ، وأصدر حتى الأن ثلاث روايات : ” القمر الصحراوي ” (1983 ) و ” الكبار والصغار ” (1985 ) و”سوق هرج ” التي صدرت بطبعتين : الأولى عن ” دار الهلال ــ القاهرة ” (2004 ) والثانية عن المركز الثقافي للطباعة والنشر ــ بابل ” ( 2015 ) . ولأن العراق و الجيل الذي ينتمي إليه عائد خصباك شهد جملة تحولات سياسية وفكرية واجتماعية واقتصادية على امتداد أكثر من نصف قرن من الزمن ، فقد وجدت هذه التحولات انعكاساً لها فيما قدمه هذا الجيل بشكل خاص، لتأخذ طريقها إلى ما كتبه ويتجسد ذلك على نحو واضح في رواية ” سوق هرج ” .وسوق هرج المعني هنا ليس السوق الآيل للإندثار الآن في منطقة (الميدان ) في بغداد إنما هو سوق آخر يحمل هذا الإسم في (الحلة ) حيث تجري احداث الرواية .
جاء على الفلاف الأخير للرواية ان ” عائد خصباك كاتب روائي وقصصي عراقي وروايته “سوق هرج” واحدة من أعماله الهامة التي واصل بها حفرياته في قاع المجتمع العراقي من خلال تصرفات واهتمامات وصراعات شخصياته العديدة في اسلوب مميز يجمع بين الجد والفكاهة كعادته في أعماله القصصية والروائية “. لقد التقط الروائي شخصياته حقاً من قاع المجتمع أو أن الزمن أنزل بعضاً منها إلى هذا القاع أو ارتفع بالبعض الآخر عنه، كاشفاً عن انعكاسات الظروف السياسية والاجتماعية التي ألت بهم إلى ذلك . وحيث أن المكان هو الوعاء الذي يحتوي الأحداث فقد اختاره الروائي بما يتوافق مع طبيعة هذه الأحداث وهو يتشعب في اتجاهين : الرئيسي منهما ويتمثل في ” سوق هرج ” الذي تتخذ الرواية من اسمه عنواناً لها بما يوحي بأهميته ،والثانوي ” الاسطبل ” الذي صار مأوى لعدد من المعدمين أو الذين نزلت بهم الدنيا ، وقد اعتمده الروائي ، بالإرتباط مع السوق ، ميداناً لتجسيد ما شهده البلد من تحولات وانعكاساتها الاجتماعية والمردودات الأخلاقية السلبية التي نتجت عنها .
تبدأ الأحداث بشخصية ” هادي طرزان ” في فصل الرواية الأول وتنتهي به في فصلها العشرين ، وهو فصلها الأخير . وهادي طرزان هذا هو ” باب سوق هرج الذي لا يؤتى إلاّ منه ، طرزان واحد من نعوته التي أطلقها الناس عليه في السوق والذي يفضله على أي نعت آخر يدعى به ” ( ص5)وقد استعير هذا النعت من طرزان الأفلام السينمائية الذي كان معجباً به وظل لصيقاً به عل امتداد أحداث الرواية على الرغم من التغير الذي طرأ على حاله في آخر المطاف .وهادي طرزان هذا يمارس مجموعة من الأعمل لكن أبرزها عمله ، وهو الأثير لديه ، منادياً في المزاد اليومي الذي يعقد في السوق مرتين في اليوم ، ورأسماله صوته في هذا العمل ، حين يفقده سيفقد وسيلة عيشه وهو ما حدث قي ختام الرواية حين تعرض إلى اعتداء دبره أخوه ، وكان هذا الصوت قد أوقعه في مأزق حين دفعه فضوله وتهوره إلى زج نفسه ، متطفلاً ، في إحدى تظاهرات حزيران 1967 لمحض رغبته في الإعلان عن جهورية صوته بعد أن عاب على أصوات الذين كانوا ينادون بالهتافات التي ترددها بعدهم جماهير المظاهرة الكبيرة ، ليقع في قبضة رجال الأمن .
إن الرواية تستعرض سيرة هادي الشخصية بشيء من التفصيل فتكشف عن أن الاسطبل الذي صار هأوى له ، كان عائداً في الأصل لأبيه الذي هو من أصل مغولي وكان تاجر سجاد ومن كبار الأثرياء ، وقد استعرضت الرواية جوانب من السيرة الشخصية للأب هو الآخر. وكان واضحاً ان الروائي أراد أن يؤكد أن المتغير السياسي والإجتماعي الذي جاءت به ثورة 14 تموز وما بعدها ، لم يكن ايجابياً تماماً ،فقد آلت ملكية الاسطبل والمحلات المتفرعة عنه إلى أحد المستفيدين من الثورة وهو أحد أكبار الضباط فالدنيا ” تغيرت ، مَلكية الأمس أصبحت جمهورية اليوم، والذين كان لهم الجاه والعز ركنوا في الظل وظهر غيرهم من القاع ليتسلموا مقاليد كل شيء ” (ص 74 )، فكان أن تحول هادي طرزان من مالك إلى مستأجر في الاسطبل الذي كان يملكه أبوه ، ولم يجد ما يهرب به من واقعه المتردي سوى بالإدمان على الخمر .
ومثلما تناولت الرواية سيرة هادي طرزان بشيء من التفصيل ، فإنها تناولت سيرة الشيخ باقر بشيء من التفصيل هي الأخرى لتبدأ به منذ طفولته المعذبة , أصيب بشلل الأطفال وهو صغير وظل مقعداً طوال حياته . لكن الرواية أضفت نوعاً من الغرابة على شخصيته . تزوج مرتين برغم عوقه وعمل في أكثر من عمل وانتهى به الأمر في محل في سوق هرج يمارس فيه تجليد الكتب . لقد قدمت الرواية في شخصية الشيخ باقر ، ولم يكن شيخاً حقيقياً ولا رجل دين ، نموذجاً لقوة الإرادة والقدرة على تحدي العوق ولسلامة التفكير حتى انه استطاع أن يحوّل زوجته الثانية إلى قارئة لها شأن في مجالس العزاء النسائية دون أن تكون لها معرفة مسبقة بهذا النوع من الأعمال ، وشاء الروائي أن ينتهي به نهاية فاجعة .
أما السائس مرتضى وهو ثالث شخصيات الرواية المهمة فقد نزلت به الدنيا هو الآخر بعد أن كان له موقعه المؤثر في الاسطبل : نزلت به الدنيا في ظل سيطرة الضابط الكبير على الاسطبل وتعرض الاسطبل للإهمال ” ولم تعد الخيل تصل ، وبخلاصة فإن حكومة الثورة وضعت نصب أعينها الإطاحة بالإقطاع في البلد كله ” ( ص 73 ) ، وهذه وخزة إدانة خفية لحكومة الثورة تؤكدها الرواية وهي تتحدث عن مرتضى عندما وصل المالك الجديد لتفقد ملكه : ” جلس في الصباح على أصوات غريبة ، محركات سيارات وما أشبه . خرج من غرفته لتفقد الأوضاع ، فرأى سيارات عسكرية ، وقد نزل منها جنود انتشروا هنا وهناك أما المالك فقد كان واقفأ يباعد بين ساقيه كما لو كان يتفقد أرتالاً تستعرض قوتها أمامه ، لكن يبدو انه ترك كرسيه فارغاً في مجلس قيادة الثورة لينظر في أوضاع الشعب ” (ص75 ) . وتشي العبارة الأخيرة التي تنطوي على سخرية واضحة ، بقفزة زمنية انتقلت بالأحداث إلى عهد ما بعد ثورة 14 تموز وهو ما تؤكده الإشارة إلى ” مجلس قيادة الثورة ” .فلم يكن أمام مرتضى ، وقد فقد عمله ، سوى أن يبحث عن محل يمارس فيه إبدال حدوات الخيول ، وقد وجده قرب السوق . لكأن الرواية أرادت أن تقول أن الثورة ، أية ثورة ،التي تأتي لتنصف المظلومين والمحرومين ما تلبث أن تصبح سبباً في الظلم الذي يلحق بهؤلاء أنفسهم ربما بسبب اهمالها أو قصر نظرها .
وسوق هرج هذا “أكثر من سوق ، هو أقدار عدة تجمعت إلى بعضها ، لابد أن شخصاً مثل هادي طرزان أو ربما غيره يشعر بعاطفة صادقة نحو هذا الوطن المتلاصقة أشلاؤه المتكتل إلى بعضه ” ( ص 15 ) ، تتعدد شخصياته وتختلف باختلاف المهن أو أنماط العمل التي تمارس فيه شأنه في ذلك شأن أي سوق من هذا النوع . فليس غريباً أن يجمع بين بسطة لبيع الفاكهة ومحل للتصوير وآخر للحلاقة ومكتبة لبيع الدفاتر المدرسية والأقلام ومحلات مصلحي ساعات ودراجات هوائية ومضخات المياه ، فضلاً على محل مكوى وتجليد كتب ، وغير ذلك مما يتوفر في مثل هذا النمط من الأسواق فيستقطب تشكيلة مختلفة من الناس مما يوفر أمام الروائي فرص التقاط شخصيات مضافة وتنويعات أحداث يتم تسييرها من خلال هذه الشخصيات .
وضمن سياق الحديث عن التحولات السياسية والإجتماعية والاقتصادية ، وقد تجاوزت أحداث الرواية مرحلة 14 تموز ، ثمة إشارة إلى صعود طبقة جديدة غادرت قاع المجتمع وقفزت إلى القمة . فوسط عملية الاهتمام بعرض سيَر الشخصيات توقفت الرواية عند سيرة الحاج عبد الرزاق وهو من أبرز أصحاب المحلات في سوق هرج : رجل له موقعه الخاص ويحظى باحترام أهل السوق ، نتعرف من خلاله على ابنه الثالث طالب الثانوية مصطفى الذي سيكون إحدى الشخصيات السلبية في الرواية وقد انحرف أخلاقياً بفعل إغراء المأبون حميد صاحب محل التصوير في بداية سوق هرج ، وقد طرده أبوه بعد أن أكتشف قيامه بالسرقة من محله ، لتكشف الرواية عن جانب من جوانب الانحدار اللاأخلاقي الذي تعرض له المجتمع ، وقد أوغلت الرواية في وصف تجسيد العلاقة الشائنة بين مصطفى والمصور من أجل إسقاط الشخصيتين أخلاقياً .
وفي سياق التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضاً تعرّفنا الرواية على شخصية يونس أبو بازو التي سيكون لها شأن في مسار الأحداث . وكان ” يونس أبو بازو في العاشرة من عمره حين دخل سوق هرج أول مرة يوم ذهبت به أمه إلى الحاج مجيد بائع اللحافات والبطانيات من تلك التي تسوّق إلى الجيش ليوزعها على أفراده ، فلونها الداكن يليق بالرجال الأشداء ،والتمست من الرجل عطفه عليهم وبركته لإبنها الذي تريده أن يعمل بالطريقة التي يختارها له ، خادماً ، أجيراً ، ابناً يتيماً علّه يسهم في رفع همها في إعالة أطفالها بعد أن انقطعت أخبار زوجها المجنون …. ” ( ص104 ) .هكذا إذن كانت بداية حياة يونس أبو بازو في سوق هرج وسنرى كيف كانت النهاية . كان الحاج مجيد راضياً عن عمل الفتى يونس وبعد خمس سنوات سقط الحاج ميتاً في محله وحين فتح ورثته أقفال باب المحل في اليوم الثالث لوفاته ” وجدوا أن المحل تعرض لسرقة الكثير مما فيه وفي خزانته وحامت الشبهات حول يونس فأنكر القيام بذلك وسرعان ما حلّ محل الحاج مجيد “. كان يونس أبو بازو يتاجر في كل شيء ، يأخذ البضاعة من المحلات الأخرى ويبيعها مستفيداً من فارق السعر ” 0( ص 168 ) ،وضمن سياق رصد الرواية لسيرته الشخصية سنكتشف بأنه عمد إلى ممارسة الاحتيال بعد أن ارتبط بمغنية في أحد ملاهي بغداد كانت أمها أشهر قوادة في شارع 52 فحاولت الانتقام منه . ومن نقطة سوداء إلى أخرى في سيرة حياته أختفى فجاًة وعاد بعد خمس عشرة سنة واحداً من أكبر التجار ليتبين أنه كان قد فام بقتل صاحب محل لبيع الذهب والمجوهرات في الكاظمية بعد أن سرق ما في محله وقضى في السجن خمس عشرة سنة ليعود بعدها التاجر الذي سيكون صاحب شأن كبير في مسار الحركة الاقتصادية ، في كشف واضح وصريح لمهزلة وضع اللصوص على رأس الحركة الاقتصادية للبلد ، دون أن تنسى الرواية الكشف عن الجانب اللاأخلاقي في سيرته عندما كان شاباً مبتذلاً، وتكشف عن حالة التغيير الذي طرأ عليه . ذهب هادي طرزان بصحبة مرتضى السايس إلى مكتب يونس بازو للتوسط لديه لكي يمنح مرتضى وكالة بيع منتجات معمله الجديد فوجدا ” كل شيء في المكتب من أرقى ما يكون ، السجاد فوق الأرض ، الأثاث وبشكل خاص مكتبه …. فجلسا ، وبهدوء أخذت أصابعه المليئة بالخواتم الذهبية علبة خشبية مشغولة بالأصداف فيها سجائر قدمها لهما ” ( ص 162) ، وتصف حالة الترف الذي صار يعيشه ” صباح كل يوم يقف يونس أبو بازو بسيارته الفاخرة قريباً من بناية بنك الرافدين عند مركز المدينة وعندما ينزل منها يأتي خلفه اثنان أو ثلاثة ممن يعملون في مكتبه ، ألبسوه في الحال عباءة الحرير المطرزة بخيوط الذهب فوق كتفيه وصدره وسار ببطء مستغرقاً بالتفكير ومسبحة الكهرمان المذهبة لا تفارق أصابع كفه اليسرى ” (ص 172) . وتربط الرواية بين نشاطه الاقتصادي والتطور الصناعي وهي تشير إلى تطور اليدوي إلى آلي من خلال المعامل التي جاء بها ، أو هكذا يخيّل لنا لاسيما بعد أن فتحت شهيته الشرهة على الاستحواذ على كل ما تتيح له ثروته شراءه .
لقد حفلت الرواية بنماذج مختلفة من الشخصيات مثل ترباس وبلبل والمخبّل علي ، إلى جانب من وردت أسماؤهم سلفاً ، وهي شخصيات عادية ومألوفة في مجتمع المدينة . لكن ما يثير الانتباه أن الروائي زج بشخصية الدكتور سامي داخل مجرى أحداث روايته . الدكتور سامي طانيوس طبيب جراح مسيحي جاء من لبنان لبعمل في مستوصف المدينة وما لبث أن تزوج وجاء بزوجته الألمانية هنيكا وكلابها ، وظل الأمر اعتيادياً عند هذا الحد لكنه ما لبث أن أخذ منحىً آخر حين بدأت الزوجة نحضر مجالس العزاء التي تديرها زوجة الشيخ باقر التي بدأت تجتذب المزيد من النساء مما أثار حفيظة منافساتها وأثير اللغط حول جواز دخول إمرأة مسيحية إلى مجالس العزاء ، والأمر طبيعي في مجال التنافس ومعقول عند هذا الحد، لكن ما يثير الاستغراب يتمثل قي الخطة التي أعدتها زوجة الشخ باقر سراً لإجراء عملية ختان بدائية لرجل مسيحي في سن الدكتور سامي مع ما يترتب على مثل هذه العملية من تبعات دينية وقانونية وأخلافية . ولعل الروائي زج بهذا التقصيل في نصه من باب السخرية التي عرف بها في ما يكتب .
تقع هذه الرواية بطبعتها العراقية في مئتين وتسع صفحات من القطع المتوسط ويتواصل السرد فيها بنسق أفقي يتواتر خلاله الرجوع إلى الماضي ، مع غياب الحوار المباشر ومع تعدد الحبكات بحسب تعدد الشخصيات ، لكن هذه الحبكات ما تلبث أن تتداخل مع بعضها في سياق التواصل السردي ، ليفضي كل ذلك ألى الحصول على نص روائي جدير بالإهتمام .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"