تابعنا على فيسبوك وتويتر

شعرية الغموض وتعدد الدلالات عند الشاعر عز الدين بوسريف

يقول الشاعر عز الدين بوسريف
…………… روح هاربة من منفى الميلاد ……………
إذا أنت كل شيء و أنا لا شيء ،
أشتهي الرحيل ، مني إليك ،
كنور ينطفيء فيك ،
إلى هنالك ،
حيث لا هناك و لا هنا ،
لا أنا أنا ،
و لا أنت أنت
( … )
لست أعرفني ،
إذا لا كنت إن كنت أعرفني ،
و لا كنت إن كنت لا أعرفني ،
لست أعرف جثتي في غيابة الجب ،
أراني أعصر خمرا / أحمل فوق رأسي قبرا ،
أمشي ، سكران ، خلف جنازتي ،
أبتسم في وجه الموت ،
و الموت ، من ابتسامتي ، يتألم
( …)
سأدفنني الآن ،
كحمى الظنون ، في هواجس الطين ،
ليل الجسد يخرج من جسد الليل ،
روح هاربة من منفى الميلاد ،
و أنصرف
إلى ما لا أشاء
إذا أنا أشاء
هو لا يشاء ما أشاء
.
.
قصيدة ( روح هاربة من منفى الميلاد )
من ديوان ( أراني لا أنا / هكذا تألم زرادشت )

إذا كانت اللغة هي الْبَطْن الذي يحوي كل الفنون الأدبية، علما بما تحويه من البلاغة والفصاحة.
هل الشعر داخل هذا الْبَطْن؟
أم هل الشاعرية هي الوعاء الشعري للغة؟
وإذا كان الشعر كما يقال عند بعض الأدباء والنقاد ليس في المراتب المتقدمة في اللغة. أي وعاء من غير الشاعرية يمكن أن تعطيه صفة الجمالية لكي يصبح مدلل اللغة، كما تتدلل البنت على أبيها؟
يقول محمد بن أحمد بن طباطبا
《فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مَخَّضَ المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسها إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه 》.
فالسؤال المطروح. إذا لم يكن الشعر متقدما على اللغة، لماذا يتعامل مع الضرورات الشعرية عند بعض الشعراء بينما تتنكر له طائفة أخرى؟
خصوصا إذا علمنا أن الفرزدق هو الحجة في اللغة والشعر كما ذكر مؤرخو الأدب العربي.
يقال إن قولة الفرزدق 《علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا》. ليس لها أصل في كلام العرب ممن سبقوه، وزادوا عن ذلك بأنه قول شاذ لا حجة له. وأن قوله هذا تبريرا لهواه.
لكن ما مصداقية هذا الرأي؟
يقول محمد بنيس
《… وأنا سعيد بأني كنت معاصراً لبعض كبار الكتاب. فبفضل قراءة أعمال هؤلاء المؤلفين أو بفضل لحظات الحياة التي تقاسمتها مع معاصرين لي من بينهم، تمكنتُ أكثر من تأكيد اختيار أن أتبع طريق الحرية، بما هي حرية الحداثة بامتياز. ومن المؤسف أن أعمال بعض هؤلاء المؤلفين ليس دائماً معترفاً بها في العالم العربي، وهي بالتالي ملغاة من برامج التعليم كما من السياسات الثقافية.》
أعتقد إن الخضوع والخنوع ليس لهما مكان في أكثر الفنون الأدبية رقة وعذوبة وتأثيرا في الحياة الإنسانية. فقرار استخدامهما في التحليل والنقاش وفرضهما على هذا الجنس الأدبي يعد طموحا بعيدا عن النظرة السوية والفهم الأدبي الصحيح للعلاقة بين اللغة الشعر.
نادرة هي التجارب الشعرية التي حرصت على شعرية النص، وجعلت الشعر رهين شرطه الجمالي.
أعتقد أن في حداثة الكتابة، يلح النص على فتح أفق الكتابة على نوافد متعددة.
يقول الشاعر عز الدين بوسريف في
……………. ذاك أنا .. أو هكذا شبه لي …………….
ذات دهشة ،
كما النداء الخفي ،
ذاك الآتي من رحم الرؤيا ،
و أنت
كالماسك بالماء في سراب الصحراء ،
داخل / خارج حدود غيم الروح ،
شيء منك ..
منك يحترق فيك
من حكمة أو جنون ،
إذا كل من نور
يصيح في وجه العتمة
صيحة ولادة الموت ،
و إذا كل ، في مرايا العبث ،
من ماء يجري و لا يجري ،
كخمرة تسكر ظل الفجر ،
في حضرة السفر ،
المدى تائه في فراغ اللامدى ,
كل شيء يذهب إلى لاشيء
و يبقى السؤال :
ذاك أنا ..
أو هكذا شبه لي ؟!!
.
.
من ديوان ( أراني لا أنا / هكذا تألم زرادشت )

إن العادات البلاغية التي كانت تمليها اللغة كممارسة خاصة لمنظومتها، لم تعد حاضرة بالشكل الذي كانت عليه لأنها لم تعد هي وحدها مكمن الدلالات. وهذا ما يجعل النص مُدْلَهِم بمتاهات الرؤى.
لقد أصبح الغموض في القصيدة ناتج عن تعدد المعاني والدلالات وتقاطعاتها. فهو توالد لا ينتهي حتى في نهايتها.
لقد تغيرت الطرق للوصول إلى المعنى التي كانت محددة في القصائد بالإشارات والعلامات التي تؤدي للوصول للمعنى. وهذا ناتج عن البيئة المتحكمة في طريقة الكتابة ومسارات التفكير وأنماط التوزيع الخطي المراوغة.
إن كثير من قصائد عز الدين بوسريف تحتاج قراءتها إلى معرفة، ليس بمتطلبات اللغة ومعرفة الأوزان والقوافي بل إلى معارف متشعبة. لأنه لم يعد يكتفي بالنمطية السائدة في أساليب التعبير.

العربي الحميدي / المغرب


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"