تابعنا على فيسبوك وتويتر

قلتُ لها :

اكتشفتُ أنَّني كاتبٌ فاشلٌ ؛ لا أُجيدُ الكتابةَ في السَّياسةِ أو الاقتصادِ أو علمِ الاجتماعِ أو فنِّ الطهو ، واكتشفتُ أنَّني لا أُجيدُ الغزلَ أو الهجاءَ أو مسحَ الجُوخِ والحريرِ ، أو الأحذيةِ الفاخرةِ ذاتَ الجلدِ الآدميِّ ، وأدركتُ أنَّني لا أُحسنُ النَّقدَ ولا المعارضةَ ولا العملَ الحِزبيِّ أو النقابيِّ فلكلِّ حِرفةٍ أسرارُها وخفاياها وتقنياتُها ودهاليزُها ومنعرجاتُها وأغوارُها ؛ فأنا لا أُجيدُ السِّباحةَ في المياةِ الرَّاكدةِ ولا أجيدُ سبرَ الأغوارِ السَّحيقةِ، فمنذ أن وُلدنا تعلَّمنا أن نلعبَ على السَّطحِ أو فوقَ السَّريرِ أو فوقَ الطَّاولةِ ، فأنا يا حبيبتي لا أُتقنُ اللَّعبَ تحتَ الطَّاولةِ أخافُ على حجرِ النَّرد أن يعاندني .

تعطَّلت منذ زمنٍ ذاكرتي ؛ كم حاولتُ أن أستعيدَ صوتَ أمي أو بعضاً من ملامحِ صورتِها التي حلَّت في نفسي منذ كنتُ طفلاً أمارسُ رياضةَ الرَّضاعةِ لأُدرِّبَ شفتيَّ على نُطقِ بعض الحروفِ الصَّعبةِ أو على البكاءِ ؛ لأنَّني كنتُ أعتقدُ بزمنٍ سيأتي نحتاجُ فيه إلى البكاءِ .

ها هو البردُ يتسلَّلُ إلى صوتي مثلَ لصوصِ ليبيا واليمنِ ، أو مثل لصوصِ بغدادَ والشَّامِ فتفجؤني ارتجافةٌ أو ارتعاشةٌ ألمحُ فيها تاريخاً من الانكساراتِ والغباءِ ، وأرى فيها ظِلالاً لصورٍ تقفُ صمَّاءَ لا تهشُّ ولا تنشُّ يحطُّ على رأسها الذُّبابُ من كلِّ مكانٍ فتَّتسعُ أحزانيَ أكثرَ وأشعرُ بأنَّي يتيمٌ لا أرضَ لي ولا وطنٍ .

ليتني أمتلكُ أظافرَ ويدينِ لأنبشَ التُّرابَ ، وأستخرجَ من ذرَّاته بعضاً من عظامِ أبي أو لحمهِ ، أو أن أجدَ بعضاً من عيونِ أُمِّي لأعدو إلى الوراء ، هرباً من مستقبلٍ كأنَّه السَّرابُ .

ليتني أمتلكُ مِعولاً ؛ لأهدمَ زنازينَ غربتي ووحدتي ، ثمَّ أسيرُ في رحلتي نحو ثورتي بقطعةِ ضوءٍ من عيونِ أُمِّي .

لم يزل في صدري بقايا من صعلوكٍ جاهليٍّ ، خلع ذاتَ يومٍ القبيلةَ ، وفي صدريَ الكبيرِ ما زالَ هناكَ مُتَّسعٌ لكلِّ صعاليكِ المدينةِ ، وما زلتُ أمتلكُ عُوداً واحداً من الكبريتِ لعلَّهُ يكونُ شرارةَ المُبتدأ لنهايةِ شعوبٍ وقبائلَ وطوائفَ خُلقت للتقاتلِ والتناحرِ .

أحاولُ يا حبيبتي أن أطلبَ موعداً من الصَّباحِ فكلَّما ذهبتُ إلى هناك قالوا لي غداً يُشرقُ الصَّباحُ ، أحاولُ أن أسرقَ موعداً من عينيِّ امرأةٍ بطعمِ الصَّباحِ ؛ فينسكبُ الأسى في خاطري وتتَّسعُ الجِراحُ .

يا حبيبةُ لا تتَّبعي أثرَ الجرحِ النَّازفِ لأنَّه سيأخذكِ نحو مقابرِ أهلِ التاريخِ وأهلِ الكتابِ والغنمِ ، وهناكَ ستجدينَهم يطوفونَ ويُكبِّرونَ ويُهلِّلونَ لألفِ ألفِ صنمٍ ، كلَّما مات منَّا صنمٌ نُفاخرُ الأُممَ بولادةِ صنمٍ .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"