تابعنا على فيسبوك وتويتر

الحكومة وال ” التحولات ” :
من ألبؤس .. إلى ألمواجهة !

سألتني الزميلة النشطة ( آمال العلي ) من وكالة الإعلام العراقي / واع هذا السؤال الملغز :
هل استطاعت الحكومة العراقية ان تستجيب للتحولات الكبيره في الثقافة العراقية ومجرياتها؟! فكتبت لها إجابة موجزة في حينه، ولما أعملت بعدها الفكر وراجعت السؤال من جديد خطر لي ان ادوّن إجابة جديدة ( مزيدة ومنقحة ) ! :
ـ عليّ أولا قبل الإجابة ان أتساءل : كيف يمكن لجهة ما(حكومية او غير حكومية) ان تظهر استجابتها لهذه القضية او تلك..سلبا او ايجابا؟ يحصل ذلك في حالتين اثنتين:ان كان هناك تشريع يمنحها او يقنّن لها الاستجابة،او تكون هناك مبادرات في مناخ عام يتيح لها ان تقدم استجابتها بهذا الشكل او تلك الصيغة،وإذا انطلقنا من هذا التمهيد الى السؤال المطروح فسنقول ان الحكومات العراقية لا يمكن(في ظل براهين)ان تكون لها استجابة مؤثرة او ساندة للتحولات التي جرت او التي تجري في الساحة الثقافية العراقية وذلك لانتفاء الحالتين المذكورتين أعلاه:فليس هناك من مادة دستورية او تشريع قانوني نافذ يكيف او يمنح الحكومة صلاحيات ملزمة او إجراءات قانونية للتعامل مع النشاطات او التمظهرات الثقافية ولا سيما الريادية منها،ثم ان هناك جفافا مريعا في مستوى المبادرات الساندة والحاضنة للثقافة بأنماطها ومنتجيها وهذا حدث ويحدث في ظل مناخات سالبة ولا اقول قامعة لكل ما يحسب في خانة الثقافي(وهذا بالطبع يعم بإأشكال متفاوتة على الحكومات المتتالية منذ نشوء الدولة العراقية1921) ولهذا فالسؤال المهم هنا : كيف تنهض الثقافة إذن وتنمو وتتجدد في ظل أحوال قاتمة كالتي وصفتها؟!.
ـ لا بد ان أوضح هنا ان هذه الثقافة عندنا تعاني من خلل وجودي خطير وهو انها تتسم بكونها ثقافة أفراد وليست ثقافة مؤسسات وهذا يعني ان كل ما تحقق من انجازات ومشاريع يعود لجهود فردية من دون ان تكتمل الدورة الثقافية وتكون هناك جهود مؤسسية حقيقة تواكب وتساند الجهود الفردية فيتكامل طرفا المعادلة ويغني احدهما الآخر ويشرع حراكا حقيقيا ليشمل مفاصل الحركة وتكون الحصيلة نهضة ثقافية متكاملة،لكن هذا الذي نشير اليه لم يتحقق بشكل جدي بل ان ما نلحظه هو وجود فاعل لطرف واحد(المثقف الفرد) وغياب فاحش للطرف الثاني(المؤسسة الحكومية)بمعنى ان ثقافتنا تقوم وتظهر بل وتعمق وجودها وخطاباتها الفكرية والأدبية والجمالية استنادا الى قواها الداخلية فقط.
ان الثقافة العراقية عاشت عهودا متتالية في ظل معادلة تبدو بالغة التضاد :
بؤس + اقصاء = تميّز + ريادات !!
وقد لا يفهم الكثيرون كيف يمكن للبؤس ان يولد تميزا وأنّى للإقصاء ان ينتج ريادات؟ غير ان واقع الحال والمنتج الثقافي اثبتا المستحيل الذي لا يكاد يصدق إذ كلما زاد العنت وحوصرت الإرهاصات الا ووجدنا الثقافة بمبدعيها وإطرافها تزداد القا وتفتقا عن إبداعات اصيلة تجاوزت في اشكالها ومتونها الإطار المحلي الى الجغرافيا العربية ومن ثم الأفق العالمي ! ، وحتما كانت هناك محاولات وجهود ضخمة وبصيغ شتى رفعت من مهمومي الكلمة والمخلصين من نشطاء الحركة الثقافية لبيان ما تنوء به الثقافة العراقية من ألوان القهر والاستلاب والتجهيل وإظهار حجم المعاناة المتراكمة التي تضايق وتجور على المثقف ان كان على مستوى تقديم إبداعه وإظهار صوته ودوره المغيبين أمام حركية المجتمع او حتى مستوى معيشته وحرمان عائلته مما يكفل حاجتها ويحفظ كرامتها في مناخ غلبت فيها قوانين النخاسة منتوجات الإبداع والخلق ، غير ان ما اشرنا إليه سراعا أدخل في دهاليز الانتظار او أن هذه المطالبات الثقافية المشروعة اعتبرت من المعوقات لفرص النضال ومن المضادات لحركة المسيرة الحضارية بل كثيرا ما ووجهت صرخات المثقف بتهم شتى ليس اقلها المروق والكفر وركوب الفتن !.
وأصارحكم أنني عشت سبعة عهود كاملة ( من نوري السعيد حتى نوري المالكي ) لم اجد في أي منها اهتماما يذكر بالثقافة : مفهوما ومضامين وعناوين ، بل كنت اجد الهموم الثقافية وشجون المثقفين تتراكم وتعلو كالجبال حتى ما عاد نظري الكليل يحيط بها ولم اشعر يوما ان هناك مسؤولا واحدا او جهة بعينها تهتم بإيجاد الحلول او تسعف المثقف المبتلى بنظرة منصفة تفهم ما يريد وتمهد له دروب إبداعاته او تزيل عنه الفخاخ وما أكثرها !.
لهذا وغيره تشعر أغلبية مثقفي العراق بأنهم مغبونون ومكبلون بأغلال شتى تؤثر على مشاريعهم وتحبط طموحاتهم بل وتهدد حيواتهم ، ولم تكن الإجراءات الحكومية بقادرة على الإتيان بعلاجات شافية لامراض الثقافة المزمنة لأنها ( أي تلك الإجراءات ) قائمة على قواعد آيلة للانهيار مثل : المكرمة / المبادرة / الاجتهاد الفردي .. وهي أوامر وقتية وظرفية ستسقظ حتما بزوال دوافعها المباشرة وعدم توفر التشريعات التي تقننها وتبقي فعالياتها ، ولذلك لم أعجب حين تحرك جزء من الشارع الثقافي خلال الأسابيع الماضية وان كانت حركة محدودة وقطبية بسبب غلبة المنافع الآنية وتجزيئ المطالب بين شعارات وآيدلوجيات ، ومن الطريف أنني قرأت وأنا اكتب هذه الكلمة تصريحا للفنان الكوميدي العراقي ( ناهي مهدي ) الذي قال لإحدى وكالات الاخبار : (( ان العام المقبل سيشهد مواجهة بين المثقف والحكومة التي تتجاهل الثقافة من خلال اجراءاتها التي لا تدعم فيها الفنانين والمثقفين )) على حد قول الكوميدان ناهي !!.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"