تابعنا على فيسبوك وتويتر

خلخلَة الركود الحيَاتي 

الشَاعر المُغترب ” عدنان عادل ”  وقصيدة ” قارض الذبان في  كرنفال بروكسل ” .  

عدنان أبو أندلس 

ــــ تداهمنا بغتةً حالات من التفرقعات الحسًية بانفجار صوتي حينما نقرأ عنوان المجموعة الشًعرية ” خالق الفقاعات الصابونية ”  الصَادرة عن دار الدراويش للنشر والترجمة – 2018 ، وعلى ما يبدو بأن المفردة أي ” الفقاعات ” حُملت على كاهلها جانب التَشفير وعممت رؤاها على تخوم المجموعة ، فهي ابتكار طفولي بامتياز ، هي التي تبدأ بنفخة وتتلاشى بنفخة ، وما ينجم عنها المسرات والَلهو …لكن مدلولها ألتوظيفي بعيداً في التبئير ،  وكأن كل شيء يبدأ بقوة ارتجاج وينتهي بالخفوت التدريجي ، كما هو حال المأساة وصداها . بهذا أراد الشَاعر أن يعلمنا بأن العالم متخم ومثقل بالنكبات في منظومتهِ الحياتية في تلوثه الفكري وما يصاحبهُ من إفرازات جمعية ، هذا السائد والطاغي والشمولي ، قدْ بدَد الأحلام كُلُها وأركسها ووقع على ” الطين الحِري ” كما يُقال .

 من وراء ذلك جاء التمويه بما تشبه الشَفرات مُفعمة بالرمزية والتَورية والتَستر ، إن بؤرة هذا الهم رصدهُ من العنونة التي غطت جسد المتن ، إن المحنة التي أراد لها الإعلان على الملأ بدءاً  ، ثم طرق المعالجة لاحقاً ، فما وجد غير التَهكم والسَخرية – كي يوازي كفتيهما \ توظيفاً \ إرهاصات . إن أسلوبه مفضي إلى التهكم لنفسيتهِ المُنكمشة على ذاتها ، لكنها متَحررة مثل ” الطرق على الحديد ” فكانت مواجع الغربة مريحة \ ظاهرياَ  على ما يبدو من خلال توظيفهِ السَاخر والمفضي إلى ساحة اعتصام نفسية تقود العالم إلى التغيير ، والموجعة \ استبطانا ،  وكما يلاحظ القارئ الحصيف من أن أتوناً يمورُ في داخلهِ .

 كُلما جرى مألوفاً  لما وظفهُ ، لكن هنا يتبادر السُؤال : ما الذي يجب أن يفعلهُ الشَاعر كي يرمم من تصدًعات هذا المسير الأهوج للحياة ؟!… لكن يمكن أن يقال : إن الذي فعلهُ هو الإشهار وسطوع الحقيقة  دون مواربة \ توظيفاً على أقل تقدير. وهو غير قليل من معرفة الإرتدادات التي يترقبها لا حقاً . هذه الهوة من الإهمال أو الصراعات غير المبررة قد وسعها فكانت أبعد من أفق العالم القصي . يذكرنا هذا الاشتغال بـ كتاب ” لُعبة الأطفال الدائرية ” والمنصب على اللهو البريء ظاهرياً ، وما تكتنفهُ أكثر من تأجيج للمغايرة الحياتية ، كذلك هي فقاعات الشاعر التي تنمو بذاك المتخفي مكنهُ وبمنهجيته الفكرية المعتنقة أيدلوجياً ،  وطرحهِ الجريء صبهُ كل ما يخالجهُ من شعور إنساني تجاه العالم .يمكن أن نقسم هذهِ القصيدة إلى ثلاثة مقاطع حسب التوصيف والنفس الشًعري المسترسل أولها – الإستحضارات \ ثانياً – الإرهاصات \ ثالثاً – التأمل .  فقصيدة ” قارض الذبان في كرنفال بروكسل ” هي المختارة من المجموعة  ذاتها . 

لا شيء هناك سوى: خفاش يسترد عافيته بعد حصار طويل وحروب أطول ويقرر أن ينقذ العالم بشخيره.

 سأكون سعيدا بالمقلوب

كخفافيش منتشية

أداعب الماضي المقلوب

من حولي…

في هذه الظلمة

أرضع كل ما أتلمسه

لا أستمني ولا أستحم

حتى يغتسل العالم من عاره

 

ـــ حين نسلط الضوء على عنونة القصيدة المُحتشدة بمفرداتها الغريبة  ونتمعن ملياً ، نرى  مفارقة مبانة ويمكن أن نلمس بأن ” الكرنفال ” تجمع كثيف لاحتفال راقص مع غناء ولهو ، ومفردة ” ذُبان ” بتجنيسها  النَاقص مع مفردة ” ذباب ” ربما لا تعني بما  متعارف عليهِ ” حشَرة ”  ، بل بمعناها البعيد ،هي شفاه ذابلة لعطش روحي واحتراق حميمي للقاء رومانسي للآخر ، فجاءت ملائمة لمفردة ” قارض ” هو غير القوارض المعروفة ، بل شيء آخر  ربما ” الإنسان ” مثلاً – أي تكون ترتيباً ” قارض الشفاه من جميلات بروكسل ” لاسيما من أن هناك بحبوحة حرية . وقدْ تبدو من صورها إنها تتقافز على مجسمات متقافزة ، ومفارقات هي أقرب على اللعبة . 

  لقد أجاد في توظيفه مفردة ” الخُفاش ”  والتي ترزح بالدلالات المؤطرة كلياً  ، مثقلة بالرمزية \ تقمصاً \ هيكلياً  \سيكولوجيا وما يترتب عليها من تأويلات خاصة بها ، حتى استنفذ قواه العقلية وجزم قطعياً بأن حرف ” س ” جازماً رغم هدوء تسويفهَ الزمني ، كما هو الخفاش المتعلق بَدنياً وبدنياهُ ” المقلوب ”  كذلك هو الذي جزء من البشرية ويرى نفسهُ مقلوباً … رفض الواقع وتمرير الرضوخ لهُ \عيشاً \ من مستلزمات ذلك الاحتجاج الدفين ، ولأن الماضي راسخٌ في عفويتهِ أصالة ، فكل ما يراهُ مغايراً للحاضر وبكل تمظهراتهِ المغايرة وتجلياتهُ السَاطعة قهرياً ، فكانت دفقة الاحتجاج والرفض مطابقة لتحديد هذا العالم غير المتكافئ \عدالة \ مساواة ، حتى ترك المباهج الكمالية والضرورية وساح بجلباب الفقراء وعيشتهم التسكعية في بلاد الله الواسعة ، تركها لكن بشروطهِ الزمانية حصراً \ حتى نهاية  عار هذا العالم المتهور بالسيطرة والتحكم بالمقدرات الكلية لهُ : 

صباحا

بكوب من حليب آخر الشموس السومرية

مخلوطا بآخر قهقهات الموتى

أعود بمتعة إلى الحياة كأسلافي

لأزاول الربع المتبقي منها

وبفارغ الصبر

أنتظر انفجارا جميلا

لأتوسد بين جثتين

فخذ المتبقية من حبيبتي المتلاشية

ــــــ أستهل هذا المقطع بـ صباحاً وكما زمنياً هو \ البدء الحياتي \ وما يحمله من متغيرات قد طرأت بنتائجها من خلال الساعات الأولى ، فكان الحليب رابطاً نفسياً \ طفولياً بهذا الوقت ، فكلاهما متطابقان لونياً \صفاءً – الصباح بضيائهِ \ الحليب \ بصفائهِ – المكاشفة حقيقةً لكنهة النَص ، ثم أردفها بشموس الموازية لونياً أيضاً . هذه الإرهاصات التي رواها بتشكيل يفصح عن رؤى باذخة شعرياً ، لكن قهقهات الموتى بمفارقتها المرتكزة على المؤاساة قد حرَفت المعنى وإضافة مدلولاً آخر ، ثم يعاود إلى ما بدأ بهِ تارةً أخرى إلى ” التجلي ” بمتعة الحياة الماضية ربما شبهها بـ كاف التشبيه زيادةً في التأكيد ، كي يتواصل مع حياتهم معايشة وهي في الربع الأخير منها ” سنوات العُمر المتبقي ” ومع كل ما جرى من ويلات لقلب هذا العالم نحو مرتكزه الحقيقي ، فآخذ يؤطر الحياة ثانيةً بمنظور من ” الانفجار \ المفرقع \ الفقاعات والتي أرى بأنهُ جميلٌ في رؤاهُ متوسداً الجُثث \ الحيَة لصعاليك التَيه في الأرصفة التعبى لمدن العالم ، وما تبقى من أشلاء الزمن الرديء لهذا الكوكب الكوني المتصارع كل حين : 

 في المساء

أتدفئ بأنفاس كرنفالات الجثث

والنجوم

أبعث شخيرا غير مسموع

إلى هناك

وكل ذبابة تصد شخيري

تُلتهم ! 

أنا “الفأر الأصلع”

قارض الذبان الملتحية

في كرنفال بروكسل

يبدو من أن المناورة قادمة والتي قادتهُ وكما في \مطابقة المقطع الثاني ، هُنا ذكر ” المساء ” \ المعتم رغم ضوء النجوم اللامعة ، لكن قلبياً \ النجوم التي تضيء في الليل وما يصاحبها من نوم عميق ويصاحبهُ الشَخير المتعال ، وكأن هذا المقطع ” المُشفر ” يوصي بأن الفصل شتاءً ، لكون أدوات البناء أبعدت ما يرسخ حالة الكشف من تجلي \ ضياء \ سطوع ، وما توظيفهُ مفردات حيَوات هامشية ” ذُبابة ، ذُبان ، فأر ، خُفاش ” أو طفيلية  مقرفة ، وهنا قدْ ذكرها لعدم أهميتها ، كما يراد لها في مساحة وهمية تلاؤم طبيعتها وطبعها بهذا التعتيم الحياتي \ اللوني ، ربما هو ” السَواد ” حقيقةً من أن الشَاعر عدنان عادل موسمٌ باشتغاله لقصيدة النَثر الحديثة ، فأسلوبه حديث يواكب العصرنة بكل جدلياتها وطبيعتها المجافية للواقع والرافضة لكل متطلبات الضوابط المقيدة لها ، رؤاها منفلتة \ عصيَة \ مطلسمة \ مُشفرة وغيرها من مستلزمات التَسليح النَثري ، لهذا جاءت بنيته الشًعرية برصانة وقاعدة متينة تنحرف عن مسار الحقيقة التي قدْ تتقبلها الأجناس البقية  المغايرة  بـ 180 درجة ذوقية ، أي يسير في ظِل لغة أخرى وكأنها مُترجمة… هناك من يجدُ في نصوصهِ الُأخرى رومانسية وبوح بطعم ” الإيروتيكا ” لا يتقبلهُ إلا الراسخون في شعر الحداثة  لحداثة تراتيبيتها وفوضاها المدمرة وغموضها الهش ، وشكلها السريالي المحبب  بين سطورها الزاخرة بالعمق الرصين .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"