تابعنا على فيسبوك وتويتر

الابعاد الجمالية، والسيميائية في نص (احراق الكتاب) لعبد الزهرة زكي
أحمد الشطري
في ديوانه الصادر عن دار الروسم في عام 2015 تحت عنوان (حينما تمضي حرا) قدم لنا الشاعر عبد الزهرة زكي فيه اربعة مجاميع شعرية صغيرة بحجمها كبيرة بما تحمله من فضاءات شعرية، ودوافع تأملية جمعها تحت ذلك العنوان الرئيسي الذي ينفتح على افاق واسعة من الصعب املاؤها، او ترك اثر واضح يرشد اليها، غير ان عبد الزهرة زكي بقدرته الفكرية الفائقة، وخبرته الواعية، وشاعريته المتميزة استطاع – وفق ما اراه- ان يرسم ملامح مضيئة في الابعاد الهيولية للعنوان. و انا هنا احاول ان اتحرى بعض الملامح الجمالية، و السيميائية لواحدة من قصائد الكتاب، والتي تقع ضمن الديوان الثالث الذي اسماه (في الغرفة عازلة الصوت)، واعتقد ان هذه الملامح تبدو جلية في الكثير من نصوص الكتاب.
السردية والشعرية
ففي قصيدة (احراق الكتاب) ثمة خيط يربط بين السردية، والشعرية نستطيع من خلاله ان نتلمس ملامح القصدية الواعيةفي صياغة النص وفقا لهذه التقنية، فالنص يرسم لنا بوعي حدثا دراميا ينساب في دفق شعري محمل بعناصر الدهشة المثيرة للتأمل والمتعة في آن واحد، ولكن تلك القصدية هي قصدية جمالية متدفقة بانسيابية عالية دون ان تكون للصنعة هيمنة واضحة عليها كما انه ليس من اليسير تلمس اثارها، او الاحساس بها؛ كونها تجري تحت مظلة الشعرية الخلابة، وبخطى ايقاعها المندفق. فالشعر(يتوفر على ابنية تركيبية قارة مرتبطة بدون انفصام الى الايقاع) نظرية المنهج الشكلي- ت. ابراهيم الخطيب.بروت-52
وسواء كان هذا الايقاع مرتكزا على الاحساس، والتفاعل الداخلي معه، ام الخارجي، فانه يبقى هو العنصر الفاعل في الشعرية، ولذا فان النص النثري لا يمكن ان تكتمل شعريته مالم يكن محملا ببنى ايقاعية تمكنه من التسلل الى النفس، وتحريك رواكدها. وقد امتلك النص ايقاعه الشعري بتميز واضح.
(كتابه الذي لم يحرقه بعد
ما زال ينظر اليه،
وما زال الكتاب يراقبه،
ويراقب زيتا قربه
وعلبة كبريت سقطت على الارض..)
على وقع هذا الحوار البصري بين الـ(شخص)، وبين الكتاب يبتدأ عبد الزهرة زكي (سرديته)، ولكن هذه السردية تجري وفق نسق شعري، كلا المتحاورين فيه محملا بمشاعر الحيرة، والترقب، كلاهما مشدود الى محاوره بخيوط تترصدها ادوات القطع المتحفزة بانتظار الثورة الكامنة.
(كتابه الذي يراقبه
…….
وينظر الى اغصان شجرة لا تتحرك خلف النافذة
والى طائر نافق تحت الشجرة
ويسمع بندقية لا ينقطع صوتها)
في هذا المقطع ادخل الشاعر عناصر جديدة، عناصر تجمع بين السكون الذي لا يفضي الى حركة (الشجرة، والنافذة) والحركة التي تفضي الى متناقضين هما(السكون المنتظر)، و(طائر نافق)، والحركة التي لا تسكن (صوت البندقية) بدلالة ( لا ينقطع). هذه البنى التي تشي بحدث مرتقب كلها تقع تحت ترقب (الكتاب) الذي ما زال يصارع مصيره المنتظر، والمؤثث بلوازم النهاية المحتملة ( علبة الكبريت. الزيت. صوت البندقية) هذه اللوازم التي ترسم طريقا صاخبا لتلك النهاية.
(بينما الاحرف والكلمات والسطور تتسلل منه،
من الكتاب،
لتنأى في الهواء الذي ما عاد يمر
وتنمحي في جثة طائر نافق
تحت شجرة لا تتحرك
وهي تتحسس على جسدها الميت
صوت رصاص لا ينقطع.)
الفضاءات الرمزية
وهنا يرسم لنا الشاعر النهاية المنتظرة من خلال الصورة الموحية بذلك، وكأنه يرسم لوحة تشكيلية، بل انه نوع من الرسم التشكيلي، ولكن ليس باستخدام ادوات الرسم، وانما باستخدام الكلمات التي اظهرت تلك اللوحة التي جسدت لنا بإشارات رمزية ذلك المشهد المرعب. فقد انمحت روح الكتاب( الاحرف والكلمات والسطور) في (جثة) الطائر بينما بقي صوت الرصاص لا ينقطع على جسد الشجرة (الميت).
لقد استخدم الشاعر تقنية القناع في تقديم خطابه الفكري في اطار شعري باهر.
وقد حفلت القصيدة بزوايا متعددة يستطيع القارئ ان يلج من خلالها الى ما تحمله الاشارات الرمزية من دلالات مفتوحة على جوانب متعددة للتأويل.
وكقارئ بدا لي، ومن خلال الابعاد السيميائية للرموز المستخدمة ان استشف
مدى الاحساس بالمأساة التي عانى منها الشاعر، وهو يعكس صورة ذلك الواقع المرتبك كونه الجزء الاكثر حيوية، والاقدر على تحسس الألم الكامن في جسد المجتمع.
لقد مثل ( الكتاب) بفضاءاته الرمزية الواسعة صورة الانسان المهدد بالفناء، والمحو بما يحيط به من عناصر لها القدرة على تحويل عملية المحو الى فعل واقعي، والتي استخدم لها رموز( الكبريت، والزيت، وصوت الرصاص الذي لا ينقطع). فمن خلال ثنائية ( الكبريت، والزيت) يمكن ان نتلمس مدى الخطر الكامن، والقابل للاشتعال في اية لحظة، والذي سيحول حتما جسد ( الكتاب)، او (المجتمع)،او (الوطن)، او …الخ مما يمكن ان ينفتح عليه الرمز من مدلولات. سيحوله الى رماد يتلاشى دون ان يترك اثرا( لتنأى في الهواء الذي ما عاد يمر).
ومن خلال ثنائية (الطائر، والرصاص الذي لا ينقطع) يمكن ان نستشف مدى الاحساس بالخطر المحدق بالحرية بمدلولها الرمزي (الطائر)، والذي هو ايضا قابل على الانفتاح على مدلولات اخرى متعددة، ذلك الخطر الذي تمثل بـ(الرصاص الذي لا ينقطع)، والذي استمر حتى بعد ان تحول (الطائر) الى (جثة)، ليبقى ينشر الرعب، والهلاك في (جسد الشجرة الميت)، والذي ايضا هو الاخر ينفتح على افق واسع من المدلولات الرمزية، وفقا لنظرة وسعة افق خيال القارئ.
لقد قدم عبد الزهرة زكي في قصيدته هذه عرضا جماليا، و سيميائيا مليئا بمدلولاته التي تعكس الاحساس بعمق المأساة في ظل ظرف يكتنف الغموض، والترقب جميع جوانبه. انه نص لحظة ينفتح على ازمنة قابلة للتعدد، والتمدد. نص امتلك ادوات خطابه، واستطاع ان يقدمها بوعي، وبتأثير بارع، وبحرارة سردية، وشعرية في آن واحد دون ان تتسرب الى مفاصله برودة النثر، فتخفض من سقفه المرتفع.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"