تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة:
“صيّاد اللآلىء” وهو عنوان أحد الكتب المهمة الكثيرة والمتنوعة (أكثر من 50 كتاباً) للمبدع الكبير العلامة الدكتور علي القاسمي ينطبق عليه في كتابه الجديد هذا “طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات” ، ففد اصطاد لنا القاسمي من بحر ذاكرته الزاخر وسيرته الحياتية العطرة المكتنزة بالتجارب هذه الذكريات التي تمتزج فيها متعة القراءة بعِبَر التجارب الحياتية البليغة. وقد تكرّمت روحه النبيلة بنشر هذا الكتاب متسلسلاً في موقع الناقد العراقي. فتحية كبيرة له من أسرة الموقع متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد وحفظه الله ذخراً لثقافة وطننا العراق العظيم.

(16)
طارق جعفر العسكري فقير،
أبوه رئيس وزراء وخاله رئيس وزراء وأبو زوجته رئيس وزراء

عندما التحقتُ أستاذأ في شعبة اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، ألفيتُ أستاذاً عراقياً آخر في نفس الشعبة هو طارق بن جعفر العسكري. ولا بدّ أنه حصل على الوظيفة بطريقةٍ سياسيةٍ وليس اعتماداً على شهاداته المتخصِّصة ولا على خبراته التدريسية، فهو كما أخبرني يحمل شهادة جامعية في الهندسة وعمل دبلوماسياً، وآخر منصب له كان القائم بأعمال السفارة العراقية في لندن حينما كان الأمير زيد بن الحسين (1898 ـ 1970)، أخو الملك فيصل الأول مؤسِّس الدولة العراقية، سفيراً للعراق في لندن خلال المدة من 1956 إلى 1958.

وعلى الرغم من عدم تخصُّصه باللغة الإنجليزية، فإنه كان أفضل مني بكثير من حيث معرفته باللغة الإنجليزية، ونطقه بها، وحفظه لأشعارها وآدابها. ويبدو أنه درس في ثانوية خاصَّة في بريطانيا حيث يحفظون بعض مسرحيات شكسبير وكثيرأ من الشعر الإنجليزي عن ظهر قلب، إضافة إلى إقامته الدبلوماسية في لندن سنوات طويلة.

كان طارق رجلاً طيباً دمث الخلق ولعلَّه ورث تلك الطيبة ودماثة الخلق من والده جعفر العسكري (1886 ـ 1936) الذي يثني خصومه وأصدقاؤه على نزاهته وشرفه واستقامته، ويلقبونه بأبي الجيش العراقي لأنه كان أول وزير للدفاع في العراق الحديث سنة 1921 وأسس الجيش العراقي، وأصبح وزيراً للدفاع خمس مرات، ورئيساً للوزارة مرتيْن. ولكن لقبه العسكري لم يأتِ من مهنته العسكرية بل من أصل عائلته البغدادية الذي يعود إلى قرية عسكر قرب كركوك. وقد قُتل هذا الرجل الطيب في أول انقلاب عسكري بقيادة بكر صدقي سنة 1936.

بيد أن ملامح طارق، خاصة وجهه، كانت أشبه بملامح خاله نوري باشا السعيد (1988ـ1958)، الحاكم الفعلي للعراق الحديث حتى الانقلاب العسكري سنة 1958، فقد تولى رئاسة الوزارة 14 مرة. وإذا كان المؤرِّخون يختلفون حول شخصية نوري السعيد السياسية فهم يتفَّقون على نزاهته وعفته المالية، حتى إنَّ الفقر والجوع أضرّ بابنته المنفية بعد مقتله بسنوات، فكتبتْ إلى رئيس جمهورية العراق الذي كان يمتلك هو وأفراد عائلته أكثر من سبعين قصراً رئاسياً فخماً، رسالةً تستعطفه فيها للسماح لها بالعودة إلى العراق، فتكرّم سيادته بالموافقة، فعادت وتوفّيت في إحدى دور الرعاية الاجتماعية في بغداد.

وكانت صداقة حميمة تعزّزها نزعة عروبية تربط بين البغداديَّين جعفر العسكري ونوري السعيد، فقد درس كلاهما في المدرسة العسكرية في اسطنبول، وخدما في الجيش العثماني، وانتميا إلى الحركات العربية السرية التي كانت ترمي إلى استقلال البلدان العربية عن الدولة العثمانية، وانضما إلى الثورة العربية الكبرى (1916ـ1918)، ودخلا مع الجيش العربي الشمالي إلى الشام، وخدما مع فيصل بن الحسين الذي صار ملكاً في سوريا سنة 1920 ، قبل أن يُخرجه الفرنسيّون منها، فعمل حلفاؤه الأنكليز على المناداة به ملكاً على العراق سنة 1921، فقدِما معه إلى بغداد.
كان طارق العسكري متزوجاً من ابنة مزاحم الباجه جي (1891 ـ1982)، السياسي العراقي المعروف بتوجُّهه القومي، والذي أصبح رئيساً للوزراة سنة 1948 مدة حوالي ستة أشهر . ولكن طارق العسكري لم يصطحب زوجته وأولاده إلى الرباط، ربَّما لأن بعضهم كان يواصل دراسته في بريطانيا، ولهذا كان طارق يسكن في فندق متواضع في وسط الرباط يُسمى “ فندق رويال”.

ذات يوم قلتُ لطارق على سبيل المزاح:
ـ نحن نعمل معلِّمين لأننا فقراء، أما أنتَ فابن رئيس وزراء، وابن اخت رئيس وزراء، وزوج ابنة رئيس وزراء، فما معنى أنك تعمل معنا معلِّما؟!
أجاب طارق بكل جدٍّ وإخلاص:
ـ والله، يا علي، إن جميع مدخراتي لم تكفِنا للعيش سوى ستة أشهر، وبعد ذلك أخذنا أنا وزوجتي وابنتي نعمل في التعليم.

وفي هذه الأيام عندما أشاهد الفضائيات العراقية وأرى الوزراء والسياسيّين وحتى زعماء الأحزاب الدينية الطائفية من المعّممين، يتفاخرون بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، بثرائهم ومليارات الدولارات التي يسرقونها علناً أو يختلسونها سرّاً من الشعب العراقي الفقير، أترحَّم على زميلي طارق العسكري وعلى ساسة العراق القدامى، وأتعجَّب كيف يجرؤ أحد ساسة العراق الجدد أن يصرِّح علناً في (قناة الاتجاه) وبالحرف الواحد: “كلُّنا نسرق، كلُّنا نكذب، كلُّنا نأخذ رشوة: لابس عقال، ولابس عمامة، وأفندي…”

وأتساءل ما إذا كان هذا السياسي يصرّح بذلك في التلفزة لأنه متأكُّدٌ من عدم تمكُّن العراقيّين من مشاهدة التلفزيون بسبب انقطاع الكهرباء المتواصل منذ أكثر من أربعين عاما، لأن المسؤولين يتعاقدون بمليارات الدولارات لشراء محطات وهمية لتوليد الكهرباء، ويحوّلون الأثمان الخيالية إلى حساباتهم الخاصَّة في البنوك الأوربية والأمريكية.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"