تابعنا على فيسبوك وتويتر

الفصل الاول من رواية (الجنون)
الكاتب الصيني الامريكي (ها جين (HA JIN))
ترجمة: أمجد نجم الزيدي

تفاجأ الجميع عندما عانى البروفيسور يانغ من جلطة دماغية في ربيع عام 1989. حيث كان دائما بصحة جيدة، إذ اعتاد زملائه على حسد حيويته وانتاجيته، فقد نشر كتبا اكثر منهم جميعا وأصبح رئيسا لقسم الادب، وموجها لمنهاج دراسة الماستر، ومحررا للمجلة نصف السنوية، ومدرسا بنصاب كامل. ولكن الان بدأ حتى الطلاب يتحدثون عن تدهور حالته الصحية، وبعضهم ود الذهاب الى المستشفى لرؤيته لولا ان سكرتيرة القسم ينغ بينغ قد اعلنت انه تحت العناية المركزة ولم يكن بظرف يسمح له رؤية الزائرين.
جعلتني جلطته الدماغية غير مستقر، لأني كنت خطيبا لابنته ميمي، وكنت اجتاز امتحان القبول لدراسة الدكتوراه بالأدب الكلاسيكي تحت اشرافه في جامعة بكين، وأمل ان اقبل هناك لكي استطع الانضمام لخطيبتي في العاصمة، حيث خططنا لبناء عشنا الزوجي، فإقامته في المستشفى عطلت عملي، إذ اني ولأسبوع كامل لم اجلس لكتبي، مضطرا للذهاب لرؤيته كل يوم. كنت قلقا- فبدون التحضير لا يمكنني ربما ان اكون جيدا بالامتحان.
دعتني ينغ بينغ الى مكتبها، كان شعر ناصيتها الرمادي يرفرف وهي تصف لي مهمتي، وهي الاعتناء بأستاذي بعد الظهر من الان فصاعدا. بينما كانت المروحة الكهربائية التي تنفث رذاذ الديكلوروفوس ذهابا وايابا في الغرفة لقتل البراغيث، تصدر ضجيجا على منضدتها، وكان الى جانبي زميلي بانبينغ فانغ والذي سيراقب السيد يانغ ايضا، ويعتني به صباحا.
– “حسنا جيان وان.”
قالت ينغ بينغ بابتسامة مزمومة.
– “انت فرد العائلة الوحيد للبروفيسور يانغ هنا. هذا وقتك لمساعدته. فلا يمكن للمستشفى ان توفر له عناية تمريضية خلال النهار، لذلك فنحن مضطرون الى ارسال بعض الاشخاص الى هناك.”
حملت كوب شايها الطويل واخذت رشفة. كانت تشرب الشاي الاسود وتدخن السكائر الرخيصة كرجل.
– “هل تعتقدين انه سيمكث طويلا في المستشفى؟” سألتها.
– “ليست لدي فكرة.”
– “كم من الوقت على مراقبته؟”
– “حتى نجد احدا ما ليكون بديلا لك.”
عنت (بأحد ما) شخص ربما سيؤجره القسم كمساعد للممرضة، لم اقل شيئا، على الرغم من ان طريقتها بتكليفي بالمهمة ازعجتني، فإلى حد ما كنت سعيدا بهذا التكليف، فبدونه كنت على اي حال ذاهبا الى المستشفى كل يوم.
بعد الغداء، وعندما كان زميلي في الغرفة مانتاو و هوران غافيان، ذهبت الى مخبأ الدراجة الكائن بين مهجعين طويلين للطلبة الذكور الذين بقوا يعيشون في البيوت ذات الطابق الواحد قرب المدخل الامامي للحرم الجامعي، بخلاف الطالبات اللائي انتقلن مؤخرا الى بناية المهجع الجديد داخل الجامعة، سحبت دراجتي نوع فونيكس وانطلقت الى المستشفى المركزي.
كان المستشفى في وسط البلدة في شارع شاننغ، يستغرق الوصول مني الى هناك اكثر من عشرين دقيقة. كان الجو قائظا على الرغم من ان الصيف لم يحل بعد، ومملوءا برائحة الدهون المحروقة و الفجل المطهي، على شرفات الشقق وعلى طول الشارع، خطوط من الغسيل ترفرف بهدوء، ملايات، وبلوزات، وبيجامات، ومناشف، وفانيلات، وملابس رياضية. كانت مكبرة الصوت المثبتة على عمود الهاتف تبث لعبة كرة القدم، عند مروري بموقع بناء، بدى المعلق نعسانا على الرغم من عاصفة الصراخ المتقطعة الصادرة عن المشجعين. وكان جميع العمال في الموقع يستريحون داخل المبنى المحاصر بسقالات الخيزران. كانت الرافعات تشبه هيكلا عظميا جامدا والخلاطات تشبه الطبل. وثلاث مجارف تقف اعلى تلة ضخمة من الرمل، وبعدها لوحة صفراء كبيرة تعرض كلمات عملاقة مطلية بالأحمر: أخرجوا جميعا وارفعوا الهدف عالياً (1). شعرت ان الجزء الخلفي من قميصي رطب من العرق.
كتب قسمنا للسيدة يانغ عن جلطة زوجها، لكنها لن تكون قادرة على القدوم الى البيت حالا. لأنها ذهبت منذ سنة الى التبت مع فريق بيطري. سيأخذ الرجوع منها اكثر من اسبوع، لان التبت بعيدة جدا. وستكون مضطرة لتبديل الباصات والقطارات باستمرار. في رسالتي الى خطيبتي ميمي، وصفت حالة ابيها، حيث كانت منهمكة بامتحانات الدراسات العليا للطب في بكين، واكدت لها باني سأعتني به جيدا ويجب ان لا تكون قلقة عليه جدا. ولا تتعجل العودة طالما ليس هناك علاج سحري للجلطة.
بصراحة، شعرت باني ملزم بالاهتمام بأستاذي. وكنت سأفعل ذلك عن طيب خاطر، بدافع من الاحترام والعرفان بالجميل، حتى بدون خطبتي لابنته، اذ درسني منفردا مساء كل سبت، لما يقارب السنتين، مناقشا معي الشعر الكلاسيكي والنظرية الادبية، موجها اطروحتي، حيث يختار لي الكتب التي علي ان اقرأها، ومصححا دراساتي المعدة للنشر.
كان البروفيسور يانغ من افضل الاساتذة الذين رأيتهم، ملما بحقل الشعرية ومتفانيا من اجل طلابه. يشعر بعض زملائي بعدم الارتياح لجعله مشرفهم. حيث يودون القول “انه متشدداً جدا”. لكني اجد نفسي مستمتعا بالعمل معه، حتى انني لا امانع عندما يناديني البعض بالسيد يانغ الصغير؛ على اي حال، انا كنت تلميذه.
عندما خطوت الى داخل الغرفة كان السيد يانغ نائما، ومجردا من جهاز التغذية الوريدي (IV)، الذي كان مثبتا عليه في غرفة العناية المركزة. كانت الغرفة مكانا مؤقتا، لكنها كانت داكنة ورطبة نوعا ما، حيث انها واسعة جدا لتكون لسرير واحد. تطل نافذتها المربعة جنوبا على جبل فحم في فناء المستشفى الخلفي. ووراء كومة الفحم هذه، زوج من المداخن الخرسانية تنفث دخانا ضاربا الى البياض، وتيجان اشجار حور قليلة تتمايل بكسل. يوحي هذا الفناء بانه مصنع، او بشكل اكثر دقة، محطة لتوليد الكهرباء، حتى ان الجو هنا يبدو رماديا. بالمقابل فان الفناء الامامي يشبه الحديقة او المتنزه، مزروع بشجيرات الايلكس (2)، والصفصاف المتمايل، واشجار الجميز، والازهار بضمنها ورود الازاليا، ونباتات الغرنوقي، والسوسن المهدب. حتى ان هناك بركة بيضوية الشكل، مبنية بالطوب والحجر، ومملوءة بالأسماك الذهبية ذات الذيل المروحي. يتجول الاطباء بملابسهم البيضاء والممرضات عبر الازهار والاشجار وكأن ليس لديهم شيء مهم ليعملوه.
كان القليل من المرضى قادرين على الحصول على غرفة منفردة لأنفسهم، كغرفة السيد يانغ الرثة، فالحصول عليها كان احد الامتيازات النادرة. اذ لو اصابت ابي جلطة، وهو نجار في مزرعة للأشجار في شمال شرق الصين، سيكون محظوظا ان اعطوه سريرا في غرفة يشاركه فيها دزينة من الناس. بالحقيقة، فان السيد يانغ استلقى غائبا عن الوعي لمدة ثلاثة ايام في مكان كهذا، قبل ان ينقلوه الى هنا. نجحت السكرتيرة بينغ، وبجهد استثنائي، من اقناع مسؤولي المستشفى بان السيد يانغ احد العلماء البارزين (مع انه لم يكن بروفيسورا بشكل كامل بعد) والذي تخطط بلادنا لحمايته كثروة وطنية، لذلك يفترض بهم اعطاءه غرفة خاصة.
تقلب السيد يانغ قليلا وفتح فمه الذي اصبح متهدلا منذ الجلطة، يبدو وكأنه قد كبر سنوات قليلة عن الاشهر المنصرمة، اذ نمت شبكة من التجاعيد على وجهه، وكان شعره الرمادي اشعثا ولامعا قليلا، كاشفا عن فروة راسه المائلة للبياض. اغلق عينيه وتابع لعق شفته العليا وغمغم بشيء ما لم استطع سماعه تماما.
كنت جالسا قرب الباب على كرسي واسع من الخوص، وعلى وشك ان اخرج كتابا من حقيبة الكتف، عندما فتح السيد يانغ عينيه ونظر حوله بنظرة فارغة، لاحظت وانا أتتبع نظراته بان ورق الجدران الوردي فقد الكثير من لونه الاصلي، تحركت عيناه الغائمتان مع شبكة من العروق الحمراء، نحو سقف الغرفة المنخفض، وتوقفت للحظة عند المصباح المعقود بسلك متهرئ، ثم وقعت على كومة بطاقات المفردات اليابانية التي في حضني.
– “ساعدني على الجلوس، يا جيان.”
قال لي بهدوء.
تجاوزته، حاملا كتفيه، وواضعا خلفه وسادتين محشوتين بالقطن، لكي يستطيع الجلوس مرتاحا.
– “هل تشعر بتحسن اليوم؟”
سألته.
– “لا”
مبقيا راسه الى الاسفل، تنتصب على قمة راسه خصلة من الشعر، بينما ترتعش عضلة في جبهته اليمنى.
جلسنا صامتين لدقيقة او نحو ذلك، لم اكن متأكدا اذا كان علي ان اتكلم اكثر، فقد اخبرنا الدكتور وو بان نحافظ على المريض هادئا قدر الامكان، فربما المزيد من الحديث تجعله مثارا. فعلى الرغم من تشخيص جلطته كتجلط دماغي، الا انها تبدو غير عادية، اذ لم يصاحبها احتباس بالكلام، فما زال ينطق وفي بعض الاحيان بفصاحة غريبة.
حينما تساءلت عن ما العمل، رفع رأسه كاسرا للصمت.
– “ماذا تفعل هذه الايام؟”
سألني.
تشير نبرة كلامه الى انه ربما اعتقد اننا كنا في مكتبه نناقش عملي.
أجبته:
– “كنت اراجع كتاب اللغة اليابانية استعداد للامتحان و…..”
-” تبا لهذا!”
قاطعني. كنت مصدوما جدا لقول اي شيء اخر. استمر بالكلام.
– “هل سنحت لك الفرصة لقراءة الكتاب المقدس؟”
نظر إلي مترقبا.
– “نعم ولكن ليس النسخة الكاملة.”
فعلى الرغم من دهشتي من سؤاله، قد شرحت له بطريقة من يود ان يقدم تقريرا عن كتاب قد خاض فيه للتو.
– “قرات السنة الماضية نسخة انكليزية مختصرة تسمى “قصص من الكتاب المقدس” نشرتها مطبعة تعليم اللغات الأجنبية، على الرغم من انني اتمنى لو تمكنت من الحصول على نسخة حقيقية من الكتاب المقدس.”
بالحقيقة كتب عدد من الطلاب في البرنامج الانكليزي الى الجمعيات المسيحية في الولايات المتحدة طالبين منهم الكتاب المقدس، فأرسلت لهم بعض الكنائس الاميركية صناديقا من الكتب، لكن- ولحد ما- صادرت الجمارك الصينية كل النسخ.
-” اذن انت تعرف قصة سفر التكوين، اليس كذلك؟”
قال السيد يانغ.
– “نعم لكن ليس كل الكتاب.”
– “حسنا في هذه الحالة، دعني احكي لك القصة كاملة.”
بعد وقفة قصيرة، ابتدأ بابتداعه الشخصي لسفر التكوين، بنفس بلاغته التي يظهرها عند تقديم محاضراته، لكن خلافا للصف عندما تفتن ابتسامته واشاراته طلبته، يجلس هنا وهو غير قادر على رفع يده، يتدلى رأسه الكسول منخفضا جدا، فلا بد ان عيناه لا ترى شيئا سوى اللحاف الابيض الذي يغطي ساقيه. كان هناك صوت فقاقيع في انفه، ويصدر صوته حشرجة قليلة وارتجاف.
– “عندما خلق الرب الجنة والارض، جعل جميع الخلائق متساوية، لم يتعمد فصل الانسان عن الحيوان، تمتعت كل الخلائق ليس فقط بنوع واحد من الحياة بل بنفس امتداد الحياة ايضا. فهم متساوون بكل النواحي”.
-(اي نوع من سفر التكوين هذا؟) تساءلت مع نفسي.
– (مشوش تماما، وهو يختلق القصص الان).
تكلم مرة اخرى:
– “ثم لماذا يعيش الانسان اطول من اغلب الحيوانات؟ ولماذا لديه حياة تختلف عن هذه المخلوقات الاخرى؟ لان الانسان طبقا لسفر التكوين جشع وذكي فاستولى على سنوات عديدة من حياة القرد والحمار”.
اطلق زفيرا، فانتفخ خديه وضاقت عيناه. انتشرت التجاعيد من نهاية عينه الى صدغه كذيل سمكة (3). واستمر بالكلام.
– “في احد الايام هبط الرب من الجنة لتفقد العالم الذي خلقه، فجاء القرد والحمار والانسان لتحيته ولإظهار تقديرهم وطاعتهم. فسالهم ان كانوا مرتاحين بحياتهم على الأرض، ردوا كلهم بانهم كانوا كذلك.”
– “هل يريد احدكم شيئا ما اخر؟” سأل الرب.
– ترددوا للحظة، ثم تقدم القرد وقال “مولاي، الارض افضل مكان لي للعيش، انت باركت الكثير من اشجار الفاكهة التي لا احتاج اكثر منها، لكن لماذا تركتني اعيش الى عمر الاربعين؟ فعندما اصل الى الثلاثين، سأصبح عجوزا ولن استطيع تسلق الاشجار لقطف الفاكهة، لذلك سأقبل اي شيء يعطيني اياه القردة الصغار، وفي بعض الاحيان سأضطر لأكل البذور والقشور التي يرمونها على الارض، ان من المؤلم لي التفكير اني سأضطر الى ان اتغذى على فضلاتهم،. مولاي، انا لا اريد مثل هذا العمر الطويل، خذ عشرة سنوات من حياتي. فسأفضل حياة اقصر لكن انشط”. خطى القرد الى الخلف مرتعشا من الخوف، فهو يعلم انها خطيئة ان يكون غير راض مع ما اعطاه الرب له.
– “امنيتك منحت لك”. اعلن الرب ذلك بدون اي اثر للغضب، ثم التفت الى الحمار الذي فتح فمه عدة مرات بصمت، وسأله ان كان لديه شيئا اخر ليقوله.
تقدم الحمار باستحياء وقال “مولاي، انا لدي نفس المشكلة، لقد اثريت الارض جلالتك، حيث قد نمى الكثير من العشب، الذي استطيع اختيار اكثرها طراوة لأكلها، وعلى الرغم من معاملة الانسان غير العادلة لي، واجباري على العمل لديه، فانا لن اتذمر لأنك اعطيته عقلا كبيرا واعطيتني عضلات كثيرة، لكن حياة أمداها اربعين سنة طويلة جدا لي، فعندما اكبر ولا تعد اقدامي قوية ورشيقة، وسأبقى مضطرا لحمل حمولات ثقيلة للإنسان، سأعاني من الجلد، وعندها سأكون بغاية التعاسة، رجاء خذ عشرة سنوات من حياتي ايضا، فانا اريد حياة اقصر بدون شيخوخة.”
– “أمنيتك منحت لك”.
كان الرب سخيا معهم ذلك اليوم، وعنى ان يرضي كل طلباتهم. ثم التفت الى الانسان الذي يبدو ان لديه شيئا ليقوله.
– “هل لديك شكوى؟ أخبرني يا أدم، ما الذي في بالك؟”
كان الانسان خائفا لأنه اساء معاملة الحيوانات، فيمكن ان يعاقب على ذلك. بيد انه تقدم وبدأ الكلام.
-“مولانا العزيز، انا استمتع دائما بكل الاشياء التي خلقتها، فقد وهبتني عقلا يتيح لي ان اكون اكثر ذكاء من الحيوانات التي هي مستعدة لطاعتي وخدمتي، فعلى خلاف القرد والحمار، حياة الاربعين سنة فترة قصيرة جدا لي، احب العيش أكثر، فانا اريد ان اقضي وقتا اكبر مع زوجتي، حواء، واطفالي. حتى لو كبرت بأطراف متصلبة، فاني ابقى قادر على استخدام عقلي لإدارة شؤوني، استطيع اصدار الاوامر، والتدريس، وتقديم المحاضرات، وكتابة الكتب. اعطني رجاء اعوامهم العشرين”.
أحنى الانسان رأسه، لأنه تذكر انها خطيئة ان يعتقد بتفوقه على الحيوانات. دهش ان الرب لم يوبخه، وبدلا من ذلك رد عليه.
-” امنيتك منحت لك ايضا، وبما انك استمتعت بخلقي كثيرا، سأعطيك عشرة سنوات اضافية، والان انت ستحصل بالكامل على سبعين سنة لحياتك، اقضي شيخوختك الناضجة بسعادة مع احفادك واحفاد احفادك، واستخدم عقلك بحكمة”.
توقف السيد يانغ، شاحبا ومنهكا، يتلألأ العرق على انفه، وينبض وريد في رقبته، فقال وهو مكتئب جدا.
-“كان الحمار والقرد والانسان راضين في ذلك اليوم، ومنذ ذلك الحين، يستطيع الكائن البشري العيش لسبعين سنة بينما الحمير والقرود تستطيع العيش لثلاثين سنة فقط”.
صمت السيد يانغ، لكنه بقي يصدر صفيرا، كنت حائرا بنسخته من سفر التكوين التي دلقها بعفوية كما لو انه تعلمها عن ظهر قلب، وبينما كنت افكر بمعناها قاطع افكاري قائلا.
– “انت محتار من قصتي، اليس كذلك؟”
وبدون انتظار لإجابتي استمر بالكلام.
– “دعني اخبرك بأثارها الاخلاقية”.
– “حسنا”. تمتمت
– “ايها الرفاق،” (استأنف وهو يحاضر) “تتشابك حياة الانسان بحياة القرد والحمار، فلا يمكن ان تكون حياته مستبعدة، ففي اول عشرين سنة يعيش الانسان حياة القرد، يثب في الارجاء ويتسلق الاشجار والجدران، يقوم بالأشياء كما يحلو له، تمر هذه الفترة الاسعد له بسرعة، ثم تأتي السنوات العشرين التالية، التي يعيش فيها الانسان حياة الحمار، يضطر فيها للعمل الشاق كل يوم بغية حمل الطعام والملابس لعائلته، غالبا يكون مجهدا كحمار قطع رحلة طويلة وشاقة، لكنه يبقى على قدميه، لأنه يحمل عبء عائلته على كاهله، مضطرا للاستمرار، وبعد هذه الفترة يصل الى الاربعين، لتبدأ حياة الانسان، بهذا الوقت يكون جسده قد انهك، واطرافه واهنة وثقيلة، مضطر للاعتماد على عقله الذي بدأ بالتدهور ايضا، ولم يعد سريعا ومؤهلا كما اعتقد، يود في بعض الاحيان لو يصرخ بعبثية، لكن عقله يوقفه “توقف عن ذلك، يجب ان تسيطر على نفسك، لازال لديك الكثير من السنين لتعيشها”. كل يوم يضغط مزيدا من الافكار والمشاعر داخل عقله، الذي خزنت فيه مسبقا الكثير من الاشياء، لكن لا شيء مسموح له ان يخرج حتى يترك مجالا للأشياء الجديدة، ومع ذلك يوما بعد يوم يحشو اشياء أكثر، حتى يصبح دماغه يوما ما مملوءا جدا، وليس بوسعه الا ان ينفجر، مثل قدر الضغط المملوء تماما، وصمام امانه مغلق، والنار مستمرة بتسخين قاعه، وبالتالي فالمخرج الوحيد له هو ان ينفجر”.
كنت مندهشا من تفسيره الجامح، كما لو انه يتكلم عن حياته الخاصة، وكيف فقد عقله. مال برأسه الى الخلف، واراح عنقه بصورة كاملة على الوسادة، كان منهكا، لكنه يبدو مرتاحا. فهبط الصمت على الغرفة.
فكرت مرة ثانية بقصته التي اوقعني مصدرها بحيرة، فمن المحتمل انه اختلقها بنفسه، دامجا بعض القصص الشعبية بخيالاته الخاصة. لماذا كان متلهفا جدا ليحكيها لي؟ لم يظهر ابدا اهتماما بالكتاب المقدس من قبل، لذلك لابد انها شغلت عقله لزمن طويل بالخفاء.
سقط رأسه جانبا وبدأ بالشخير بهدوء، تجاوزته مزيلا الوسادة من خلفه، فانزلق بتأن الى داخل السرير، تأوه بشكل مبهم، وسرعان ما غرق بالنوم، فرفعت بطاقات المفردات اليابانية، وبدأت باستعراضها، فعلى الرغم من اني لا استمتع باللغة اليابانية التي تبدو لي مثل صوت البط، فانا مضطر لأملأ راسي بهذه الكلمات والقواعد النحوية للترشح لشهادة الدكتوراه، التي تتطلب اختبارا بلغة اجنبية ثانية، كانت لغتي اليابانية ضعيفة لأني درستها لسنة واحدة فقط. كانت لغتي الاجنبية الاولى هي الانكليزية التي كنت بارعا بها بدرجة كبيرة.
دخلت الممرضة العجوز المنحنية لتتفقد السيد يانغ، كانت امرأة خجولة بوجه بدري(4)، تشبه يداها العظميتان رجلي دجاجة ضخمة، قدمت نفسها كهونغ جيانغ، برؤيتها لأستاذي نائما لم تفحص نبضه او تأخذ حرارته او ضغط دمه. سألتها ان كان يمكنه ان يتعافى قريبا، فقالت ان ذلك يعتمد على ان كان بإمكان الجلطة الدموية التي في دماغه ان تختفي، فاذا لم تختفي، فليس هناك علاج ممكن ان يشفيه حقا.
-“لكن لا تقلق.”
طمأنتني، منحنية الى اسفل لالتقاط المبولة التي تحت اعمدة السرير.
-” الكثير من الناس تعافوا من الجلطة، وبعضهم عاش اكثر من عشرين سنة بعدها، يجب على استاذك ان يكون قادرا على التحسن.”
-” آمل ذلك” تنهدت.
– “في هذا الوقت، ان الاكثر اهمية من كل هذا هو ان يبقى هادئا، وان لا يزعجه احد، اذا اثير كثيرا، فربما يمزق وريدا دمويا في دماغه، فذلك سيسبب نزيفا.”
حملت المبولة البيضاء بيد واحدة، وباليد الاخرى حملت الاطباق الوسخة والاواني والمعالق المكدسة على الخزانة التي بجانب السرير، ثم وضعت زوجا من اصابع الطعام المطلية فوقها، نهضت لمساعدتها.
-” لا تزعج نفسك، يمكنني معالجة الامر.”
قالت ذلك وبدون قصد مالت بالمبولة نحوي، وقفت جانبا وبالكاد تفاديت قطرة من السائل المائل للصفرة الذي سقط الى ارض الغرفة الخشبية.
-” آآه! عفوا.”
ابتسمت وحملت كومة الاواني والصحون بعناية، وبانحناءة دارت نحو الباب بحذر، كانت نحيلة جدا، تذكرني بدجاجة جائعة، فتحت لها الباب.
– ” شكرا لك. انت شاب لطيف.”
مشت بتثاقل عبر الردهة، اخذت ممسحة من خلف الباب، ومسحت القطرة من على الارض.
تفسيرها لجلطة السيد يانغ واساني لدرجة ما، اذ اعتدت التفكير بان الجلطة الدماغية كانت بسبب تمزق الاوردة الدموية، شكرا للسماء، فحالته كانت انسدادا فقط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش المترجم:
1- “اخرجوا جميعا وارفعوا الهدف عاليا. الغرب قلق، فالشرق يثب للامام ” وهي احدى شعارات الشيوعية الصينية في زمن الزعيم ماو تسي تونغ 1958 ” Go all out and aim high. The east leaps forward, the West is worried ”
2- شجيرات الايلكس او البهشية (Holly Bushes) وهي ذات ورق صقيل شائك الاطراف بزهر صغير ضارب الى البياض.
3- يطلق الصينيون على التجاعيد التي تظهر بجانب العين ذيل السمكة (fishtail)-حيث ان العين هي السمكة والتجاعيد ذيلها، بينما يستخدم الغربيون تعبير اقدام الغراب (crow`s feet).
4- الوجه البدري او القمري (The moon Face) وهي حالة مرضية تصيب الوجه اذ يكبر الذقن والجبهة مما يجعل الوجه مستديرا يشبه القمر.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"