تابعنا على فيسبوك وتويتر

الجنس واسقاطاته الاجتماعية والثقافية في الرواية العراقية
قراءة في كتاب (الجنس في الرواية العراقية) للناقد داود سلمان الشويلي
أمجد نجم الزيدي

اعتبرت ثيمة (الجنس) احدى التابوات الثلاثة، التي كان يحرم على الروائي العربي التطرق اليها، والا وقع تحت سطوة الرقيب السياسي والاجتماعي والديني، رغم ان تراثنا العربي والاسلامي قد تناول هذه الثيمة بصورة صريحة ومن دون مداراة، لذلك فقد ارتبطت هذه الثيمة في التفكير العربي بمفهومـ (الازمة) حيث صدرت عدة كتب ودراسات تناولتها ضمن هذا المفهوم ومنها كتاب (أزمة الجنس في القصة العربية) لغالي شكري، وكتاب اخر قد صدر مؤخرا للناقد المغربي الكبير الداديسي بعنوان (أزمة الجنس في الرواية العربية بنون النسوة)، رغم ان الداديسي لم يوضح في كتابه المذكور سبب استخدامه لتعبير الازمة، وان كان في مقدمة الكتاب ناقش تحت عنوان (ازمة الجنس) في معرض تفسيره لعنوان كتابه، حالة الالتباس والتداخل عند بعض الروائيات بين مفهومي الجنس والحب، وقد وضع جدولا وضح فيه الفروقات التي وجدها بين المفهومين، اذ انه يرى ان الروائيات العربيات يخلطن بين هذين المفهومين، اذ يقول بان (حتى اللواتي استعملن مفهوم الحب كان الجنس عندهن هو المقصود) (ازمة الجنس في الرواية العربية بنون النسوة: ص9) ولكن هذا لم يمنع الروائيين العرب والعراقيين بصورة خاصة من توظيف هذه الثيمة وان كانت بصورة ضمنية وغير مكشوفة الا في بعض الاستثناءات، وهنا اتحدث عن بواكير الكتابة الرواية العراقية، حيث اختلف ذلك التوظيف بعد ذلك لتطور الوعي الثقافي لدى الروائي والمجتمع، وان وقع الكثير من الروائيين والنقاد في مطب عدم التمييز بين ثيمة الجنس ومغزاها، ودلالاتها السيميائية، وبين بعض المفاهيم الاخرى التي تتماس معها كثيمة المرأة والحب والجسد والايروتيكية والاباحية وغيرها، وكل هذه المفاهيم تتلاقى حينا وتتنافر حينا اخر، وان كرست بعض تلك المفاهيم في ازمان معينة في بعض الطروحات واعتبرت بانها متعالقة ومتشابكة، وانها اوجه مختلفة لمفهوم واحد، منطلقين من رؤية ذكورية بطرياركية، والاختلاف بين هذه المفاهيم ربما من خلال زاوية النظر، بين تفعيل دلالات العملية الجنسية ومن ورائها الجسد، المركز الي تدور حوله كل تلك المفاهيم، او أسلبته -ان جاز لي نحت هذه التعبير- أي اطفاء كل مراكز القوة العلامية لهذا الفعل ودلالاته، وتفريغه من محتواه الدلالي كما في الاباحية مثلا.
ففي كتاب (الجنس في الرواية العراقية) للناقد داود سلمان الشويلي، يطرح هذه الثيمة على طاولة المعالجة النقدية في بعض النماذج الروائية العراقية، وقبل ان ابدأ في قراءة طروحات الكتاب يجب ان انوه، باني سأكتفي بالإشارة الى القضايا الفنية والمنهجية والمعالجات التحليلية التي طبقها الناقد، ولن اقف على بعض الاشكاليات الفكرية والنظرية التي ربما لا اتفق معها، حيث قسم كتابه الى ستة فصول محاولا الاجابة عن بعض الاسئلة التي جعلها عتبة في مقدمة الكتاب، وستكون تلك الاجوبة هي مادة الكتاب ومقارباته، وهي: (كيف تعامل المبدع العراقي مع هذا الموضوع ؟ وما هي تصوراته الخاصة عنه ؟ وهل يمتلك هذا المبدع نظرية ما ؟ أو – على أقل تقدير – وجهة نظر معينة ينطلق منها عند تناوله لهذا الموضوع ، أم أن ما يطرحه كان عبارة عن تصورات ذاتية يستخلصها بنفسه من واقع الحياة اليومية التي تعيشها شخوصه ، وهل ترتقي تلك التصورات لأن تكّون نظرية ، أو وجهة نظر رصينة ، أم لا ؟) ص7، ونلاحظ هنا ان الناقد قد ركز اسئلته وربما اجوبته لاحقا على المؤلف/ الروائي، حيث يلقي العبء على كاهل ذلك المؤلف في كيفية تعامله وتوظيفه لثيمة الجنس، مع تحفظي ربما على استخدام مفردة (النظرية) في سياق هذه الاسئلة، لان الروائي او القاص غير مؤهل لبناء متن نظري داخل نصه السردي، لانه متن تخيلي افتراضي، لا يمكن باي حال من الاحوال ان يستوعب متنا تنظيريا رصينا، وان خدمت الرواية في ازمان معينة بعض الطروحات الفلسفية والعلمية وكانت نماذجا تطبيقية لها، كما فعل الوجوديون مثلا كسارتر وكامو وغيرهم، لذلك اعتقد ان استخدام مصطلح (رؤية)، او (وجهة نظر) هو التعبير الملائم والذي يتوافق مع طروحات ذلك الروائي.
تكشف لنا هذه الاسئلة المديات الافتراضية التي سيتحرك ضمنها الناقد الشويلي، والتي تنحصر بالروائي العراقي، والافق الذي تعامل به مع ثيمة الجنس، والتصورات التي يحملها عن هذه الثيمة، ومدى رصانة ما يطرحه عنها، او مدى رصانة توظيفه لها، حيث يقول الناقد وفي الفصل الاول من الكتاب والمعنون “قضية الجنس عند عبد الرحمن مجيد الربيعي” ( ان قضية ” الجنس ” من القضايا التي كانت وما زالت محوراً مهما من المحاور التي حفلت بها الرواية – والقصة القصيرة كذلك – في أدبنا العراقي منذ نشأته حتى كتابة آخر نتاج ابداعي من هذا النوع الادبي) ص12، وربما اختلف هنا مع الكاتب اذ ان رغم اهمية هذه الثيمة/القضية في الكتابة الروائية العراقية، الا انها لم تأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام كما في بعض التجارب العربية، كما في رواية (موسم الهجرة الى الشمال) للطيب صالح، او (برهان العسل) للسورية سلوى التعيمي، او روايات علوية صبح، او رواية (ايثاكا) لرؤوف مسعد، او رواية (انتصاب اسود) للروائي التونسي أيمن الدبوسي وغيرهم، قد نجد ربما بعض تلك الملامح في روايات الروائية العراقية عالية ممدوح ولكن الرواية العراقية بصورة عامة متحفظة في استخدام هذه الثيمة، ولم ترتبط بنسقية مغايرة وانما تنحصر المعالجة في حدود نمطية، على العكس ربما من شعوب اخرى عرف عنها التحفظ والتشدد في مثل هذه القضية كالسعودية مثلا، حيث ظهرت بعض الروايات الجريئة والتي تعالج ثيمة الجنس بصورة مكشوفة، كما في رواية (سلالم النهار) للسعودية فوزية شويش السالم.
يصف الناقد الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي بأنه (واحد من الكتّاب الذين زخرت نتاجاته الروائية بهذه القضية، إلّا أنه لم يجعل منها محوراً رئيسياً تدور حوله أحداث الرواية) ص13، وهذا الاستخدام المقتصد من بل الربيعي يرجعه الشويلي الى ان الروائي يحاول (تحسين صورة ما يكتب أمام القراء) ص13، وهذا الكلام ربما ينطبق على مجمل الروايات العراقية، الا في بعض الاستثناءات القليلة، حيث مثلت هذه الثيمة تابوا لم يستطع الروائي العراقي من اختراقه لحد الان بصورة جدية حتى بعد زوال سلطة الرقيب ما بعد 2003، الا في معالجات طفيفة وسريعة لا يمكن ان تخلق رؤية كاشفة لهذه الثيمة، الا ربما في التجربة التي د اشرنا اليها سابقا للروائية عالية ممدوح وخاصة في رواية التشهي مثلا، التي خرجت عن النمطية وكسرت التابو، عكس الروايات العراقية الاخرى التي بيت تراوح عند التخوم.
في ها الفصل ربط الناقد بين خيبة بطل الربيعي السياسية في رواية (الوشم) وخيبته الجنسية (كان الأجدر بـ “الناصري” أن يسأل صاحبه عن مدى قدرة ما تبليه المرأة- أي امرأة- من تجاوب حسي- جنسي معه للتعويض عن خيبته السياسية. وفرق كبير بين البحث عن المرأة، وبين البحث في المرأة عن شيء ما) ص14، حيث كانت هذه المقابلة تظهر نمطا دلاليا شائعا في الكثير من الروايات، والتي اشار اليها الكثير من النقاد والدارسين في مختلف البلاد العربية، وخاصة في الروايات التي تنتمي الى زمن تصاعد المد الايدلوجي والصراعات السياسية، حيث يربط البطل المهزوم بين انتصاراته وانكساراته السياسية والانتصارات التي يحققها على السرير، والتي تكون دائما تعويضا نفسيا عن خيبة وانكسار كما مثلها مصطفى سعيد بطل رواية (موسم الهجرة الى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح، وهذا ينطبق ربما على ما اشار اليه الشويلي عند تحليله لرواية (الانهار) وهي الرواية الثالثة للربيعي، حيث يقول ( لم يكن المحيط الكبير، بكل إفرازاته الطبقية المنحطة، وبكل انكساراته وخيباته السياسية، وكذلك المحيط الصغير ” العائلة ” بما فيه من عادات، وتقاليد، وقيم وأخلاق عشائرية ، هو تلك الأرضية التي أنبتت شخوص ” الأنهار ” فحسب ، بل كان هناك ما هو أكبر من كل ذلك، كانت هناك الغربة، والوحدة، واللاانتماء التي يستشعرها أبطال ” الأنهار “) ص31، وهذا ربما يشبه حالة الخيبة التي كان يستشعرها بطل رواية (الوشم) كما اسلفنا، وسيكون الجنس هنا ايضا مصدرا للتعويض، حيث يصف الناقد شخصيات الرواية بانهم (وزعوا جل اهتمامهم الحياتي بين الدراسة والمرأة ومحاربة السلطة ووجدوا أن ما يعوضهم عن ذلك القهر الاجتماعي ، والخيبة السياسية ، هي العلاقة مع النصف الآخر ، بصورتيها الحسية والمثالية) ص32.
أما في الفصل الثاني الذي اسماه (“صعود النسغ” وضعف المرأة امام الرجل “العلاقة الجنسية في المجتمع الاقطاعي”) والتي اخذ فيها الناقد رواية “صعود النسغ” للروائي هشام توفيق الركابي أنموذجا تطبيقيا، والتي يدرس فيها هذه الثيمة من خلال منظور اجتماعي، وبنية ثقافية لها خصوصيتها واعرافها، حيث يقول الاستاذ الشويلي (ان المعادلة التي يقدمها الركابي في هذه الرواية، من خلال منهجه الفكري، هي أن المجتمع ، و ليس الفرد، هو ثمرة الوضع السياسي و الاقطاعي السيء للقلة الفاسدة) ص67، وان الروائي كما يشير الناقد لم يكن مهتما بالعملية الجنسية بحد ذاتها كأداء ألي (ان الكاتب لم يكن معنياً عناية تامة بتقديم ” اللحظة الميكانيكية ” للعملية الجنسية، لأنه لم يكن معنياً – أصلاً – بالجانب التشويقي في عمله الابداعي) ص68، وانما كان تركيزه منصبا على الاشارات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي تبنيها هذه العملية من خلال طرفين احدهما مهيمن والاخر مستلب، اذ يقول (فقد جاءت قضية الجنس عنده (ويقصد هشام توفيق الركابي) كعلاقة اجتماعية، حالها حال العلاقات الاخرى)ص68، اي ان الروائي يوظف هذه الثيمة ليس بصفتها المباشرة، بل باعتبارها فعلا رمزيا يحيل الى دلالات اجتماعية وسياسية معينة، ان هذا الحضور لهذه الثيمة لم يكن لذاتها، وانما بكونها احالة رمزية الى فعل اخر وثيمة اخرى كاستعارة لذلك يلاحظ الناقد بان (مثل هذه “المتعة” التي نجدها عند “الاغا” او عند بقية الرجال، لا نجدها عند الطرف الاخر من العلاقة “المرأة”) ص70، وان كان الاستاذ الشويلي هنا يلصق هذه الصفة بالمرأة الريفية فقط، الا ان ذلك لا ينفي البنية الاستعارية التي بناها ذلك الفعل الرمزي.
أما الفصل الثالث فجاء بعنوان (الجنس في روايات حازم مراد “أزمة الجنس في التفكير وأزمة في التعبير”)، وينحو هذا الفصل كما سابقه نحو التحليل السوسيولوجي لثيمة الجنس وانعكاسها على شخصيات الروايات المدروسة، فيقول الناقد مشيرا الى رواية (التائهة التافهة) الى ان الروائي (يؤكد على دور المجتمع الذي ظلمها وسحقها بأنيابه. فيقرر بانها قد ذهبت ضحية لذلك المجتمع) ص97، وهنا يناقش الناقد المقدمة التي وضعها الروائي للرواية، حيث يظهر تأكيده على تأثير المجتمع على صياغة احداث الرواية وبناء الشخصيات، رغم أنه يستدرك تاليا بأن (الفتاة هذه تجد نفسها مع حريتها وجها لوجه، فتترك لجسدها -فقط- حرية التمتع دون قيود وهذا ما يتعارض مع ما يدلي به الكاتب في مقدماته من ان المجتمع له الدور الكبير في صياغة مأساة بطلاته) ص109، بالإضافة الى ذلك المح الاستاذ الشويلي الى ان انحدار البطلة الاخلاقي لم يكن فقط بتأثير المجتمع وضغوطه؛ وانما ساهم التفاوت الطبقي ايضا و وعي الشخصية (الحاد بحياتها “الفقيرة والمعذبة” حيث كان اغلب كتابنا يؤكدون على الجانب الاقتصادي في تلك الفترة التاريخية من حياة العراق الحديث) ص104، وهنا اشارة ضمنية الى التأثيرات الايدلوجية للفكر الماركسي على الروائي في تلك الفترة التي كانت فيه هذه الافكار هي الرائجة بين الكتاب والمثقفين، ولكن ما يمكن ملاحظته على طرح الناقد بأنه قد شخص الدوافع التي ادت الى وقوع الشخصية في شرك الخطيئة/ الجنس، ولكنه لم يركز على فاعلية هذه الثيمة ومدى تأثيرها على وعي الشخصيات، وكيف وظفها الروائي، كما قد اشار سابقا الى كيفية توظيف هشام توفيق الركابي للفعل الرمزي لهذه الثيمة، وبناء دلالاتها من خلال التعامل معها بوصفها بنية استعارية، يمكننا ان نحيلها الى تصورات سياسية واجتماعية.
ينشغل الناقد في دراسة وابراز التداعيات الاجتماعية لثيمة الجنس، وربما علاقة الرجل بالمرأة بصورة عامة، من خلال مسار القيم الاجتماعية التي تحكم ثقافة المجتمع العراقي، ربما ان كان مدينياً او ريفيا، وقد يبدو للوهلة الاولى ان الناقد ينظر لكل العلاقات التي تربطهم بانها تمظهرات لثيمة الجنس، ولكنه يظهر لنا في بعض مفاصل الكتاب انه يفصل بين هذه العلاقات، وينظر الى أثرها الاجتماعي، حيث يجد الاستاذ الشويلي إن هناك تعارضا بين الحب والجنس، وبذلك فهو يتفق هنا مع الرؤية التي طرحها الناقد المغربي (الكبير الداديسي) في كتابه الذي اشرنا اليه سابقا، حيث يرى ان الحب هو شعور وعاطفة سامية، بينما الجنس فهو علاقة مادية حسية، اذ يصف بطل رواية (لن نفترق) بأنه (لا يريد من المرأة ما فيها من “روح، وقلب، وعواطف، وحب”، اي ما هو بعيد عما هو مادي/ حسي، لان تلك الأقانيم لا تدفئه من برد العواطف، ولا تبرده من حر الكلمات التي يتجاذب اطرافها مع المرأة) ص116، حيث نرى هنا ان الناقد قد فصل بين الطرفين، عندما صور الشخصية ومطالبها التي تفرق بين الروح والجسد، بين العاطفة والرغبة.. الى أخره.
كما اشار الناقد ان الكاتب كان (موفقا في الوصول بأبطاله، وبنا، الى حالة الاتصال الجنسي دون ان يقدم صورة فوتغرافية، تسجيلية، لهذه العملية، بميكانيكية، ابتعادا عن الابتذال. لان ما كان يعنيه الكاتب، ليس ميكانيكية العملية نفسها بقدر ما هو الاحساس الدقيق الذي تشعره بطلته) ص107، وهنا يظهر الاختلاف في المعالجة بين النماذج المختارة من الروايات والروائيين، حيث ان الناقد قد اشار الى ان هشام توفيق الركابي لم يعنى بتصوير العملية الجنسية الميكانيكية، وذلك لان اهتمامه كان منصبا على التداعيات الاجتماعية لهذه العملية، وما تمثله هذه الثيمة، بينما ان حازم مراد كان مهتما بإظهار مشاعر بطلته، وهنا -كما اعتقد- ان الناقد داو سلمان الشويلي لم يكن صارما بمنهجه النقدي، وانما كان مرنا في دراسة النصوص الروائية وفق حيثياتها، اي انه جعل النص هو منطلقه الوحيد، ولم يأتي برؤية قبلية، او أليات صارمة في عملية الحصر والتحليل.
أما الفصل الرابع فقد اطلق عليه الناقد بـ (ناطق خلوصي والجنس في رواية ما بعد 2003) والذي جعل روايات خلوصي التي صدرت بعد عام 2003 أنموذجا تطبيقيا له كما هو واضح من عنوان الفصل، ولكن هذا الفصل يدخلنا في اشكالية معقدة وهي هل يمكننا ان نعد الروائي ناطق خلوصي ممثلا حقيقيا عن روايات ما بعد 2003؟ حيث ان هذا التوصيف والذي يوحي بالتحقيب الزمني، تسرب الى الدراسات النقدية الحديثة، وقد اصبح توصيفا قارا الى حد ما، اذ تكرس في طروحات النقاد والباحثين، وارتبط ايضا بأسماء معينة في المشهد الروائي العراقي، والتي قدمت نماذجا روائية حديثة، رغم ان محاولة حصر وتوحيد هذه التجارب التي ظهرت بعد 2003 عملية صعبة، ولازالت تعاني من بعض الاشكاليات، ولكن وبصورة عامة، فهناك سمات مشتركة تظهر على أغلب الروايات التي كتبت ضمن هذه الحقبة الزمنية، ولست في محل مناقشتها او اظهار تلك السمات الان، ولكن روايات خلوصي رغم انها كتبت ضمن اطار هذه الحقبة، الا انها لا تحمل تلك الرؤى التحديثية التي وسمت الروايات التي وضعت تحت هذا العنوان، والتي ربما سميت في بعض الدراسات بروايات ما بعد الحداثة، حيث ان التحقيب الزمني لا يمكن ان يعطي اي نتاج صفة تحديثية من دون ان تؤازره حداثة في البناء والرؤى، وهذا ربما ما يجعل الناقد يحافظ على منهجه السابق في التعامل مع روايات خلوصي، من دون التحديث ايضا بالمنهج مع ما يتلاءم ربما مع حداثة تلك الروايات المفترضة، حيث استخدم ايضا المنهج الاجتماعي في دراسة تلك الروايات، وربما يظهر ذلك من خلال المقابلة التي خلقها الناقد بين استخدام ناطق خلوصي لثيمة الجنس والفساد السياسي بعد 2003 حسب وصفه، حيث تتحكم بالناقد عند تحليله لهذه الثيمة وارتباطها بباقي عناصر الرواية، رؤية محكومة بمنظومة قيمية اجتماعية، لذلك لم نجد في هذه المعالجات اي اشارة الى الابعاد الاخرى لهذه الثيمة بما يتوافق مع الرؤية ما بعد الحداثيةن التي امتازت بها هذه الحقب على أقل تقدير، او حتى تحليل هذه الثيمة كعلامة او كاستعارة تفتح علاقات النص الى مديات اوسع من الدلالة الاخلاقية.
وخصص الشويلي للروائية لطفية الدليمي وروايتها “بذور النار” الفصل الخامس الذي يحمل عنوان (” بذور النار” بين احساسات الرجل والمرأة)، حيث يفرق لنا في هذا الفصل بين استخدام الجنس بصورة مبتذلة وعندما يكون (غاية بحد ذاته)، مقحم وزائد، وبين التوظيف الفني الدلالي لهذه الثيمة، والتي تأخذ لها عدة احالات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وكما قدمه من خلال نماذجه التطبيقية، اذ يقول ( من الجدير بالتنويه، ونحن نتحدث عن قضية الجنس في الرواية العراقية، ان نذكر، ان الجنس كعلاقة حيوية بين الرجل والمرأة، لم يكن غاية بحد ذاته على الرغم من ان البعض يجعل منه كذلك، وانما هو وسيلة، ان كانت هذه الوسيلة ذات طابع فسيولوجي للإنجاب، او ذات طابع نفسي- اجتماعي. او حتى اقتصادي. أي انه وسيلة للوصول الى هدف معين) ص153، ويفصل الناقد بين التصور الجنسي المادي- الحسي والعاطفة الروحية للحب، بغض النظر عن ان كانت الرواية قد اكدت هذا الفصل ام لا، لأننا الان معنيين بالرؤية التي اعتمدها الناقد في تحليل هذه العلاقات ومنطلقاتها، والتي ستحدد زاوية النظر والبنية الاجرائية العامة المتحكمة بطروحاته وتحليلاته، اذ ( تبرز قضية الجنس في الرواية (اي رواية “بذور النار” للطفية الدليمي)، عند احساس الشخصية بافتقادها الى النصف الاخر، فتتحول عند الرجل خاصة احساسات الملل والفراغ، اي “التوحد”، وتخيلات حسية تملأها صور لبعض الذكريات مع زوجته. وهذه التخيلات- الذكريات واحلام اليقظة- تمتلئ بكل ما هو مادي- حسي، بعيداً عن اشعاعات الروح للنصف الثاني) ص154، يشير الناقد الى ان الروائية لطفية الدليمي لم تشر الى العملية الميكانيكية للجنس، او كما يقول (ان الكاتبة لم تصورها لنا، بل انها لم تلمح اليها تلميحاً) ص155- 156.
اما الفصل السادس والاخير فقد عنون بـ (جنس المحارم في القصة ” علاقة الابن بأمه إنموذجاً” ) حيث قسم الى ثلاث محاور، وقد تتبع فيه الناقد نفس المنهج في الفصول السابقة، سوى ربما في تحليله ومقاربته لأسطورة (جودر) والذي اتخذ بها الناقد منهجا فنيا، حاول فيه الناقد ان يجترح مسارا تأويلياً لهذه الاسطورة، ويخلق منها اداة اجرائية يمكن تطبيقها في التحليل النقدي والذي قد اجراه على رواية السراب وقصتين قصيرتين، ويحتاج هذا المحور الى تفصيل لا يتسع اليه هذا المكان.
ان الدراسات التي تتناول تابوات الثقافة العربية الثلاث، ومحاولة فك اسقاطاتها الاجتماعية والثقافية والجمالية في الادب العربي، هي مطلب حيوي ومهم لمعالجة تلك الثقافة، وفتح نوافذها للتحديث ومواجهة الانغلاق والانكفاء المبني على قيم اجتماعية وثقافية قديمة، وهذه الدراسة في كتاب الناقد العراقي داود سلمان الشويلي (الجنس في الرواية العراقية) هي تأسيس ودعوة للدارسين العراقيين لمعالجة هذه الثيمة المهمة، والقضية الاشكالية في الرواية العراقية او في الادب العراقي برمته.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"