تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة:
“صيّاد اللآلىء” وهو عنوان أحد الكتب المهمة الكثيرة والمتنوعة (أكثر من 50 كتاباً) للمبدع الكبير العلامة الدكتور علي القاسمي ينطبق عليه في كتابه الجديد هذا “طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات” ، ففد اصطاد لنا القاسمي من بحر ذاكرته الزاخر وسيرته الحياتية العطرة المكتنزة بالتجارب هذه الذكريات التي تمتزج فيها متعة القراءة بعِبَر التجارب الحياتية البليغة. وقد تكرّمت روحه النبيلة بنشر هذا الكتاب متسلسلاً في موقع الناقد العراقي. فتحية كبيرة له من أسرة الموقع متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد وحفظه الله ذخراً لثقافة وطننا العراق العظيم.

(12إ)
محسن مهدي
يغرق في البحر المتوسط

في سنة 1986، جاء الدكتور محسن مهدي إلى الرباط لشهرين أو ثلاثة لإجراء مدارسات مع أساتذة الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. وكانت تصحبه زوجته الثالثة سارة روش مهدي، الأستاذة في جامعة هارفرد. وله ابنتان، فاطمة ونادية، من زوجتيه السابقتين سينثيا ريسنر مهدي Risner، ولويز كاروس مهدي Louis Carus.

خلال مكوث الدكتور محسن مهدي في الرباط، كنا كثيراً ما نلتقي في شقَّتي المطلَّة على حديقة البحث الزراعي في زنقة ابن حجر في ضاحية أكدال. وذات مرّة، اقترحتُ عليه أن آخذه إلى شقَّة صديقي الفنان الدكتور خالد الجادر (1922ـ 1988).
وقلت لمحسن مهدي: إذا حالفك الحظُّ، فقد يبيعك الدكتور خالد إحدى لوحاته، لأنه لا يبيع لوحاته لكلِّ مَن يُعجب بها ويروم اقتناءها، بل يبيعها لمَن هو يعجب به ويعلم أن لوحته ستكرَّم لديه. قالت زوجة محسن مهدي الأمريكية: ” ربَّما نستطيع أن نشتري لوحةً صغيرةً واحدة فقط، لأنَّ ميزانيتنا محدودة.”
وكان الدكتور خالد الجادر عميداً لأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد وأميناً عاماً لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب، وعندما عقد الاتحاد مؤتمره العامّ سنة 1979 في الرباط، آثرَ الدكتور خالد أن لا يعود إلى بغداد وبقي بالرباط في منفىً اختياري.

فرح الدكتور خالد والدكتور محسن بلقائهما مثل أخويْن بعد فراقٍ طويل. وبالنسبة إليّ، كان اللقاء بين أكبر فنان عراقي في المنفى، وأكبر باحث عراقي في المنفى كذلك.

كانت لوحات خالد ذات المستوى الفني الرفيع، تغطي جدران الشقة ومساحات من أرضيّتها. وعندما رأت زوجة الدكتور محسن تلك اللوحات الرائعة دُهِشت. وسمعتها تهمس لزوجها بالإنجليزية قائلة:
ـ حاولْ، يا محسن، أن تقنعه ليبيعك لوحتيْن أو أكثر. هذه فرصة نادرة.”

وفعلاَ فقد كانت فرصة نادرة وحظي محسن بواحدة فقط من اللوحات.

وبعد انتهاء مهمة الدكتور محسن مهدي القصيرة في الرباط غادر وزوجته الأمريكية إلى طنجة لتمضية عطلةٍ قصيرة يعودان بعدها إلى أمريكا. ونزلا في فندق (فيلا فرنسا) القريب من قلب مدينة طنجة القديمة. وتطلُّ بعض غرف هذا الفندق على ميناء طنجة والبحر الأبيض المتوسط. وكان قد نزل فيه بعض الرسّامين الفرنسيِّين الذين زاروا المغرب في أواخر القرن الميلادي التاسع عشر وأوائل القرن الميلادي العشرين، مثل دي لا كروا، وماتيس.

بعد يومين أو ثلاثة من مغادرته الرباط، شعرتُ أن من واجبي أن أتصل به هاتفياً وأسأل عن أحواله. اتصلتُ هاتفياً بالفندق فحوَّلوني على غرفته، فردّت زوجته. بعد السلام عليها، رجوتها أن تسمح لي بالكلام مع الدكتور محسن. قالتُ :
ـــإنه مريض ونائم.
قلتُ:
ـــ ما خطبه؟
قالت:
ـ ذهبنا أمس إلى الشاطئ لنستحمَّ. وكنتُ مستلقيةً على رمال الشاطئ بينما كان محسن يعوم في البحر. وفجأة لمحتُه وهو يغرق. أسرعتُ إليه، فرأيتُ أنه يحاول الخروج من البحر ولكن شيئا ما يسحبه إلى أعماق البحر. مددتُ يدي إليه لأسحبه، فألفيتُه ثقيلاً جداً (السيدة أمريكية من أصل ألماني، وهي طويلة وضخمة وقوية). سحبتُه بكل قوتي وأخرجتُه فوجدتُ أن رجلاً غريقاً قد تشبّث بساق الدكتور محسن. وهكذاً وضعتُهما معاً على رمال الشاطئ وأخذتُ أسعفهما معاً. الحقيقة، محسن أصيب بنوع من الهلع الشديد فمرض.

بعد مغادرته المغرب، حضرتُ حفلة استقبال في إحدى السفارات، ووجدتُ نفسي أتحدّث مع السفير الأمريكي، توماس بيكرينغ، الذي أصبح بعد ذلك المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة (1989 ـ 1992). قلتُ للسفير، وأنا مدركٌ بأنَّ أيَّ أمريكي له مكانة محسن مهدي، لا بُدَّ أن يزور السفارة الأمريكية بالرباط عند قدومه إلى المغرب:
ـــ كان الدكتور محسن مهدي في الرباط، فهل سعد بلقائكم، يا سعادة السفير؟
أجاب السفير قائلاً:
ـــ نعم، لقد سعدتُ بلقائه في مكتبي. إنه رجلٌ ذكيٌّ جداً.
فسألتُ السفير:
ـــ وكيف عرفتم ذلك؟
قال السفير:
ـــ لأنه أمضى معي خمس عشرة دقيقة ولم يفُه بكلمة قط.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"