تابعنا على فيسبوك وتويتر

وليد غالب : انتظار غودو

انتظار غودو
وليد غالب

بشكل متميّز ومُختلف تماماً، رُسمت شخصيات مسرحية “في انتظار غودو”، حيث من الممكن أن نلاحظ أن بيكيت جعل أبطاله، فلاديمير واستراجون – حتى بوزو ولاكي – أشخاصاً عاديين جداً، يظهرون من العدم بلا تاريخ سابق، بلا مهنة، بلا خلفية ثقافية معرفية، أيضاً. بلا لغة فلسفية أو حتى حوارات عالية، الأكثر إثارة، أنّه جعلهم بلا هَمّ محدد ومعلوم. إنّهم حتّى لا يُثيرون سؤالاً، لا يدخلون في ورطة أو مشكلة، لا يصنعون ثورة ولا يطالبون بها، بل لا يبحثون عن أي معنى. ليسوا أبطالاً ولا مُبدعين ولا مُطاردين، ولا حتى مُحبَطين. مثلاً، فلاديمير واستراجون كل ما يشغلهم الانتظار وتمرير الوقت.
يشترك بيكيت وكامو وسارتر بالكتابة الأدبية العبثية العدمية، لكن الفارق أن شخصيات بيكيت في مسرحية “في انتطار غودو” ليست تشاؤمية ولا حزينة ولا حادّة، بل من الممكن أن نعدّها مُضحكة أحياناً.
إننا لا نجد في مسرحية “في انتظار غودو” مواقفاً تشبه المواقف التي في رواية الغريب لكامو. حينما يُفسّر فلسفياً اتخاذ أُمه لحبيب عند اقترابها من الموت “لابد أن أمي قد اقتربت هذا القرب من الموت، كانت تحس نفسها مُحررة ومستعدة لأن تعيش كل شيء من جديد” كان كامو يريد القول أن محاولة الانتحار أو الاقتراب من الموت، تُنتج ثورة.
في المقابل لا يُروّج بيكيت لأي فكرة عبثية، فحتى عندما يقرر فلاديمير واستراجون الإنتحار، ويتحاوران في من ينتحر الأول، ويختبران الحزام ويُثرثران في وزن من الأخف بينهما، يقولان في النهاية، لنترك الأمر لغودو.
إن أفعالهم تتوقف أو لنقل تموت مُقابل الكلام الذي بالعادة يكون بلا معنى. فحيث يتواجد اللامعنى تتوقف الإرادة، ويتوقف الفعل.
ومن الممكن ملاحظة أن البشرية بصورة عامة، تنحصر في شخصيات المسرحية، بين بوزو السيّد، ولاكي العبد من جهة، وبين فلاديمير المشكك المُتسائل، واستراجون العملي المادي من جهة أخرى، لذلك يقول فلاديمير “نحن الأربعة نمثّل البشرية”.
يبدأ الحوار الفعلي بين استراجون وفلاديمير، بجملتين فيما لو أزلنا الحركات المسرحية التي تقطع النص بينهما فسيكون النص كالآتي:
استراجون: عبثاً
فلاديمير: بدأت أقتنع بذلك الرأي.
بشكل مؤكد، هذا هو فحوى المسرحية، الاقتناع الأخير بـ “العبث” وعدم وجود أجوبة لأي شيء. إن هذا الحوار الأول بين جوجو ودي دي، يحمل معنى آخر، فهو بلا شك حوار، لكنّه منعزل وغالباً يكون بلا أخذ وعطاء، فأي حوار يكون بين شخصين أحدهما يشكو من ضيق حذائه، والآخر يريد أن يقص عليه قصّة السيد المسيح مع اللصين!
إنها إشارة واضحة بشكل جلي، للوحدة التي يعيش فيها البشر، حتى وإن كانوا مجتمعين ويتحاورون، إنها تعني: كن معي لكن اتركني وحدي “لا تلمسني! لا تسألني شيئاً. لا تقل لي شيئاً. إبق معي”. إن شعور الوحدة هذا يختلف تماماً عن شعور الوحدة الذي يعيشه بطل رواية الغثيان لسارتر “أعيش وحيداً، وحيداً تماماً، ولا اكلم أحداً إطلاقاً، ولا آخذ شيئاً ولا أعطي شيئاً”. فوحيد بيكيت لا يريد أن ينعزل ويريد قربه أحد ما.
يؤكد بيكيت هذه الوحدة التي يعيشها استراجون وفلاديمير، عن طريق المكان أيضاً، فهناك طريق عشوائي، وهناك شجرة. لكنها ليست شجرة عاديّة “لا أعرف.. كأنّها صفصافة” ذابلة متساقطة الأوراق، ولا أكثر وحدة في الأدب من شجرة الصفصاف، وفي الفصل الثاني تورق ثلاث ورقات في هذه الصفصافة، وهي إشارة لمرور الزمن لكن بدون تغيير أي شيء.
لا تتمثّل الفردانية والشعور بالوحدة في الحوار بين استراجون وفلاديمير فضلا عن شجرة الصفصاف فقط، بل أيضا في الطعام الذي يُعطيه فلاديمير لاستراجون – الجزر واللفت والفجل – لنلاحظ أنها نباتات تنمو مدفونة تحت الأرض، لا ترى الشمس، وأنّها تُعطي ثمرة واحدة فقط، إذا قُطعت. ماتت النبتة. كل شيء في هذه المسرحية وحيد، فرداني، منعزل، ميّت حتى الحوار.
في كتاب عصر مثير، يتذكر المؤرخ هوبزباوم طفولته بدايات القرن العشرين “خمسة أطفال صغار مع فتاتين يافعتين وقفوا أمام عدسة الكاميرا، قبل ثمانين سنة، غير واعين مثل آبائهم وأمهاتهم أنهم مُطوّقون بحطام الهزيمة: امبراطوريات مدمّرة واقتصاد منهار”.
إنه التاريخ الذي يقترحه فلاديمير أحد أبطال “في انتظار غودو” للبدء بالإحباط “كان علينا أن نفكر بذلك منذ الأزل، منذ العام 1900”. لكنه يضيف: “ما جدوى الإحباط الآن”. وتجنباً للاحباط يُصرّح أنه يجب الاهتمام بأدق التفاصيل “علينا أن لا نهمل الأمور الصغيرة في الحياة”.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"