تابعنا على فيسبوك وتويتر

البنية الدلالية والتركيبية
لعنوان المجموعة الشعرية (شهرزاد تخرج من عزلتها) للشاعر حبيب السامر
أمجد نجم الزيدي
رغم كثرة النوافذ الجمالية التي من الممكن ان نطل من خلالها على المجموعة الشعرية (شهرزاد تخرج من عزلتها) للشاعر حبيب السامر، الا اننا سنحاول ان نجمل قراءتنا بطرح مدخل افتراضي واحد، وهو الذي يمكن ان نستنتجه من عتبة العنوان، حيث تأخذ هذه القراءة مستويين؛ الاول هو مستوى تركيبي، اي العلاقات التركيبية التي تبني جملة العنوان، والمستوى الثاني هو الاحالات الدلالية التي تثيرها مفرداته، فالبناء التركيبي لجملة العنوان يقوم على ان الفاعل قد تقدم على فعله، وسنغض النظر عن الجدل الذي قد أثير قديما بين المدرستين النحويتين البصرية والكوفية حول ان كان فاعلا قد قدم على فعله ام انه مبتدأ، بل سنحاول ان نفترض لهذا التركيب- مبتدأ كان او فاعلا- غرضا دلاليا قصده الشاعر، حيث وضِعت لهذا التركيب عدة اغراض منها (الحصر، والتعجيل بالأنباء الجيدة او السيئة، والتعظيم او التحقير، وكذلك ازالة الشك حول حادثة ما .. الى اخره من اغراض)، وسنفترض في هذا المقام ان غرض الشاعر من تقديم (شهرزاد) هو التعجيل بالأنباء الجيدة او السيئة، وسنترك الباب مواربا لافتراضات أخرى تبنى على الاغراض التي اشرناها، وسنحاول التركيز على غرضنا الذي افترضناه، ربما اعتمادا على ما يمكن ان نطلق عليه “بيت القصيد” في احد النصوص الذي يحمل نفس عنوان المجموعة، وسنفترض ان مجرد الاشارة الى هذا الغرض ستكون كافية في فهم دلالته وتأثيرها الى البنية الدلالية العامة للمجموعة، دون الخوض في تفصيل دلالته داخل النصوص بصورة مفردة:
المكانُ واسعٌ والروحُ لطيفةٌ وشهرزادُ تخرجُ من عزلتِها
لتسردَ موتَها المؤجل. ص111
وبهذا فنحن ننتقل الى المستوى الاخر من التحليل وهو العلاقات الدلالية التي تبنيها جملة العنوان، وخاصة في ضوء بنيتها التركيبية التي بيناها سابقا، بناء على ما يراه علماء اللغة من ان ترتيب الجم

لة العربية تكون تبعا لما يطلق عليه بـ “المنزلة” ومنزلة شهرزاد وما تمثله، وهو ما سنراه لاحقاً، في هذه العنوان وفي نصوص المجموعة برمتها حتم عليها هذا التقدم في الترتيب، ولكننا لو بحثنا في هذه النصوص بدقة، محاولين تتبع أثر شهرزاد، وما تشير اليه ربما من دلالة، ترتبط بشخصية شهرزاد المعروفة في الف ليلة وليلة، والتي تقودنا بصورة مباشرة الى ربطها بدلالة نسوية، أو الى المرأة أو الانثى، لكن تتبعنا هذا لن يوصلنا الى شيء، اذ ان نصوص المجموعة تكاد ان تخلو تقريبا من اي اشارة نسوية، او خطاب موجه الى الانثى الا بصورة قليلة جدا كما في أخر مقطع من نص (قلائد ورد) ص26، أو في نص (هواء عذب):
أيُّ ريح تستنشقين؟
هواؤك عذبٌ سيدتي
هواءٌ مختلفٌ جداً
لا تبخلي
برشفةٍ نقيةٍ مشتركةٍ
تملأُ رئتي
هي ذاتها تمرُّ برئتيكِ. ص51
وهناك اشارات متفرقة لم تأخذ حيزا كبيرا من النصوص، لذلك سيقودنا ذلك ربما الى ان (شهرزاد) هنا ليست تلك العلامة السيميائية المتناصة مع الف ليلة وليلة، وانما الاشارة هنا تختص بوظيفتها كحكاءة، اي ان حضورها ليس بصفتها انثى، او ايقونة نسوية بل بكونها تمثل فعل الحكي ووظيفته، لذلك فربما يمكننا ان نفترض ان دلالة العنوان من وجهة النظر هذه ستصبح (الحكايات تخرج من عزلتها)، هي حكايات الموت المؤجل، كما ظهر لنا جليا في المقطع الذي اطلقنا عليه سابقا بـ “بيت القصيد”، وكما يتبدى لنا بصورة مباشرة في نص (معبد الكلمات) المهدى الى روح القاص محمود عبد الوهاب:
هَلْ أنتَ حزينٌ بما يكفي
لترقدَ في نومتك الأخيرة
أم أنَّك الأكثرُ سعادةً منا الآن؟ ص9
وتظهر هنا الاشارة المباشرة الى أحد تلك الحكايات، أو هو تماهي بين جانبين لتلك الحكاية، هي الحكاية المستذكرة من خلال (المقهى ورواده والذكريات المرتبطة بالمرحوم محمود عبد الوهاب) وهي صور ذلك الموت المؤجل، قبل ان يتحقق بصورته الواقعية، والجانب الاخر هو الموت الحقيقي (هل انت حزين بما يكفي في نومتك الابدية)، (مكانك ف ا ر غ ج د اً)، وتظهر هذه العلاقات ايضا في نص أخر (غامضةٌ نومتُك الأخيرة) والمهدى الى أخ الشاعر ميثم في غيابه الأبدي، حيث نرى حكايات الموت تكسر عزلتها وتطلق لنفسها العنان من خلال الخطاب المباشر والموجه، عكس ما سنراه لاحقا ربما في النصوص الاخرى:
سريرُك فارغٌ إلا منْ آخرِ تنهيدةٍ
ملابسُكَ في مكانِها
أتعرفُ؟ أن أمّنا تعطرها كل عيدٍ
وتلقي التحيةَ كل صباح
تترقبك هي:
ما عسانا أن نقولَ لها؟
باللهِ عليكَ.. دلّنا على جواب. ص23
أما في النصوص الاخرى فتلك الحكايات تأخذ اسلوباً أخر، حيث تصبح حكايات الحياة هي حكايات الموت المؤجل، التي حان البوح بها، وهي تمظهرات لحالة واحدة، تظهر من خلال مجموعة من الاشارات والدلالات التي تربطها بالأحلام الموءودة والانكسارات، كما في أول نصوص المجموعة (يبدو أنَّ..) حيث نجد مثلا (يبدو أنَّك لا تجيدُ الدورانَ إلا حولَ نفسِكَ) أو (يبدو أنك لا تجيدُ الطيرانَ أعلى من قامتك بقليل) أو (يبدو أنَّك لا تكترث لسنواتِ الخيبةِ\ وتكرّر ما اقترفته، تتماهى أحيانا\ تحيطُ بك الظلمة\ أيّها السادُر في الانكساراتِ) ص5، وهكذا في نصوص المجموعة الاخرى كـنص (فرح مؤجل) ص15، أو (المحطات) ص29، أو (موجة منتحرة) ص49، الى اخره من نصوص المجموعة.
نصوص المجموعة الشعرية (شهرزاد تخرج من عزلتها) وبناء على الغرض الذي أوجدناه سابقاً، بتقديم الفاعل (شهرزاد) على فعل خروجها، لتصبح مبتدأً لجملة العنوان، ومنزلتها، تذهب بالنصوص الى بعد تأويلي، يرى ان الشاعر ينبئ بالحكايات التي ربما نتغافل عنها، او نزوقها، وهي حكايات الموت المؤجل، اي ان هذه الحياة التي تمثلها هذه النصوص هي حكايات الحياة التي هي عبارة عن موت مؤجل.
– شهرزاد تخرج من عزلتها (شعر) حبيب السامر، دار الشؤون الثقافية العامة ط1 بغداد 2017


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"