تابعنا على فيسبوك وتويتر
لغة الحب بنكهة الحرب
قراءة في مجموعة الشاعرة فليحة حسن “لو لم يكتشف كولومبس أمريكا”(1)
د. عماد الحيدري(2)
العراق / اتحاد الأدباء في النجف الأشرف
الشاعر هذا الكائن الرسالي المبعوث من عالم اللغة النابضة بالحياة الينا؛ ليصطحبنا الى أماكن لم تطأها مخيلاتنا, ويفتح أعيننا على مناظر لم نشهدها من قبل, فينمّي في نفوسنا حبَّ الإطلاع, ولهفة التعرف على خبايا الأشياء واكتشاف معانيها.
تنقل لنا الشاعرة فليحة حسن في مجموعتها الشعرية هذه مشاهداتها في بلاد الغربة بتوصيفٍ حسي دقيق ممزوج بماضٍ خلفته في بلادها الأم, وبلغةٍ بريئةٍ عاشقةٍ للحياة وللوطن الذي فارقته, خلت من التعقيد اللفظي لكنها لم تخلُ من ذكريات الحرب ومآسيها.
ولعل من أظهر العلامات التي تطفو على سطح قراءتنا لهذه المجموعة ليست مشاهدات الغربة بمفهومها البسيط الخارجي الذي يعني الابتعاد عن الوطن والأهل والأحبة فحسب, وإنما هي الغربة الداخلية التي تعيشها الشاعرة, غربة متاهة النفس وضياعها بين حشد من المتناقضات التي تحيط بها بين حبٍ ينتهي بخيانة, وحنانٍ يفتقر الى الصدق, ومشاعر قد تخلو من العاطفة, وانتماءات قد يطوقها الزيف, وصداقات لا تجلو أي هم, وغير ذلك من عوالم الغربة التي تسكن في أعماقها منذ أن أعلنت العبور الى ضفة الحقيقة والبحث عن الوطن الخالي من الحروب, هذا ما تدركه الشاعرة تماماً حينما تقول بكل براءة: 

ولسنا اختلفنا
إلا على الراء
حين تريد التوسط
بين حاء وباء
نقول لبعض (أحبك)
إذن هذه هي نقطة الخلاف الجوهرية بينها وبين حبيبها الوطن, فهي تريده حبيباً؛ لأنه قدرها المحتوم, وهو يريد الحرب؛ لأنها قدره, ولا يمكن لهما أن يلتقيا بعد هذا الفراق؛ لأن الحرب سرقته منها ودونت اسمه في قائمة الأموات, على حين تريد هي الحياة وتعشقها, فتقول: 
لا تنظر للسماء
فقد اختنقت بالدخان
فقط انزع حلمك من رأسك
واغمض عينيك
وسر في الطريق
فقد دونت الحرب اسمك في قائمة الموتى
إنها غربة الملاذ الآمن الذي تفتقده, والحضن الدافئ الذي لم يطوقها بحنانه الصادق منذ ولادتها, فتأسف على نشأةٍ وترعرعٍ قمعا طموحاتها:
ولو إنني ما ولدتُ ببيتٍ يعوزه بيتٌ لكي يكتمل
لكنتُ أنا الآن…
كيف لا تعيش غربة الحنان, ونقص الإحساس بالدفء, وقد نشأت في بيتٍ يعوزه وجود الأبوين, فبين أبٍ سرقته الحروب, وأم مبتلاةٍ بالمرض على فراقه عاشت الشاعرة حيرتها:
كلما تأخر أبي في الجبهة
مرضت أمي وأحار بها في مشافي النجف
ولكنها _ وعلى الرغم من كل ذلك _ تستأنف حياتها من جديد, وكأنها ولدت مرةً أخرى في عالمٍ آخر لم تألفه من قبل حينما كانت تمارس الشعر بملمس الحرير, فتصف عالمها الجديد: 
نباح الشارع
تجاعيد الأيام الوعرة
تواريخاً أقضمها قلقاً
ومدناً لا تشبه أبداً حرير قصائدنا
فهي لا تريد هذا العالم الجديد ولا تعودت روحها عليه؛ لأنه اغتال براءتها مثلما اغتالت الحرب طفولتها, ولأنها تريد العودة الى تلك البراءة واللهو والمرح الذي تشتهيه مصرّحة لا ملمّحة, وكأني بها تقول: لا أريد أن أكبر وأنضج فأتصرف مثل الكبار بكثيرٍ من العقل وقليلٍ من الجنون: 
لو لم يكتشف كولومبس أمريكا
لكنتً الآن ألعب (الغميضة) مع بناتي
إن روح الشاعرة تواقة دائماً الى الحرية, والتحليق في سماء المثالية والنقاء, روح تواقة الى عالم الطفولة البريئة بلهوها ومرحها, ولكن هيهات فدون ذلك حروب وأهوال تمارس سلطة السجان عليها فتحرمها من هذه اللذة المشتهاة: 
نحن الذين كبرنا بسرعة الحرب
أبداً لم يسألنا الرب حين ألقى بذاره فيها وقال: كونوا فكنّا
أطفالاً نلثغ بهمس البيوت الغافية
وتعود فتستأنف البحث عن الحبيب الذي غيّبته الحروب, ذلك المعشوق الذي لا يمكن لها أن تستغني عن وجوده في حياتها؛ لأنها تريد إشراكه في كل لحظةٍ من لحظات عمرها الجديد, فوجودها عدمٌ من دونه: 
لحظةٌ بلا صوتك
منتهى الخرس
لحظةٌ بلا رؤيتك
منتهى العمى
لحظةٌ بلا أنت
منتهى العدمية
إن فليحة حسن هي تلك الشاعرة التي انتصرت للسلام, وللطفولة, وللمثالية, وللجمال, وللعالم الذي يعيش فيه الانسان حراً كريماً مصانةً حقوقه ومكفولةً حرياته, وهي الشاعرة التي رفضت الحرب بكل صورها ومسمياتها, وأعلنت بصوتٍ عالٍ حبّها للوطن على الرغم من سياطه التي تلوّت على ظهرها في القرب والبعد.
الهوامش:
1) لو لم يكتشف كولمبس أمريكا (مجموعة شعرية): فليحة حسن, دار جان للنشر, ألمانيا, 2015.
2) شاعر وناقد عراقي.
 
 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"