تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة:
الشاعرة والقاصة والناقدة الفنية والمترجمة الأديبة مي مظفر نموج للعطاء الأدبي المتواصل منذ مطلع السبعينات حتى اليوم. أنجزت الكثير بلا ضجيج وكانت بعيدة عن الأضواء والإعلام، ولعلها هي نفسها تحاشت الترويج لأدبها زهداً وترفعاً. في الأعوام الأخيرة وإثر رحيل رفيق عمرها، الفنان رافع الناصري، كرست جلّ وقتها وجهدها للحفاظ على إرثه الفني وفاء له ولذكراه. الأمر الذي جعل البعض ينسى – أو يتناسى- إنجازها الإبداعي المتنوع الممتد زمنياً إلى أكثر من أربعة عقود وأكثر من خمسة وعشرين كتاباً. هذا الملف مناسبة جميلة للإحتفاء بها والتذكير بإبداعها.
د. باهرة محمد عبد اللطيف

(11)

مي مظفر ترسم لوحة الحضور الأبدي لـ رافع الناصري
ميسلون هادي
في نهار صيف تموزي مشمس ارتقينا جبل اللويبدة من جهة وادي صقرة في عمان.. وعندما وصلنا مرسم ومحترف الفنان العراقي الراحل رافع الناصري، وجدنا أن صفة الراحل لامكان لها في هذا المكان الأنيق.. استقبلتنا أول دخول المحترف لوحة كبيرة تحمل صورة له تجمع بين البورتريه والفوتغراف، ورحبت بنا زوجته القاصة والشاعرة والناقدة التشكليلية مي مظفر بوجه لطيف ما تزال تعلوه مسحة عميقة من الحزن .. اتخذنا أنا ونجم مقعدنا أمامها حيث رافع الناصري ينظر إلى المكان نظرة حية وكأنه لم يغادره قط.. أدواته ولوحاته وتخطيطاته كلها موضوعة على المناضد، أو معلقة على جدران المحترف، وكذلك هناك حولنا الكتب التي صدرت له، أو المجلدات التي صدرت عنه في إيطاليا والعراق ولبنان وفي بلدان أخرى احتفاءً بتجربته في الحفر والرسم والكرافيك.

مي ورافع – الصورة مهداة من الأديبة د. باهرة محمد عبد اللطيف .. فشكرا لها.

رافع الناصري مصمم كرافيكي بارع ، بالإضافة لكونه رساماً وحفّاراً وأستاذاً أكاديمياً.. دأب منذ بداية حياته الفنية على امتلاك محترف خاص به أينما أقام، وفي مدن مختلفة مثل بغداد وعمان والبحرين ‏وباريس، حيث يمارس فيه فن الرسم بحرية. غير أن محترفاته كانت دائما تحتل حيّزا معينا داخل السكن العائلي. كما ‏أنه تنقل من محترف إلى آخر داخل العراق وخارجه حتى استقر في هذا المكان الجميل الذي يطل على بلدة عمان القديمة. المكان ينطق بتميز أصحابه وتزينه لمسات أنيقة من صنع يده أو يد زوجته ورفيقة عمره مي مظفر.. جلسنا معها لأكثر من ساعة ونصف.. تصفحنا معها كتبها وكتبه القيمة، ثم تنقلنا بين الشرفة ورواق المحترف حيث أكملت السيدة مظفر أي فراغ ممكن بالحديث العميق والمتشعب عن حماية إرث زوجها الفنان رافع الناصري وجمعه وأرشفته، فهي تكافح الآن من أجل إنشاء متحف خاص به، بعد أن كانت قد قامت بصيانة لوحاته التي تم نقلها من بغداد بعد الحرب بشق الأنفس، غير إنها الآن بألف خير، وقد قرت عيون الفنان الناصري برؤيتها سالمة من الأذى قبل مرضه ثم رحيله بفترة قصيرة.
وليست اللوحات وحدها هي التي تخلد ذكرى هذا الفنان العراقي الفذ، وإنما بعد رحيله في كانون الأول عام 2013، قام محترف الناصري، الذي ترعاه وتشرف عليه ‏زوجته مي مظفّر، وتكريماً لذكرى الفنان، بإطلاق “جائزة رافع الناصري السنوية لفن الحفر ‏والطباعة”، وقد خصصت الجائزة لفنانين شباب فئة أعمارهم ما بين الـ 20-40 عاماً، والجائزة مفتوحة للمتقدمين من الدول العربية كافة، وتهدف إلى تشجيع ‏ودعم قيمة هذا الحقل من الفنون التشكيلية ونشره على أوسع نطاق.
خلال خمسة أعوام، كما أخبرتنا السيدة مظفر، تنافس على الجائزة فنانون شباب يتمتعون بموهبة ‏وقدرات عالية في مجال فنون الحفر والطباعة عن أعمال منفذة خلال السنة الأكاديمية التي تعلن فيها كل دورة من دورات الجائزة. كما أن هناك موقعاً متخصصاً بالجائزة على الفيس بوك يورد تفاصيلها وشروطها وتواريخ التقديم لها مع اسماء لجنة التحكيم التي تعرض عليها الأعمال المشاركة، لاختيار العمل الأفضل، ومن بين تلك الأسماء الفنان العراقي ضياء العزاوي.. وعند إعلان النتيجة يُقام معرض خاص في عمان بحضور الفائز أو الفائزة.‏
هذه الجائزة الكبيرة في معناها الاعتباري، وليس المادي، دخلت دورتها الخامسة هذا العام، وهي جائزة سنوية خاصة، تمنح مبلغاً مقداره ألف دولار أمريكي، لأفضل مشارك بأعمال تعكس الرؤية ‏الخاصة بالفنان وتفرده في مجال إبداعه، ولا توجد جهة ترعاها سوى حارسة إرث الناصري وتراثه السيدة مي مظفر التي تصادف زيارتنا لها مع اعلان المحترف عن إطلاق الدورة الخامسة لجائزة رافع الناصري للحفر والطباعة لعام 2018، ومنحها ‏لأفضل إنتاج قام به فنانون شباب من الدول العربية كافة في مجال ‏الحفر والطباعة.
تحدثت لنا السيدة مظفر أيضاً عن احتفاظها بيومياتها التي دونتها لسنوات طويلة، وكتبت فيها تفاصيل حياتها المشتركة مع رافع الناصري، وتفكر الآن بإصدارها على شكل مذكرات، كما ولديها أفكار أخرى كثيرة في مجال الحفاظ على التاريخ الفني لرافع الناصري والصعوبات التي تعمل على تذليلها أولاً بأول من أجل أن يبقى إرثه حاضراً في كل زمان.. شعرنا بالاعتزاز بكل هذا الحضور المضيء لكاتبة مبدعة شكلت مع زوجها علامة فارقة في حياتنا الثقافية. وكان هو حاضراً معنا أيضاً برسوماته وصوره ولمساته الأنيقة. حدثتنا السيدة مي مظفر عنه فوجدناه يسكن روحها ولم يغادرها قط.

*عن موقع أخبار العراق


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"