تابعنا على فيسبوك وتويتر

مشاركة الإنفعالات
عن التعاطف والفنون والأدب
ترجمة حلقة إذاعية
سامي عادل البدري

بعد تدمير لمبان كثيرة، منارات ومتاحف، تماثيل وآثار، ترى صوراً لمدن مثل الموصل وحلب، تصورها وهي حطام محروق. تتساءل كيف سترجع الحياة هناك؟ يبدو أن عملية اعادة البناء سوف تبدأ من الصفر.

في إحدى الحلقات الإذاعية لإحدى قنوات الراديو السورية، طرح على المستمعين سؤالاً عن فائدة المدرسة، طالبين من المستمعين المشاركة بإبداء الرأي. يأتي هذا السؤال بعد أن تم منع الأطفال من الذهاب للمدرسة في بعض المناطق. والسؤال عن فائدة المدرسة ليس هو التساؤل الوحيد، الذي ربما نستطيع تصنيفه كـ(بدائي)، الذي يطرح اليوم في عالمنا العربي، بل تجد أسئلة أخرى مثلاً تتساءل عن فوائد الفنون والآداب، وكثيراً ما تطرح هذه الأسئلة بسخرية، بإسلوب يتضمن الجواب بأن كل هذه الأمور غير مهمة.

سمعت قبل أيام حلقة إذاعية في راديو (فرانس إنتر France Inter) من برنامج (فوق أكتاف دارون)، والذي يقدمه جون-كلود أميسن Jean-Claude Ameisen، وكان عنوانها (مشاركة الإنفعالات)، ولأني وجدت بعض الإجابات لهذه التساؤلات التي تحيط بي في عالمي العربي، قلت أترجم بعض فقرات الحلقة التي يبلغ طولها حوالي ٥٤ دقيقة، علّ في ذلك بعض الفائدة. ما يتلو هو عبارة عن نقل لأهم الأفكار التي قيلت في الحلقة بشكل مختصر، مع تقسيمها لثلاث أقسام، وإضافة عناوين فرعية من عند المترجم ليسهل قراءتها.

صورة البرنامج الإذاعي كما تبدو في الهاتف

الرسم والبعد والتخيل

يبدأ البرنامج الإذاعي بالمقدمة التالية: (على أكتاف دارون، على أكتاف العمالقة. أن تصعد فوق أكتاف العمالقة وترى لأبعد. ترى الغير مرئي، عبر المسافات، عبر الزمن. تدخل في تناغم مع عمل فني وتغوص فجأة في عالم غير معلوم. تسافر بلا حركة عبر الفضاء، عبر الزمن. نرحل، نضيع، فنرجع ثم نعيد ميلادنا وقد صرنا أكثر غنى بما عشناه.)

إن أول رسم يحترم قوانين الأبعاد، هو تخطيط رسمه مهندس معماري إسمه فيليبو برونيليسي Filippo Brunelleschi عام ١٤٢٥، وهو نفسه من بنى قبة كاتدرائية سانتا ماريا ديل فيورا Cathédrale Santa Maria del Fiore في فلورنسا. نرى في لوحته بأن الاجسام كلما تبعد تصغر، فتسبب للمشاهد بما يسمى وهم البعد ووهم العمق، لكي تسمح للمشاهد بأن يغوص في عمق اللوحة. ليأتي كاتب إيطالي، بعد عشر سنين من تلك اللوحة، أي في عام ١٤٣٥، ليكتب كتاباً عن أساسيات المنظور والأبعاد، وهو ليون باتيستا ألبيرتي Leon Battista Alberti، وعنوان كتابه (دي پكتورا De Pictura)، أي (عن الرسم).

رسم فيليبو برونيليسي

لا ينسى المقدم أن يذكر إبن الهيثم وكتابه (كتاب المناظر)، الذي كتبه في القرن الحادي عشر، والذي ترجم للاتينية في القرن الثالث عشر، فهذا الكتاب من أوائل الكتب التي تحدثت عن الأوهام البصرية وعن الأبعاد.

لكنه يرجع بسرعة لكتاب (عن الرسم)، لذلك الكاتب الإيطالي، ويقول بأنه كتاب لا يقتصر على تحليل الرسم، بل هو يتكلم عن الانفعالات التي تنقلها اللوحات لنا، فنحن نضحك مع من يضحك في اللوحة، نبكي مع من يبكي. حركة الروح هذه نفهمها من حركة جسد المقابل. ولنا هنا أن نتذكر أن اللوحات كانت أولى وسائل الملتيميديا، وما يصح عليها، يصح الآن كذلك على الأفلام مثلاً.

ثم ماذا عن (مونتين) الذي كتب في القرن السادس عشر: ( إن ما يولد الحدث، هو التخيل القوي)؟ ويشرح المقدم هذه المقولة بأننا حين نرى قلق الآخر، نقلق بدورنا جسدياً، وبأن هذا هو (التعاطف empathie)، أو ما يترجم أكاديمياً بالتقمص العاطفي، أو الوجداني. إن التعاطف هو توقع ما يشعر به الآخر، أن نتخيل أنفسنا في موقفه، نصير في مكانه، نحدس ما هي نواياه وانتظاراته، نسقط أنفسنا في مستقبله.

بيولوجية التعاطف

إن واحد من آخر الكتب التي تناولت موضوعة التعاطف، وهو كتاب فرانس دوڤال Frans de Waal، التي صدرت ترجمته باللغة الفرنسية بعنوان (قرد البونوبو، الرب، ونحن)، والذي يشرح التعاطف حسب لغة العلوم العصبية، حيث أننا نشعر بالتعاطف حين نقوم بتفعيل تمثّلات عصبية في دماغنا، تساعدنا في ذلك ما يسمى بالخلايا المرآتية mirroring neurons، فنشعر بما يشعره الآخر، ونضع نفسنا محله، ونحدس بما ينوي فعله. ويحدثنا دوفال عن تعاطف القرود الاكثر شباباً مع القرود الكبيرة لاسنادها في صعود الشجرة، ونقل الماء لها بواسطة الفم، فالإنسانية، كما يقترح علينا كتاب دوڤال، موجودة عند الحيوانات كذلك.

غلاف كتاب فرانس دوڤال (قرد البونوبر، الرب، ونحن)

ويتناول هذا الكتاب ما قام به العالم أولف ديمبورغ Ulf Dimberg، وهو الذي قدم بحثاً في عام ١٩٩٠، بيّن فيه أن التعاطف يحصل بدون وعي، بأننا حين نرى وجهاً حزيناً، يسبب ذلك لنا إنطباعاً حزيناً بلا وعي، وحين نرى وجهاً باسماً، فإننا نشعر بالانشراح والسرور بلا أن نفكر. ويبدو أن ذلك أزعج من كان يريد الاحتفاظ بإيمان مفاده أن التعاطف هو مجهود إنساني واعي واخلاقي. إلا أن الرضع أنفسهم، يبكون حين يسمعون صوت بكاء، ويبدو ان التعاطف، يمكن اختزاله إلى شكله البدائي، الذي هو تزامن حركات، وعدوى انفعال.

لكن دوڤال لا يكتفي بإختزال التعاطف إلى ذلك المستوى الحيواني، واللاواعي، بل هو يذكر دور التقمص العاطفي، وبالتالي الخلايا المرآتية، في فهم العمل الفني. ويضرب أمثلة بأننا حين نستمع لعازف البيانو، فإننا نتخيل أنفسنا ونحن نعزف ذلك اللحن، ويكون ذلك التقمص على أتمه ربما لو كنا نحن كذلك نعرف عزف البيانو، فسوف نفعل نفس الخلايا المسيطرة على حركات يد العازف. ويشبه ذلك الأمر حين نقف أمام لوحة، فنتخيل أننا نحن من مرر الفرشاة من هنا، وترك هذا الأثر، بهذه الطريقة. وهكذا نحن نشارك من عندنا حين نريد فهم عمل فني.

الأدب والكلمات

وفي الأدب، خير مثال مشابه لذلك هي مقالة رولان بارت (سين وزاي S/Z)، حيث يكتب بارت بأن القارئ ليس مستهلكاً فحسب، بل منتجاً، فيقول: (حين أقرأ نصاً أدبياً، أكتب قراءتي). فاللغة يمكن أن تصير تعسفاً. لأن كل لغة هي تصنيف، وكل تصنيف هو تعسف. يقول (موريس بلونشو Maurice Blanchot): (إن تسمية الشيء، هو ذلك العنف الذي يبعد ما سميناه من أجل أن نملكه تحت الشكل المريح والملائم لإسم ما). ونرجع لبارت وقوله في إحدى محاضراته بأن: (ليس كل تعليم هو تعليم ما نعرف، بل بعض التعليم هو تعليم ما لا نعرف، وهو ما يسمى بالبحث)، إنه إزالة للأوهام، ولتراكم المعتقدات الخاطئة. وبما أن العالم أكبر من تخيلنا ومن أحلامنا، وبالتالي من لغتنا، فإن الأدب هو طريقة للبحث في هذا العالم، عن طريق إزاحة الكلمات من معناها العادي.

والقراءة، يقول لنا ألبرتو منغيل، في كتابه (تاريخ القراءة)، هي أكبر بكثير من قراءة الكتابة فقط، فهي ما يفعله الفلكي حين يقرأ خريطة نجم مختفية، ولاعب ورق الپوكر وهو يقرأ تعابير وجه خصمه قبل لعب الورقة الرابحة، هي تتمثل بذلك الراقص وهو يقرأ إشارات مصمم الرقصة من جهة، والمشاهدون يقرأون حركات الراقص هذا، وهي أيضاً حين يقرأ الآباء الغبطة أو الخوف أو التفاجؤ على وجوه أبنائهم، وحين يقرأ العاشق جسد معشوقته في الظلام، وحين يقرأ العاصي كتابه المقدس ويغمس يديه متطهراً في الماء. كل هؤلاء يشاركون قارئ الكتابة فن تحليل الرموز واستنباط المعنى. نحن نقرأ للفهم، أو لكي نبدأ بالفهم. والفن، بكل صوره، لانه يخرجنا عن المألوف، فهو يجبرنا على أن نعيد قراءة العالم، وعلى إعادة إكتشافه، وإعادة النظر في علاقتنا مع الآخر، في ضوء الفن الذي يخاطبنا بخطاب يسبق اللغة والكلمات.

بيولوجيا التعاطف مرة أخرى

يرجع بعد ذلك المذيع إلى كتاب فرانس دوڤال ويحكي لنا عما ذكره الكتاب حول (مركز كونراد لوينز) في مدينة غروناو في النمسا، وتجاربهم هناك حول سلوك المواساة لدى الحيوانات، فقد وجدوا في أبحاثهم أنه بعد نشوب عراك بين طائري غراب، تقوم الطيور المقربة من الطائر الخاسر بمواساته وذلك بمس منقاره بطريقة لطيفة. وقاموا في نفس المركز بدراسة طريفة أخرى حول دقات قلب الأوز، فقد وضعوا لاقطة صغيرة تحسب سرعة دقات القلب حول صدور الأوز، ووجدوا أنه حين ينشب عراك بين وزتين، فإن دقات قلب الوزات المقربة من المتعاركين تتسارع أثناء مشاهدتهن العراك، رغم أنهم لا يشتركن بالعراك جسمانياً. إن دقات القلب، يكتب شارحاً دوڤال، يبدي لنا إهتمام وقلق الآخر من أجلنا.

يكتب كذلك دوڤال بأن مشاركة النوايا، والانفعالات، وحاجات الآخرين، وكل ما يمكن أن ينضوي تحت مسمى التعاطف أو التقمص العاطفي، نرى أول تجلياته في سلوك عناية الوالدين بأطفالهم، وهو الشيء الذي نراه متجلياً ليس فقط لدى بني البشر، بل كذلك عند كل الثديات والطيور. ويعتبر أن أقوى الدلائل على ذلك أن الحيوانات الحديثة الولادة تطلق أصوات شكوى حين يبتعد عنها والداها. والطريف أن دوڤال بحث في موضوعة إطلاق الشكاوى من قبل حديثي الولادة لدى الزواحف والأفاعي، ولم يجد، وقرر أنهم ربما يطلقون أشياء أخرى كالروائح مثلاً، فالتمساح الأم تنقل أطفالها معها في فكها، أو فوق رأسها، أو فوق ظهرها، فهذه المفترسة حسب ما يظهر لنا، لا ينتفي أن تملك بعض اللطف والحنان والعطف على الأضعف والأصغر.

وفي نهاية الحلقة الإذاعية يرجع المقدم، كما عمل في بدايتها، إلى قرون خلت، لكن هذه المرة إلى القرن الثاني ميلادية، ليستشهد لنا بقول الفيلسوف الرواقي الروماني ماركوس أوريليوس Marc Aurèle (١٢١م-١٨٠م)، في كتاب (تأملات): (إن الأفعال التي تتوائم مع الطبيعة، مثل مساعدة الآخرين، تحمل بنفسها مكافأتها معها. فكيف، والحال هذه، تستطيع أن لا تساعد الآخرين، في الوقت الذي، بمساعدتهم، ستساعد نفسك أنت…)

هكذا تنتهي الحلقة الإذاعية التي ترجمتها لأني رأيت فيها الفائدة، ولأني أتمنى أن أستمع لمثيل لها في لغتنا العربية، وكذلك للإجابة ربما على بعض التساؤلات التي تطرح هذه الأيام في عالمنا العربي.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “مشاركة الإنفعالات – عن التعاطف والفنون والأدب (ترجمة حلقة إذاعية)
ترجمة: سامي عادل البدري”

  1. Unknown يقول :

    مقال جميل ، لكن استوقفتني جملة( الانسانية موجودة عند الحيوانات كذلك ) اظن ان ما يمكن تسميته بالانسانية يجب ان لا يكون مشتركا بين الانسان والحيوان ربما علينا ان نعيد النظر في تعريفنا للانسانية حيث تكون هذه الكلمة لمواقف في البشر ليس للحيوانات نصيب فيها ممكن ان نقول التعاطف موجود عند الحيوانات ،
    واما الاكل والشرب والامور اللاارادية والارادية النابعة من الرغبات النفسانية لاتمثل الانسانية بل الجانب الحيواني للانسان ،
    اما عن الفن فهو لغة للتعبير عن او ايصال فكره مثل الكلام كما ان الكلام فيه الجيد المفيد والسيء غير المفيد او الضار الفن كذلك
    ممكن ان يكون مفيد وممكن ان لا يكون كذلك حسب المحتوى اللذي ينقله.

  2. سامي عادل البدري يقول :

    شكراً جزيلاً على اهتمامكم، وعلى التعليق. فعلاً صفة (إنسانية) تستوقف الشخص، وربما كما قلتم في تعليقكم الكريم أن بعض صفات الإنسان حيوانية، ربما يصح قول أن بعض صفات الحيوان إنسانية، بالطبع سيكون هذا شيئاً جديداً، لكن ذلك ما قصده (دو ڤال).

    أما عن الفن، فأفهم ما تقوله، رغم أني أخاف من قول (بعض الفن سيء أو ضار)، لأن ذلك لا يمكن الإتفاق عليه ثم يجري بعد ذلك منع لبعض أنواعه كما يحصل الآن في الكثير من الأماكن.

    تعليقك جميل كذلك وأفرحني.
    تحياتي، سامي

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"