تابعنا على فيسبوك وتويتر

الصورة الشعرية في نسج الشاعرة ريم البياتي 

دراسة نقدية في قصيدة (قيظ الجحيم) 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مازال الحرف العربي هو الاتجاه المشترك الأكبر في بوصلة العرب الخَرِبة ، ولولاه لكان العرب كقهقهةٍ بين كؤوس الشراب ، أو فقاعة صابون لا تلبث ان تختفي فوق صحون مطاعم الغرب ، ولكان الليل طويلا ، والظلام كجحر ضبع ، والأدب مغيضا ،  ، ولكان الفضاء يغصُّ بأسرابِ الجهل والظلالة والحَمَق ، لكنه الحرف العربي الذي يحتضن روحاً شفافة طاهرة ، حتى صار كالجسد المفتول الساعد لايقوى على فَـتّهِ كاسر ولا يقوى على إذلاله ناسِر . 

ــ (ريم البياتي) اديبة عربية سورية ، وقلم ملتزم راعف ، سريعة التأثر بالموقف والحدث ، وتلتقط الثيمة العابرة لتحيلها الى قطعة نثرية زاهية ، أو نصٍّ شعري يفيض جمالا . 

الجميل في نسجها هو الهمّ العربي المشترك الذي مازال يلفُّ جسد الامة ، فما من جرح نازف هنا او هناك إلا وكان لها صوتا مدوياً لتضمّده بنصٍ ادبي يصرخ بكمٍّ كبيرٍ من الآهات والّلاءات الرافضة للخنوع والاستسلام .

ــ (ريم البياتي) تختزن كمَّاً وفيراً من اللفظ الفصيح والمعاني البليغة الرائعة . وهي تعرف كيف تنسج وتسبك جملتها الأدبية ، فلا تنسج الا رشيق اللفظ  ، ولا تسبك الا خميل المعاني .

ــ بين أيدينا هذا النص الشعري الذي يمثل آصرة تلاحمية فاعلة في الجسد العربي ، والذي جاء صارخاً لحال مدينة (البصرة) العراقية ذات الاوردة المائية المتعانقة ، والغدران الاروائية المتفرعة  ، لكنها تنتفض ظمأ ً وعطشا .

ــ الذي شدَّني الى هذا النص هو مقدرة الشاعرة على الاتيان بصور شعرية غاية في الرخاء والثراء. حيث افتتحت نصّها بأبتداء يحمل روح الوطنية الوهّاجة ، وهي تشارك الألم الممتد الى عمق العراق ، ولها وجدان يتشرب عمقاً ومحبة للعراق وشعبه ، وهذا من نبل الخاطر وكرامة المُحتَـد ليبقى الشعور العربي قلادة لاتقبل الانفراط رغم الانزياج الجغرافي البائس . 

ــ  لذا ابتدأتْ الشاعر قصيدتها بسطرٍ جميل  يحمل نداء للعراق :

” وربَّ دمي من بعض مائك ياعراق “

فهي قد إشارت الى (الماء) منذ الوهلة الأولى ، وسيكون هو مرتكز النص وحوله تدور الصور الشعرية الباذخة .

ــ الشاعرة لها بصمة واضحة وجليّة في نتاجاتها الأدبية ، وهي مقدرتها الكبيرة على رسم الصورة الشعرية بأتقان وحرفية ، مستخدمة سيلاً من الالفاظ والمفردات الفصيحة الموائمة للمعاني الجميلة المختارة . 

(الصورة الشعرية) من المصطلحات التي يهتم النقاد بها ، حيث تربعت في نصوص الشعر القديم رغم اختلافها عما عليه الآن ، حتى اعتبرها (الجاحظ  و الجرجاني) دلالة حسن التعبير وحسن الصياغة ، ولايقوم الشعر ألّا بها . 

إن الصورة الشعرية  تكشف عن اصالة تجربة الشاعر ، ومدى عمق رؤيته في صياغة نصوصه الأدبية . والنص الشعري الذي يكون عاريا من هذه الصور لايمكن ان يرتقي الى عتبات الابداع . فهي مخازن استعارة وتشبيه وكناية وعناصر بلاغية كثيرة وكبيرة. وتتولد هذه الصور من رحم خيال الكاتب او المؤلف ، والتي تترجم احاسيسه ليطلقها بصورٍ جاذبة لم تخطر على البال ، مما تولد لدى المتلقي حب المتابعة والاسترسال مع النص .

ــ استطاعت الشاعرة ان توظف هذه الصور الشعرية في هذا النص الادبي من خلال حركة إبداعية تناغمية ، لتناغي أحاسيس الشاعر العراقي الكبير (بدر شاكر السياب) رحمه الله تعالى ـ في شعرهِ ، وتعمل معه حواراً خطابياً رائعاً يكون محوره الماء من خلال سياحة أدبية فارهة بين متون قصيدة السياب (انشودة المطر ) وإطلالتها على قصيدة  (النهر والموت) والتي سنعرض جانباً منهما وبما يخص تلك السياحة والمناغاة .

بعضُ اسطرٍ من (انشودة المطر)

للشاعر الكبير / بدر شاكر السياب 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

” عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ ، 

أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ 

وترقص الأضواء … كالأقمار في نهَرْ 

يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر”

” ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء 

كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر ! 

كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ ”

” ودغدغت صمت العصافير على الشجر 

أنشودةُ المطر … 

مطر … 

مطر … 

مطر … ”

” تثاءب المساء ، والغيومُ ما تزالْ 

تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ .”

” أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر ”

“وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ 

من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى .

وأسمع الصدى 

يرنّ في الخليج 

” مطر .. 

مطر .. 

مطر ..  ”

……………………………………………

بعض اسطرٍ من (النهر والموت)

للشاعر الكبير / بدر شاكر السياب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

” أجراس برجٍ ضاع في قرارة البحر

الماء في الجرارِ و الغروب في الشجر 

و تنضح الجرار أجراسا من المطر”

” يا نهري الحزين كالمطر 

أود لو عدوت في الظلام ”

” لألمح القمر 

يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال 

و يملأ السّلال 

بالماء و الأسماك و الزهر”

” أودُّ لو غرقتُ في دمي إلى القرار 

لأحمل العبء مع البشر 

و أبعث الحياة إن موتى انتصار ”

……………………………………….

وامامنا الان نص الشاعرة ريم البياتي والذي يحمل عنوان 

( القيظ والجحيم)

ـــــــــــــــــــــــــــ

وربَّ دمي من بعض مائك ياعراق .

قيظ الجحيم …

شاخت عيون النخل  ،

وارتعش اليباس يحزُّ أوردة الشجرْ .

يابدر قم .

أين المطرْ ؟؟؟

عطشَ الفرات وضفتيه جرار ملحٍ

تحتسي ظمأ النخيل ،

وغضبة القيعان في حدق القمرْ .

سقط المطرْ ….

لكنّه في غفلة الفقراءِ

خالفَ دربهم ،

وهمى على ثغرِ الجرارِ هناك حيث يخزِّنونْ ،

حتى العُذيب هناك خالف طبعهُ ..

وكأنمّا دمع العطاشى …. لم يخالط سمعهُ .

ياربّ ….

حتى الماء في وطني تعلّم أن يخونْ ،

ويبيع قلباً للمجونْ  ؟؟؟؟

من أين نرتشف الندى ،

وشفاه أهلي مذ أتانا السيل

غادرها الندى ؟؟؟

ياغربة الفقراء في وطن المياه ،

وأهله يتجرّعون سُعارهم*  ،

وينازعونْ .

 

**********

ياعاشقاً  ….

منذ اخضرار الأرض 

و(الرعناء)* تزرعُ ضحكةً في وجنتيكْ ،

فتميل تلثم ثغرها المغناجِ .

تغسل ساقها الفضّي .

تغزل من أقاصيص الهوى لضفيرةٍ في الليل

تفرد جانحيها العاشقين

على لواعج راحتيكْ .

فمَن الذي أغراك أن تدع الهوى ،

ويغور شريان الحياة بمقلتيكْ ؟؟؟

 

*********

للبصرة الفيحاء من قيظِ الجحيم ،

كما بلادي ….

عطشٌ ….

فيا (أرض السواد) ..

بكلّ عصرٍ

يوصِدُ النمرود أبواب الحياة ،

فيفتح الأبواب أضعف خلقه .

ويموتُ صادي * .

عجزَ الزمان ومالَ يا ابن معرَّتي ، 

وتغيّرت حُجُبَ الطريق ،

وأحجمتْ سفن الرشاد ،

فلْتَعْقَمِ السحب الهتون إذا تحجّر دمعها  ،

واستعصمتْ تلقيه احمالاً ..

على تلك الوهادِ .

……………………………………………………

* سعارهم : شدة عطشهم 

*الرعناء  : احد اسماء البصرة 

* صاد    : ساتر ومانع 

ــ كعادتي أتقدم بعرض النصوص قبل الولوج في نقدها وتفحّص محطات الجودة فيها ، كي يستطيع المتلقي من الاطلالة والتعرف على ما سنتناوله في هذا المقال .

ــ اختارت الشاعرة قصيدة (إنشودة المطر) وهي من القصائد الفخمة للشاعر الكبير (بدر شاكر السياب) ثم عطفت على بعض جوانب قصيدة (الموت والنهر) فملأت مسقاتها عناصرا من هذا النص وذاك لتجعلها ركائز انطلاق في التأليف ، وانتخبت مفردات مثل ( بدر ـ المطر ـ عيناك ـ القمرـ الجرارـ النخيل ـ السحاب … وغيرها) لتجعل من هذه العناصر مُـتَّكأ ً تنشيء عليه هيكلاً بالغ الروعة مزخرفاً بأجمل الصور الشعرية . ولم تطرّز قصيدتها بصور شعرية مُستقاة من نصوص شاعرنا السياب ، بل احسنت النسج والتصوير المستقل حين جعلت النص كتلة كبيرة من النداء المُكرَر والذي ابتدأته بـ (يا بدرُ قُـمْ) لتُـريهِ ما وصل اليه حال الماء و(المطر) ، والحال المزري للجرار التي كانت متخومة بالماء ، وكيف ان النخيل المعانق للشطآن بات أعجاز نخل خاوية . وهذا التناغم الندائي بمراميه المتعددة قد اعطى للنص قيمته الإبداعية والبلاغية البارزة والظاهرة امام للذوق السليم .

ـــ هكذا نص يعكس دراية الشاعرة وسعة إطلاعها على تجارب الشعراء الكبار الرواد في الوطن الكبير ، ويعكس كذلك نوعا من الابداع في هيكلة هذا النص . فالشاعرة ارادت ان تخاطب عطش البصرة وجفاف أنهارها ، فوضعت امامها رمزاً بصرياً وهو الشاعر الكبير (بدر شاكر السيّاب) لتنطلق من خلاله الى ما تصبو اليه .

والسؤال : لماذا السيّاب دون غيره من ادباء البصرة ؟

الجواب : لان السياب هو ابن البصرة ، وابن مدينة (ابي الخصيب) المدينة الخضراء ، ذات الشبكة الكبيرة من الأنهار والسواقي  . ثم ان السياب هو أكثر مَن خصص قصائداً قد نَطقَـتْ بحروفٍ كُـتِـبَـتْ بماءِ هذه الانهار ، بل وخاطب حتى المطر ، وهذا الاختيار الذكي يُحتسَب للشاعرة ، وهو عنصر جودة وابداع في كنانتها ، ودلالة حُسن اطلاع على قصائد وأدب الكبار.

ــ منذ الوهلة الأولى أسَّسَت الشاعرة ركناً انتمائياً روحياً وجدانياً ، فنسجَتْ سطرها الأول :

” وربّ دمي من بعض مائك ياعراق . ”

ثم مالبثت ان أردفته بصورٍ جميلة أخرى توضح فيها طعم الجفاف المر الذي حلَّ بالرافدين :

” قيظ الجحيم

شاخت عيون النخل 

وارتعش اليباس يحزُّ أوردة الشجرْ ”

هذه الصورة الشعرية النبيهة قد أجادت في وصف عمق الجفاف ، وامتداده من الأعلى حتى الأسفل ضمن فضاء تخيلي رائع ، وهذا يبدو واضحاً في موت الثمر في عذوق النخل  (شاخت عيون النخل) وجفاف عمق الأرض لتموت جذور الشجر (وارتعش اليباس يحزُّ أوردة الشجرْ)

ــ وبعد هذا المطلع والابتداء المكثف الجميل جاءت الشاعرة بنداء مباشر الى شاعرنا الكبير (السياب) لتبدأ بسرد الحال الآني ، وتُخبرهُ بأن ما وصَفْـتهُ في قصائدكَ وكل الامنيات قد تلاشت . لذا فقد استخدمَت الشاعرة فعل الامر (قُـمْ) وكأنها تريد أن توقضه من مضجعه لتشرح له الحال ، ولولا هذا السطر لاصبح نسجها لاقيمة له ، فالخطاب لايسمعه الموتى ، انما بهذا السطر قد هيأت عتبة الدخول الى القصد والمرام والهدف واستجمعت ندائاتها (السبع) …. فقالت في اول نداء :

” يا بدرُ قُـمْ ”

وهكذا افتتاح لمقطع النص هو من ابلغ الابتداءات  وأرزنها ، فهي تبلّغ المتلقي بأن ماسيندرج تحت هذا النداء هو مستوحى من احاسيس هذا الشاعر الكبير لكنه جاء بلغَةِ اليوم وعنوان القادم .

ـــ إن شاعرنا السياب يتغنى بالمطر في قصيدته الرائعة (إنشودة المطر) ويكرر مفردة المطر عدة مرار ، فيقول :

” مطر … 

 مطر … 

 مطر … ”

حتى انه يضع ثلاث نقاط بعد كل مفردة (مطر … ) للدلالة على اتساع فضاء المعنى للمطر ودلالية للغزارته . لذا فقد وضعتْ الشاعرة احاسيس هذه القصيدة نصب عينيها لتستوحي منها مايقدح المَلَكَة .

من هذا الفيض الجمالي الوافر بالاحاسيس والبيان الساحر في نسج (السياب) تلقي الشاعرة ريم البياتي تساؤلاً   :

” أين المطرْ ؟؟؟  ”

ــ والسياب يصف فيض الماء وغزارة المطر باجمل وصف عندما يقول :

” الماء في الجرارِ و الغروب في الشجر 

و تنضحُ الجرارُ أجراسا من المطر”

فتتوغل الشاعرة في نسج السياب لتناغمه وتبعث حسراتها وألمها وتخاطبه بأجمل خطاب : 

” عطشَ الفرات وضفتيه جرار ملحٍ

تحتسي ظمأ النخيل ،

وغضبة القيعان في حدق القمرْ ”

ــ ثم ترنو الشاعرة الى قول السياب وهو يراقص بألفاظه قطرات المطر :

” ودغدغت صمت العصافير على الشجر 

أنشودةُ المطر … 

مطر … 

مطر … 

مطر … ”

ــ فتجيبه الشاعرة بنسج جميل والفاظ بهية قد لَـفَّـتْها غصة كبيرة فتقول 

” سقطَ المطرْ ….

لكنّه في غفلة الفقراءِ

خالفَ دربهم ،

وهَمى على ثغرِ الجرارِ هناك حيث يخزِّنونْ ”

ــ هنا تبعث الشاعرة بخاطبها الى السياب وتصف له الحال بأن المطر قد نزل لكنه لم يملأ جرار الفقراء هذه المرة ، وصوته لم يدغدغ صمت العصافير على الأشجار ، فلقد نزل ليملأ اودية وجرار الأغنياء ــ والمطر هنا جاء رمزاً للخير والمال ــ حتى سال من خزائن السرّاق لكثرته تاركاً الفقراء يلهثون . هنا استخدمت الشاعرة إشارة قوية لتصوير تغيّر النبض السياسي واستهتار المسؤولين بمقدرات البلاد ، ونهب خيراته . وقد نسجتْ الشاعرة قُماشتها بالفاظ رشيقة مدروسة . مثلا في استخدام لفظة (هَمى) بمعنى (سالَ) وهو استعمال مناسب جدا لصورة امتلاء الجرار ، حيث يفيد التدفق والانسكاب .

ــ يصف السياب هذا النهر المتدفق بالمياه والخير والبركات ، فيأتي بكل لفظ جميل بليغ يعبر عن نشوة هذا النهر وازدهاره  في تلك الفاصلة الزمانية  فيقول :

” لألمح القمر

يخوض بين ضفتيكَ يزرع الظلال 

و يملأ السّلال 

بالماء و الأسماك و الزهر ”

ــ فيأتي حوار الشاعرة بأسطر معطوفة على ماسبق لتكمل الوصف وكأنما تقول للسياب :

ليتك تدري بحال الأنهار هنا ، حتى (العُذيب) ـ وهو رافد قرب مدينة قادسية العراق ـ قد غيَّر جريانه ، وتوقف لنضوب مائه …. فتقول :

” حتى العُذيب هناك خالف طبعهُ ..

وكأنمّا دمع العطاشى …. لم يخالط سمعهُ . ”

ــ لنتأمل هذا الوصف في السطرين أعلاه ، فما اجمل المجاز في وصف جفاف النهر عندما تقول (حتى العذيب هناك خالف طبعهُ) ثم تنسج تشبيها بلاغيا رائعا لتزيد الوصف بغصّة أخرى وهي تصف توقف هذا النهر عن الجريان ، وكأنه لم يسمع صراخ العطاشى ، لكن المُلفِت للنظر أن الشاعرة لم تستعمل لفظة (صراخ) او (بكاء) بل جاءت بلفظة (دمع العطاشى) فهل يُسمَع الدمع ؟

نعم … هذا ما نوصي به في التعبير واستخدام المجازات لتفعيل البلاغة ، فالشاعرة استخدمت مفردتي (دمع ـ يخالط ) في تركيب هذا السطر (  وكأنمّا دمع العطاشى …. لم يخالط سمعهُ) والدمع أحيانا يكون ابلغ في إيصال وتصوير الألم للمتلقي ، وهذا من أروع الاقتباسات والاستعارات في التعبير ، وهو الذي صبغ هذه الصورة الشعرية بهذا الفضاء البلاغي المهيب ، فالدمع عنوان البكاء ، والسمع لاينفرد في التحسس للبكاء فقط بل تخالطه الكثير من الأصوات والاستغاثات الأخرى ، فمفردة (خالط) جاءت في محلها وهذا نسج ذكي .

ــ الآن أضع العدسة على مقطع كبير بصورته الشعرية وبليغ في اشارته ، وكم توقفت عنده للتبضع من جماله وروعته :

” ياربّ

حتى الماء في وطني تعلّم أن يخونْ

ويبيع قلباً للمجونْ  ؟؟؟؟ ”

ــ هذا التصوير يحتوي على كمٍّ كبير من الحس ، وهو يحمل استعارة كبيرة رغم بساطة الالفاظ وابتعادها عن التعقيد والفخامة ، إلا انها رُصِفَت بيد نسّاج ماهر، فحبكت الشاعرة خيوطها بمتانة ، وأتت بنداء استغاثة ابتدأته بـ (يارب) ، ولشدة تأثر الشاعرة من خيانة الكثير لاوطانهم بل وبيعها بأبخس الاثمان نراها ترسم هذه الصورة المعبرة المبهرة ، وتستغيث بالخالق من أن حتى الماء في الوطن تعلم ان يخون ، ويبيع ضميره وجوهره ليصبّه عنوانا للعبث واللهو والمجون ، وهذا ما لايناسب مقام الماء الذي هو رمز الحياة ، لكن استفحال الخيانة وتراكم الفساد الإداري هو الذي صنع هذا الجفاف ، وجعل الكل يتعلم هذه السمة الخؤونة وكأنها صارت خلقا جديدا .

أليس هذا التصوير يستحق الثناء ؟؟

ــ الشاعر الكبير (بدر شاكر السياب) وكأنه يقرأ المستقبل فيصور الحال ويقول ، رغم وفرة خيرات بلادي ، وزهوّ أنهارها ، وتراكم سحبها ، وغزارة امطارها ، وتزاحم ازهارها التي ترَبَّتْ وتغذَّتْ على ماء الفرات ، إلا ان رحيقها مازال ممنوعا على ذائقة الفقراء ، لوجود الف افعى والف سارق وناهب وفاسد قد إستحوَذَ على ما لا يستحق … فيقول :

 “وفي العراقِ ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ 

من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى .”

ــ بعد هذا السيل الادبي الجارف ، نلاحظ الشاعرة تشاطر السياب هذا الاستنتاج والاستقراء الذكي فتشاركه الخطاب بأن (حتى الندى قد غادرنا منذ ان أتاها السيل ) وهذه صورة شعرية أخرى بليغة ، والسيل هو الماء المتدفق الجارف لكثرة الامطار وغزارتها ، لكن كيف لهذا الكم المائي الوفير أن يُخفي الندى ؟؟

فالسيل المعنيُّ هنا هو مجاز للسيل السياسي الذي كنا نتوقعه خيراً فجاء محملاً بالخيانة ، وجارفاً لكل خير . ثم تردفه بنداء تعجبي وكأنها تقول (يالغربة الفقراء في وطنهم الذي عنوانه الماء لكثرة انهاره وغدرانه ، فحتى الندى الذي وصفه السياب قد غادر ازهاره ، ولشدة العطش باتوا يتجرعون النزع الأخير) فتُصوِر الشاعرة هذا الحال في اجمل خطاب : 

” من أين نرتشف الندى ،

وشفاه أهلي مذ أتانا السيل

غادرها الندى ؟؟؟

ياغربة الفقراء في وطن المياه ،

وأهله يتجرّعون سُعارهم  ،

وينازعونْ . ”

ـــ تخاطب الشاعرة شاعرنا السياب ، والذي تغزَّل بحبيبته التي يعشقها وافتتح قصيدته متغزلاً بعينيها :

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ ، 

أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ 

وترقص الأضواء … كالأقمار في نهَرْ ”

ــ لقد استخدم (السياب) في وصفه لحبيبته كل مفاصل الجمال الطبيعي في البصرة و العراق ، حتى ان بعض النقّاد جعلها في مرتبة القصائد السياسية لشدة عمقها الوصفي لمفاصل الطبيعة .

ــ لا تلبث الشاعرة ان تأتي بنداء آخر للسياب وتناديه بـ (العاشق ) وتذكّره بجمال مدينة البصرة وفضلِها على الجميع لكثرة خيراتها . حيث استخدمت لفظة (الرعناء) في تسمية (البصرة) وهي تسمية يعتبرها البعض انها مشتقة من (رعن الجبل) أي مقدمته ، لكن (الجاحظ) يميل الى ان سبب التسمية يعود الى تغير طقسها على مدار اليوم ــ وأنا أميل الى هذا التعليل ــ كون البصرة منخفضة السطح لايتطابق وصفها بـ (رعن الجبل) وهي متقلبة الطقس في اليوم الواحد فعلا لتنوع مايحيط بها من عوامل بحرية ، وكثافة نبات ، ومسطحات مائية (أهوار) وصحراء وغيرها من المؤثرات .

فتلوم الشاعرة السياب لتركه العشق ، وتتسائل مَن الذي اغراك يا أيها السياب العاشق لتترك العشق ، وقد اشارت هنا الى فراقه للحياة ، وهي بهذا تتمنى ان يكون (السياب) حيّاً عاشقاً خالدا ليخلد معه ماء ومطر البصرة في قصائده .

ــ ثم تقول الشاعرة ان ما وصفه السياب من خير وجمال في طبيعة البصرة والعراق قد غار ونضب . ولذكائها جعلت غور الماء في (مقلتي) السياب ، كي تأتي باجمل نشيد وصفي :

” ياعاشقاً  ….

منذ اخضرار الأرض 

و(الرعناء) تزرعُ ضحكةً في وجنتيكْ ،

فتميل تلثم ثغرها المغناجِ .

تغسل ساقها الفضّي .

تغزل من أقاصيص الهوى لضفيرةٍ في الليل

تفرد جانحيها العاشقين

على لواعج راحتيكْ .

فمَن الذي أغراك أن تدع الهوى ،

ويغور شريان الحياة بمقلتيكْ ؟؟؟ ”

ــ ثم تميل الشاعرة بكفتها الشعرية المدهشة لتربط الوترين معا ، كونهما يعزفان ذات اللحن وذات الألم ، فتخاطب (سوريا) وتقول بأن حال البصرة العطشى  وحزنها كحال بلادي ، وتضع ندائها (فيا ارض السواد) ــ وكان جنوب العراق يسمى بأرض السواد لتزاحم نخيله واشجارة ولكثافة زرعه ــ ثم تعطي استذكارا رائعاً بأن الحال على مرِّ العصور عندما يأتي الطغاة كالنمرود فإنهم يوصدون أبواب الحياة امام شعوبهم وامام الفقراء ، لكن الله سيعطف عليهم ، ويجنّد اضعف خلقه كـ (البعوضة) حين أرسلها للنمرود لتطيح بكبريائه وجبروته ــ وهنا جاءت بالبعوضة رمزاً للفقراء ــ وقد جاء هذا النسج بصيغته المكثفة الدالّة على حكاية تاريخية ، حيث استطاعت الشاعرة ان تقدمها بذكاء ، وخاصة عندما ختمت المقطع بـ (ويموت صادي) أي مَنْ غلَّق أبواب الحياة امامي :

” للبصرة الفيحاء من قيظِ الجحيم ،

كما بلادي ….

عطشٌ ….

فيا (أرض السواد) ..

بكلّ عصرٍ

يوصِدُ النمرود أبواب الحياة ،

فيفتح الأبواب أضعف خلقه .

ويموتُ صادي  . ”

ــ هكذا نص ابداعي لابد للشاعرة ان تختمه بمقطعٍ لذيذٍ يبقى طعمه غافياً على لسان متذوقيه ، فتضع ندائها السابع لأبن (معرَّتها) فتقول : 

” عجزَ الزمان ومالَ يا ابن معرَّتي ، 

وتغيّرت حُجُبَ الطريق ،

وأحجمتْ سفن الرشاد ،

فلْتَعْقَمِ السحب الهَتون إذا تحجّر دمعها  ،

واستعصمتْ تلقيه احمالاً ..

على تلك الوهادِ .”

ــ والمعرَّة تعني الأرض القليلة النبات ، وهذه الكنية ذكية التعبير والاشارة  ، ثم توضح كيف تغير الحال ، مستخدمةً الفاظاً غاية في الروعة وفي تناسب وتناسق تام مع المعنى .

فمثلاً (تغيرت حجب الطريق) أي الحواجز والتفرعات ، وكذلك استخدامها لهذه المفردات في العبارة المجازية الكبيرة (أحجمت سفن الرشاد) أي توقفت وامتنعت العقول الراشدة السويّة عن الإبحار . ثم تأتي بلفظة (هَتون) في عبارة (فلْتَعْقَمِ السحب الهَتون إذا تحجّر دمعها ) والهتون على وزن (فَعول) من صيغ المبالغة وتعني السحب الغزيرة المطر ، والعبارة برمَّتها هي تصويرٍ مجازيٍ هائل ، وتصوّر التفجّر لأحاسيسِ الشاعرة (ريم البياتي) وصرختها المدوية ، حيث وصفتْ الحال بأن هذه السحب الثقال المحملة بالمطر الغزير إذا امتنعت عن المطر فوق سهولنا وأوديتنا ولن ترمي بأثقالها لتروي الظمأ  فلتكن عقيمة خيراً لها ولتفارق عنوان المطر.

وياله من ختامٍ بارعٍ ….. فلنتأمل هذا الختام  :

” فلْتَعْقَم السحب الهَتون إذا تحجّر دمعها

واستعصمتْ تلقيه احمالاً

على تلك الوهادِ ”

• المتأمل في هذه الصور الشعرية يجدها هي قلب بل وجوهر النص ، فلا معنى للنص دون ان يبعث فينا شيئاً من التأمّل والمفاجأة والدهشة ، لان الصورة الشعرية مرآة المجاز ، ودقة فَن النسج ، وبلاغة الخطاب . وهكذا إشارات وصورا مجازية ايمائية هي التي تُدهِش الخاطر ، وتكشف للناقد قوة ونوع قلم هذا الشاعر أو ذاك . وهذا النهج يحتاج الى قوة خاطر ، وخزين معرفي لايستهان به ، وتجربة ودراية فاعلة . ولن يتأتى هذا إلّا من خلال الاطلاع على تجارب الكبار من الادباء وفحولهم ، ومتابعة النقَّاد لمعرفة مكامن الجودة ، ومحطات البلاغة والابداع  في النسج والنظم . فلربما تأتي الصور الشعرية بمدلولات مغايرة للهدف والمرام من غير معرفة وادراك فتقلب النص راساً على عقب .

• ظاهرة تكرار النداء في ثنايا النص بـ (سبع مرات) هو ظاهرة صحية وتوكيدية ، فالنص بُنيَّ كله على مخاطبة عناصر قد ثبتتها الشاعرة امام بوصلتها التوليفية وهذا النداء اعطى مسحة بلاغية هادفة للنص .

• النص من النسج الرائع والرصف المتين ، ويحمل سمات الجودة والذكاء والابداع .

• استطاعت الشاعرة (ريم البياتي) أن تناغي وتناغم روح الشعر في قصيدتي شاعرنا الكبير(بدر شاكر السياب) دون المساس بالهدف والفكرة ، بل نجحت في عرض استقلالية بصمتها الأدبية من خلال توليفة ذكية مكتنزة بالمعرفة والنباهة.

• استعملت الشاعرة في نسجها لقصيدتها أسلوب التصوير المدهش من خلال ربط عناصر مادية بأخرى معنوية مع استثمار صورا متناقضة لتضفي على النص سمة الدهشة والجذب مستخدمة الأسلوب الطلبي وهذا ماظهرَ من خلال توافر الأمر والنداء والتعجب والاستفهام والتكرار وغيرها .

• من الجميل والابداع أن يعمل شعرائنا هكذا اسقاطات وسياحات أدبية في حقول وبساتين أدب الكبار لغرس شتلات ازهار جميلة عبقة تنشر ضوعها بين الارجاء متمثلة بصور شعرية بليغة متينة السبك والنسج بشرط الحفاظ على الثوابت وأدب النفس والدرس .

تقديري الكبير ….

……………….

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"