تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة:
“صيّاد اللآلىء” وهو عنوان أحد الكتب المهمة الكثيرة والمتنوعة (أكثر من 50 كتاباً) للمبدع الكبير العلامة الدكتور علي القاسمي ينطبق عليه في كتابه الجديد هذا “طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات” ، ففد اصطاد لنا القاسمي من بحر ذاكرته الزاخر وسيرته الحياتية العطرة المكتنزة بالتجارب هذه الذكريات التي تمتزج فيها متعة القراءة بعِبَر التجارب الحياتية البليغة. وقد تكرّمت روحه النبيلة بنشر هذا الكتاب متسلسلاً في موقع الناقد العراقي. فتحية كبيرة له من أسرة الموقع متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد وحفظه الله ذخراً لثقافة وطننا العراق العظيم.

(10)

البرفسور جيمس سليد
سليط اللسان

كان الأستاذ جيمس سليد James Sledd ( 1914 ـــ 2003) من أكبر علماء اللغة الأمريكيين في أواسط القرن العشرين. وعندما كنتُ طالباً في الجامعة الأمريكية في بيروت في منتصف الستينيات من القرن العشرين، درسنا كتابه “مقدمة وجيزة للنحو الإنجليزي” A Short Introduction to Englsih Grammarبوصفه أفضل ما أنتجه علم اللغة الأمريكي لفائدة الطلاب آنذاك.

وعندما التحقتُ بجامعة تكساس في أوستن سنة 1970، كان المشرف على دراستي وأطروحتي للدكتوراه البرفسور آرتشبولد أي هيل Archibald A. Hill( 1902 ـــ 1992) الذي كان آنذاك في السبعين من عمره وكان رئيساً للجمعية اللغوية الأمريكية، ورأْس المدرسة اللغوية البنيوية في أمريكا، بينما كان نعوم تشومسكي الأستاذ في معهد ماسشوست للتكنولوجيا (MIT ) رأس المدرسة التوليدية التحويلية. وكان كتاب أستاذي آرتشبولد أي. هيل الموسوم بـ ” بنيات لسانية” Linguistic Structures من أهم مراجع المدرسة اللسانية البنيوية الأمريكية. ولقد تابعتُ جميع المسارات (الدروس) التي كان يعطيها في الجامعة خلال سنتيْن، حتى دروسه في النقد الأدبي البنيوي، الذي هو رائده.

ولكن الأستاذ الوحيد الذي يعطي مساراً (دروساً) في ” صناعة المعجم” هو الدكتور جيمس سليد. ويلقي هذه الدروس في فصل الخريف فقط ولا يُقبَل فيها إلا طلاب الدراسات العليا. ولأني كنتُ أروم أن أكتب أطروحتي عن ” صناعة المعجم” فقد انخرطتُ كذلك في دروس الدكتور جيمس سليد.

كان جيمس سليد شديد الذكاء ولكنه حادُّ الطبع، ويشتم طلابه، فيردون له الصاع صاعيْن تلميحاً وليس تصريحاً. رجوته أن يسمح لي بتسجيل محاضراته بآلة تسجيل لدي، فسمح لي بذلك. ولكنه كان كلَّما انزعج لسبب أو لآخر، يقول لي قبل أن يصبّ شتائمه علينا:
ــ علي، هلا أطفأتَ ذلك المسجّل؟
فأضع يدي على آلة التسجيل متظاهراً بإيقاف التسجيل، وأستمر في تسجيل شتائمه. وبعد أن يغادر الأستاذ غرفة الدرس، أقول لزملائي مازحاً:
ـ هل تريدون أن أسمعكم ما قال البرفسور سليد في حقّكم؟

ذات يوم دخل الدكتور سليد غرفة الدرس، وخاطب أحد الطلاب قائلاً:
ـ جوني، أين كنتَ ليلة أمس حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً؟
ـ كنتُ مع زوجتي في الفراش. لماذا؟
ـ هل لديك شاهد على ما تقول؟
وهنا تساءل الطلاب قائلين:
ـ ما خطبك، يا أستاذ؟
قال البرفسور:
ـ لقد هاجمني أحدهم ليلة أمس وأنا في طريقي إلى منزلي وسلب مني محفظتي. كان ملثماً، ولكن له طول جوني وهيئته.

وذات يوم تغيّب الأستاذ جيمس سلد يوماً أو يومين بعد عطلة من العطل. وعادة يقوم الأستاذ بتعويض ما فاته من الدروس بعد عودته. وعندما عاد واجتمع بنا، اعتذر عن غيابه قائلاً:
ـ كان الجو رائعاً على شاطئ البحر في خليج المكسيك حيث أمضيت عطلتي أنا وزوجتي فمدَّدناها يوميْن. أنصحكم بتمضية عطلكم في شواطئ كوربس كريستي.

قال له أحد الطلاب مماحكاً:
ـ إذا كان الجو قد أعجبك على الشاطئ، لماذا لم تبقَ هناك؟
قال الأستاذ:
ـ زوجتي لم تسمح بالإنفاق أكثر على هذه العطلة. (والعادة أن الزوجة الأمريكية هي المسؤولة عن تدبير نفقات العائلة).
قال طالب آخر
ـ لو أعلمتنا لدفعنا لك جميع النفقات اللازمة بكل سرور. (ملمّحاً إلى استعداد الطلاب لدفع المال من أجل التخلُّص من رؤية الأستاذ).
أجاب الأستاذ:
ـ ستكون المنفعة متبادلة. (أي أنه هو الآخر يرغب في التخلّص من رؤيتهم).

أما أنا فقد أحببته، لأنني كنتُ منبهراً بعلمه، وممتنّاً للعبارات الكريمة التي يكتبها على البحوث القصيرة الأسبوعية التي أقدّمها إليه، مثل “ أنا سعيد أن يكون لي طالب مثلك.”

وعندما حلّ وقت تشكيل اللجنة المشرفة على إعداد أطروحتي ومناقشتي، وتُشكَّل هذه اللجنة، حسب التقاليد الجامعية الأمريكية، بالاتفاق بين الطالب ومشرفه، كنتُ أتشاور مع أستاذي المشرف على الأطروحة الدكتور آرتشبولد أي. هيل، عن أسماء الأساتذة السبعة الذين سيشتركون في هذه اللجنة، اقترحتُ اسم البرفسور جيمس سليد. وهنا نظر إليّ البرفسور آرتشبولد أ. هيل باستغراب وقال:

ـ من المؤكَّد أنك لا تريد أن يكون جيمس سليد أحد أعضاء اللجنة التي ستناقشك في اطروحتك؟ إنه سليط اللسان. تصوّر أنه كان في إحدى جلسات الجمعية اللغوية الأمريكية التي كنتُ أرأسها، وبعد أن قدّم أحد الأعضاء الكبار دراسةً، قام جيمس سليد وأخذ ينتقد الدراسة، وبالغ في نقده، وأمعن فيه، وتفنن في الاستهانة بالدراسة، حتى سقط صاحبُها المسكين مغشياً عليه.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"