تابعنا على فيسبوك وتويتر

السباعي .. التخيل وصراع الواقع2 – 2
لوحة الدم بإنفعالات رافضة

وجدان عبدالعزيز
ناقد

صوت لجوج يأمر :
ـ احرقوه !
انطلق لسان النار يلعق جسد ادم مثل قطة تلعق جسدها بلسانها … آه … ي آدم . آه … يا آدم … /ان الانسان لفي خسر/ نار وموت . موت ونار . اجتاح الحشد فرح مجنون . اضطرب ، ماد ، تدحرج ، آدم ، وفر هاربا ، امتدت النيران تأكل اكوام القمامة ، والارض وحدها تصلي /صلاة الخسوف/ المتسولون يتضرعون : “ياحوته هدّيه .. هدّيه .. هذا عور شلج بيه”) ، وقد نعتمد أنموذج إيزير الذي يمكن أن يستَخلَص من النصِّ عبر توجيهات تتضمّنُ كلّ الإرشادات الكامنة في النصِّ القصصي والتي يتعذّر تلقي النص وفهمه بدونها. والمقصود بذلك أن معنى النصِّ ينبني بنفس الطريقة بالنسبة لجميع القرّاء. ولكن الاختلاف في فهم هذا المعنى من قارئ إلى آخر يعود إلى اختلاف العلاقة التي يُنشئها هذا القارئُ مع النصِّ عن تلك التي يُنشِئها القارئُ الآخر مع نفس النصِّ. فكلُّ قارئٍ ينفعل انفعالاً خاصّاً به مع أنّه يسلكُ عينَ سُبلِ القراءة التي يفرضُها النصُّ على جميع القرّاء. وهذا يدلنا الى القارئ المُستَتِرِ في ثنايا النصِّ والذي يقوّي من دور القارئ الحقيقيّ ،وهذا الامر قد أنجب بدوره سلالة عريضة تثير الدهشة. (إن النقص الحقيقي في القدرة على التأكد وفي القصد المحدد، هوبالضبط يحدث التفاعل بين القارئ والنص، وهنا يوجد ربط حيوي بين الثنائي. فالنص يثير باستمرار وجهات نظر متغيرة لدى القارئ. ومن خلال هذه ” الوجهات يبدأ اللاتماثل في فسح الطريق لبلوغ الأرضية المشتركة لوضعية ما. ولكنه من خلال تعقيد البنية النصية، يصعب على هذه الوضعية أن تكون مشكلة بصورة نهائية من طرف إسقاط القارئ ، فالنص بخلاصة موجزة، هونسق كامل من مجموعة من العمليات، وفي هذا النسق يقع مكان يخص الشخص الذي ينبغي عليه أن ينجز إعادة التركيب. هذا المكان يتميز بالفراغات القائمة في النص، وهو يتكون من البياضات التي يجب على القارئ ملؤها، وبالطبع فإن هذه البياضات لا يمكن أن تملأ من طرف النسق نفسه، وبالتالي فإنه يستتبع ذلك أنها لا يمكن أن تملأ إلا من قبل نسق آخر. ومتى سدَّ القارئ هذه الفراغات بدأ التواصل. فالبياضات والفراغات النصية، تترك الروابط مفتوحة بين المنظورات في النص، وبالتالي فهي تحث القارئ على التنسيق بين المنظورات، من خلال إنجاز العمليات الأساسية داخل النص، وذلك بدافع أن يتبنى القارئ في آخر المطاف موقفا يتعلق بالنص.) ، اذن تأويل النص هو اتباع مساراته ، (لقد حدّد القارئ بين أفقين للانتظار، أفق سابق، يكون عليه المتلقي قبل التقائه بالنّص، ويشكل جملة الاقتناعات التي ترسبت بفعل القراءات المتعددة، والتي يحيل عليها القارئ ما يقرأ، فتكون مرجعيته الأساسية، وتنسج قيمه ومعاييره الشخصية. إلاّ أنها دوماً عرضة للتحول والتبدّل بفعل كل جديد يشكك في اقتناعاتها ومقاييسها، وهو ما أسماه “بارت” بالنصوص السابقة التي تقرأ النصّ الجديد ، أما الانتظار الثاني وهو عامل ناتج عن تمازج النصّ بالقارئ أثناء القراءة إذ تعتري الأفق السابق مخالطة قد توافقه أو تخيب آماله، ويركز “ياوس” على عامل التخييب الذي من شأنه زحزحة الموروث وتطعيمه أو تحويله وتبديله، وخلق أفق جديد يخلفه فيتيح للنص سبل تقديم معايير جديدة تتجاوز السائد. ومن هنا كانت حاجة “إيزر” إلى اعتبار النص “علامة ملموسة” تنشعب إلى قطبين: قطب “فني” يمثله المؤلف، وقطب “جمالي” يمثله القارئ المدرك، ولا يتحقق العمل الأدبي إلاّ نتيجة التفاعل بين القطبين، ويقرّ “ياوس” صعوبة وصف هذا التفاعل لأننا لا نتوفر إلاّ على الشيء اليسير من ميكانيزماته) ، وهذه الاشكالية قد وضعنا في دائرتها الكاتب السباعي ، وجعلنا نتلمس علامته عبر قطبين : قطب المؤلف الفني ، وقطب القاريء الجمالي ، والتركيز على المتون وفتح فضاءاتها ضمن البحث عن قصدية المؤلف التي اشرنا لها سابقا …

ريبة وشك
ويعطي جمالية للريبة والشك من خلال قصة (وتبقى قطام) بحوار يثير الشك تخلله وصف لقطام (رافضة ، مستقرة ، كانت قاسية ، حادة ، عريضة النهاية اخترقت مسامع النسوة ، ثقيلة كالحجر الذي وضع فوق صدر “بلال”) من هذه الاوصاف اسس الكاتب لمحمولات “قطام الدلالية” والتي تتوافق مع رؤيته الرافضة المنبثة في مسامات جميع قصص (زليخات يوسف) .. النص الاتي من قصة (وتبقى قطام) يقول : (نظرت قطام باتجاه الشمس بعينين نصف مغمضتين ثم بعينين مفتوحتين صوب ظلها ، رأت جسدها بلا ظل ، حاولت فرش ظلها على جدار المسجد ، لا ظل فقط جدار ابيض وظل رمادي مزرق ترشح من شجرة اللبلاب ، تطلعت ناحية المصليات بعينين ناريتين آمرتين بعدها تفوهت بكلمتين متمردتين :

ـ انزعن عباءاتكن :

ـ …………………………

صمت محايد شكل متاهة ، واسعا مثل صحراء الجزيرة ، صار مرآة تكسرت بكلمتين جرانيتين آمرتين:

ـ انزعن عباءاتكن

استمر الصمت محايدا غير منحاز لنداءات قطام :

ـ اخلعن قيد عبوديتكن

علقت احدى المصليات باندهاش :

ـ والنداء .. !؟

/مداخلة واقعية/ خلف حشد المصليات رجل مربوع القامة ، يندلق من عينيه الحمراوين غضب ساخن ، عنوة كرعت زوجته قنينة مملوءة من البنزين ، ضغط على زناد قداحته ، فكانت النار ما رأته قطام.

انفجرت :

ـ ارأيتن . الرجال لايعرفون اقامة العدل ؟!

اعادت المصلية سؤالها :

ـ النداء ..!؟

قالت :

ـ كيف ترضين ان يعاشركن رجل لايعرف القسط ؟)

وحينما نضع النص اعلاه تحت مشرط التحليل بكل تفاصيله ، ولاسيما تلك التناصات مع قصة ادم وحواء و”سيميا” زوجة النبي لوط وقضية اللوح المحفوظ بطريقة الحوارالذي ادى الى تطوير موضوعها للوصول بها إلى النهاية المنشودة.وخفف من رتابة السرد وساعد في رسم شخصيات القصة..فالشخصية لا يمكن أن تبدو كاملة الوضوح والحيوية إلا إذا سمعها القارئ وهي تتحدث..وساعد ايضا على تصوير موقف معين في القصة أو حالة نفسية مثل الخوف أو الكبت أو الغيرة أو التردد أو الوفاء أو حدة الطبع أو الشجاعة أو الجبن وما إلى هذا كله من مختلف الحالات النفسية التي تكون عليها. واجاد الكاتب السباعي هنا الحوار ، حيث اظهر معالم نفسية قطام وثورتها المحتجة والتي تلتقي برؤية الكاتب الرافضة .. والظاهر مسار البحث من خلال شخصية قطام “وما ادراك ما قطام؟” يرينا علاقة الانسان النفسية مع الاخرين ، بانها قائمة على المحبة والاحترام والفهم والتجاوز ، كما يعبر عنه علماء النفس بحاجة الانسان (لأن يكون مبدعا او خلاقا بالشكل الذي يستطيعه ، والهوية ، أي شعوره بانه شخص متميز ومختلف عن الاخرين ) ، يعني حاجته الى : التحصيل ، الاستقلال الفعل المضاد ، الدفاع ، المجاملة ، السيطرة ، الاستعراض ، تجنب الاذى ، تجنب النقص ، اسناد الاخرين والى اخره هذه النزوعات حملتها شخصية قطام في تحقيق ذاتها وكما عبر عنها “ماسلو”و”روجرز” بانه الهدف الذي يسعى معظم الناس الى تحقيقه .. فالقراءة الفاحصة لنصوص الكاتب السباعي السردية تؤدي بنا الى استعادة القيم التي امتصتها تلك النصوص ، لكن انّى لنا هذا ؟ ونصوص السباعي اعلنت عصيانها على القراءة الواحدة ..

اما قصة (الجذر التربيعي للقمر) ، فكانت جملة من التساؤلات بطريقة اللامعقول لتصوير مأساة ستقع حتما من خلال ويلات الحرب ، حيث ان (شهرزاد تسكت عن الكلام المباح ، لسماعها اذاعة اعلانات متواصلة نقلتها كافة الاذاعات السمعية والمرئية :

اعلان/مطلوب محنط ماهر بخبرة لاتقل عن عشر سنوات

اعلان/درجة شاغرة لنجار خبير بصنع التوابيت

اعلان/على من يجد في نفسه القدرة على النواح الحضور الى قصر الامير شهريار..

اعلان/يرجى من الدفانين ، النواحين ، المرددين ، قارئي الادعية حضور موكب جنازة ..)

(ـ لا اله الا هو .. لايدوم الا وجهه .. ذو الجلال والاكرام ..

شحاذ يحجل على عكازة خشبية يدمدم بصوت شاك :

ـ لننتظر ! لن نخسر شيئا

قاريء ادعية نصحهم بصوت مشروخ مثل قطار سياحي :

ـ اصبروا حتى تصل الجنازة الى نصبها .

اضاءت الشمس بغروبها هامات النخيل بشعلات لازرودية ، والمشيعون ينظرون ناحية ضريح ابيض مهيب يكسو جدرانه رخام اشهب بدا الضريح تحت ضوء الشفق كأنه زفر نار على مجمرة الافق التي كست جدرانه نعاسا بلون الدم ، تجمع الدفانون ، المنافقون ، الشحاذون ، والسماسرة بين القبور مطوقين باسوار هلامية بنقاط التفتيش ، بائع اكفان يفشي سرّا :

ـ رجال الامير قد اشتروا مني كفنا يسع فرسا !

همدت مجمرة الكون في كانون الافق ، القمر بتربيعه الاول سجين جذره التربيعي ، يبكي بدموع من فضة تقطرت بالتماعات معدنية ، همست متحسرا :

ـ يا الهي ! التهم القمر جياع العالم الثالث .

فتح رجال انيقون دوو بدلات سود . ذهول ، ترقب ، اظهروا جثمان المرحوم :

“اربعة قوائم بيض رشيقة ، اذنان بيضاوان كبيرتان ، عينان سوداوان واسعتان وجسد ممشوق رياضي العضلات ينتهي بذيل ابيض طويل” .
سكتت شهرزاد عن الكلام المباح لسماعها بيانا مهما نقلته وكالات الاذاعات السمعية والمرئية ، بيان/ يتوجه بالشكر الامير شهريار الى السادة مشيعي جناز فرسه/.)

ادانة انسانية
هذا النص ومن خلال اللامعقول ، هو بمثابة ادانة انسانية وثورة احتجاجية .. تحدث الدكتور موفق الدين الكزبري مؤسس ورئيس أول رابطة سورية لحقوق الإنسان في 1962. توفي في 1999. في مقالة له في تساؤل مرّ ، كان اعتقادي ان هذه المقالة تعانق نص الكاتب السباعي اعلاه : (إن الأمور المعقولة هي الأمور التي يتقبلها مجتمع ما وفق مقايسسه وعاداته وأعرافه وتقاليده. وإن الأمور غير المعقولة هي المخالفة لما ذكر. لكن تطور الآلة المتسارع في العصر الحاضر لم يرافقه تطور فكري مماثل يشمل الاداب والفلسفة والفنون وهذا ما أحدث في الغرب هوة كبيرة بين الفكر التقليدي والفكر المعاصر المرافق للتطور الكبير للآلة والتقنية. مما حدا ببعض رجال الفكر الغربي للثورة على جمود فلسفتهم وإعدادهم وفنونهم ومن هنا نشأت حركة المعقول واللامعقول وبدأنا نقرأ ونسمع بفلسفة المعقول واللامعقول وفنه وادبه. وغاية هذه الحركة الفكرية وإن شئنا القول ان هذه الثورة الفكرية ظهرت لتضع الإنسان أمام محاسن ومساوئ فكرة ما، ليزنها الإنسان ويوازنها على ضوء معطيات العصر ، وعلى كل حال لم نسمع لهذه الحركة ذكر في القانون، لم نقرأ مثلا المعقول واللامعقول في القانون لأن القانون لا يمكن أن يتبع الهوى ويتغير بتغير الأهواء ، وإنما يتطور بتطور المجتمع ولا يقفز ولا يتحرك حركات بهلوانية، وإنما غايته وهدفه تحديد معالم الطرق للوصول إلى الحق وبقدر سهولة الوصول إلى الحق بقدر انتشار السلام والطمأنينة، والتغير لا يتم كيفما لأمر فرد أو فئة ، وإنما يتم بالتطور الاجتماعي الذي يوجب التغيير. والتطور هو حصيلة قناعة تولدت عند الإنسان بعد نقاش وجدل بارد أو ساخن ولا تتولد هذه القناعة لدى الفرد والمجتمع إلا بالحوار الذي تسوده الحرية بين سائر فئات المواطنيين. وإن رأينا مجتمعنا متوقف عن التطور عندها يتوجب تنشيط المؤسسات الفكرية والسياسية والاجتماعية لإيجاد الجو الملائم للحوار المؤدي إلى التطور. وعندما يتطور مجتمع ما يأتي القانون لينظم ويحدد معالمه وبهذا لا يمكن أن يكون القانون سابقاً للتطور ، لأن التطور حصيلة الحوار في جو تسوده الحرية بين سائر المواطنيين بمختلف منظامتهم وفعاليتهم وكل محاولة لإيجاد تطور بالقوة والعنف والإرهاب برسم قوانين ، قد لا يؤمن بها حتى واضعوها ، قد يحدث تغيير سطحي والتغيير أيها السادة غير التطور. لهذا لم نر ولم نسمع في المجتمع الغربي عن المعقول واللامعقول في القانون لما للحق من قدسية ولما للقانون الموصل للحق نصيب من تلك القدسية. أما عندنا فلم نسمع بالمعقول واللامعقول ولكننا نعيشه في الدستور والقانون وحتى في حياتنا اليومية. المعقول أن يكون الشعب مصدر السلطات واللامعقول أن يوضع الشعب في الزجاجة، المعقول في الدستور أن يحمي كرامة الانسان وأن يكون المؤدب الرابع للسلطان والمرجح بين القوانين وما يتفرع عنها بشكل يؤمّن العدالة والاستقرار والطأنينة للمجتمع، ومن غير المعقول أن يسحق الدستور ولا يؤمّن إلا مصالح أفراد أو فئة ما. المعقول في الدستور على ما نص عليه أن يكون مرعي الاجراء واللامعقول أن يكون معطل التنفيذ. من المعقول أن توقّع على الإعلان العالمي لإعلان حقوق الإنسان وعلى العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، فتصبح هذه المعاهدات والمواثيق لها صفة الإلزام الدستوري ولكن من غير المعقول أن نمنع الإنسان من استعمال عقله في قناعاته ونزج بهم المعاقل لأنهم مخالفون البعض في الرأي ويحاكموا محاكم استثنائية غير قضائية لاتتوفر فيها الضمانات القانونية المتوفرة للمتهمين بالجرائم العادية. في القانون المعقول أن يحقق عدالة ولكن اللامعقول أن يؤدي إلى ظلام وظلمات. المعقول أن يكون قانون الطوارئ مدخراً لحالات الهلع والفزع والمصائب والكوارث الطبيعية وفي مواقع القتال وعندها يكون لساعات أو أيام، وغير المعقول أن تطبق على مخالفات الدراجات والسيارات ولمخالفة بعضهم في الرأي أو المعتقد أو الأحاسيس الشخصية. من المعقول أن تحقق هذه القوانين الأمن والطمأنينة ، أما أن تكون هي مصدر الهلع والفزع فذلك هو غير المعقول. من المعقول أن تنظم العدالة الأصول الموجزة وتوجد لها محاكم خاصة وقضاة من القضاء العادي الطبيعي لبعض مخالفات السير والقمامة ومن المعقول أيضاً أن تخضع أحكام الأصول الموجزة للاعتراض والاستئناف والطعن بالنقض، ومن غير المعقول أن تؤسس محاكم أمن الدولة من قضاة لا تتوفر فيهم صفة القضاء مع إعفائهم من تطبيق قانون الأصول. وأن لاتخضع أحكامهم لطريق من طرق الطعن وحتى لقد أعفي أحكام الإعدام الصادرة عنها من مرسوم تنفيذ حكم الإعدام. في الإنسان من المعقول أن يكون كل بني آدم إنسان وله كرامته القائمة على الحرية ليميز بها الخير عن الشر واللامعقول أن يسمى إنسانا من لا كرامة له. من المعقول أن نسمع الأقوال والخطب والألفاظ المدغدغة ومن اللامعقول أن يمضي عليها التقادم بعد التلفظ بها كأنها ولدت ميتة. من المعقول أن نقتنع وأن نؤمن وأن نقرر واللامعقول أن لا نطبق ولا نعمل ولا نلتزم.

السادة الزملاء :
إن استمرار اللامعقول لا يمكن أن يتحول إلى معقول كما لا يمكن أن يصبح المعقول لا معقول… ومن المعقول…. واللامعقول…)..
فما بين نص الكاتب علي السباعي الادبي ومقالة الدكتور الكزبري ذات النفس السياسي وشائج تعمقت من خلال رؤية الرفض ، والتقى الاثنان في البحث عن البدائل الظاهرة عند الدكتور والمخفية عند السباعي ، وهذا يدلنا على مسالك البحث عن الملاذات وكيفية الخروج من المآزق..اما قصة (الزاماما) وتعني الحرب في لغة العرب القديمة ، كما اثبتها الكاتب في الهامش ، ففي اسطرها الاولى حاولت تعميق رؤية الرفض ، فجاء السرد يحمل روح السخرية الى حد البكاء المر .. وكذا استثمر فيها مسميات تاريخية ، كأقنعة والسخرية اسلوب يتخذه الكاتب ليتبنى موقفه من الواقع والعالم من حوله، وهي طريق سهل للنقد، والوصول إلى القارئ، فالكاتب عندما يواجه واقعا متصلبا، لا يسمع ولا يفهم ولا يبالي، يكون مضطرا إلى مواجهته بأساليب مختلفة، وعلى رأسها السخرية، فهي أفضل أسلوب لانتقاد الواقع، وتعميق رؤية الرفض التي تبناها الكاتب السباعي ، فإن القصة الساخرة ليس بالتأكيد هي تلك القصة المضحكة ، أو التي تشير إلى مواقف يمكن تصنيفها كذلك .. إذ من الممكن أن تكون القصة حزينة بشكل ساخر .. وتكمن سخريتها في مفارقتها مثلا .. حيث جاء في قصة (الزاماما) : (صورة بالاسود والابيض توسطت شاشة التلفزيون لمذيع قلق مائع كدبق كثيف يتناوب محركا جسده ذات اليمين وذات الشمال مراوحا ، كأنه جالس وسط مقلاة فوق النار ، يذيع بصوت خطابي جاد: طقس الزاماما :

ـ ايها المشاهدون الكرام .. موعد شروق الزاماما ليوم غد … “انا جندي عربي” اش بني “عزيزو” دعني اسمع
ـ موعد غروبها … “بندقيتي في يدي”

هسّ . عزيزو
ـ درجة الزماما العظمى المتوقعة خلال الاربعة والعشرين ساعة المقبلة …. “تي ..تي ..طا”) ، وهكذا استمر طوال القصة يسخر برمزية غرائبية (فالرؤية الغرائبية للرمز في القصة ، اذ ينسحب القاص الى عالمه الداخلي لاستجماع قواه الذاتية في محاولة غير معقولة لمواجهة عالمه الخارجي)12 ? ليبقى فن القصة القصيرة ، هو (فن اختيار اللحظات العابرة ، القصيرة المنفصلة ، التي لا تخضع لتسلسل زمني منطقي ، حيث يجعل هذا الفن من الماضي و الحاضر والمستقبل وحدة زمنية واحدة ، منطقية و حية وموحية . و هو فن اختزال و تركيز هذه اللحظات العابرة ، التي قد تبدو أحياناً عادية لا قيمة لها ، و تكثيف هذه اللحظات في حالة التعبير عنها .)

بكاء الغرباء
وكانت قصة (بكاء الغربان) ، قد حملت لوحة مضمخة بالدم ، استثمر فيها قضية هابيل وقابيل كأول عداوة بشرية .. سار على خطاها الخطاؤون طغاة الدنيا ، فكان الكاتب السباعي ، رسم خطوطها في البدء (صمت ، مدن ملونة بالدم ، ابليس ، اغرق الكون بدم عصفور ، غنت السماء : نحن لانعرف غير البكاء ، فامطرت : دما) ، ثم (الظلمة ملك هرم متكوم على عرشه ، ابليس ينفض عباءته من غبار الليل ، تدافعت صرخة حبيسة من تحت عباءته :

ـ اما كفاكم هابيل ؟
مثقل بالتساؤلات كمدينة محاصرة بخنادق ن نار ، بكاء الغربان ونعيبها المفجوع ، يخدشان ذاكرة الهدوء ، احتجاج اجنحة مذعورة ، خوف ، ترقب ، عيون تحدق مفقوءى ، شياطين يحرقون مدنا خضرابنيران هولاكو ، تساء بكراهية :

ـ لماذا تذبحوها ؟)
هذا جزء من لوحة الدم التي حملتها انفعالات الكاتب السباعي الرافضة والمحتجة ابدا ضد القبح والموت والقتل .. (ان ما يلفت اهتمام القاريء ـ أي قاريء ـ للنصوص السردية موضوع الدراسة ـ الى جانب بناء الشكل السردي الذي يتمتع بتأثيرا جمالية بالغة القوة ، لما ينطوي عليه من تقنيات سردية حداثية متقدمة تتجلى في البنية الاسلوبية الرمزية وشعرية اللغة ، التي تحفز الخيال وتوقظ الشعور بجمالية الفضاءات السردية وعمقها والفتها )، وبالمقابل غرائبية المنحى لاتسامها بالغموض واعتمادها الرمزية ، وبالتالي اضفاء الموضوعية واقترابه من الواقع الذي يحفل بالكثير من المفارقات الجرمية وايغالها بالدم والقسوة..من هنا كانت مجموعة (زليخات يوسف) ، تنقل لنا عوالم مضطربة من القلق والتوتر ، فمع الايقاع السريع لحركة الحياة هذه الايام … اصبح التوتر العصبي سمة من سمات العصر .. والتوتر العصبي ينشأ عن تراكم انفعالات داخلية في نفس الانسان.. نتيجة الصراعات المختلفة التي يعيشها والتي لا بد ان تحدث ما دام هناك احتكاك بالاخرين .. وتفاعل مستمر مع حركة الحياة اليومية.. ومعايشة للمشاكل العامة والخاصة التي لا مفر منها.. ولا غنى عنها .. والتي تعطي للحياة طعما خاصا.. وتمد الانسان بالحيوية النفسية..والتجدد الدائم للجهاز العصبي والنفسي, بما في ذلك من تفكير وانفعال وعاطفة وارادة وسلوك.ومحاولة لاثبات الذات وسط هذا الخضم المتلاطم من تراكم قبائح الحروب والعدوات .

جريدة (الزمان) طبعة العراق – العدد 5647 في 4/2/2017


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"