تابعنا على فيسبوك وتويتر

جماليات الحزن وفضائله
في مجموعة (فك الحزن) للقاص جودت جالي
د. هناء خليف غني
قرأت قبل مدة مقالاً بعنوان (فضائل الحزن الاثنتا عشرة: مسارات غير متوقعة للسعادة)، بينَ فيها استاذ علم النفس الإيجابي، تم لوماس، أن الحزن قد لا يمثل حالة سويةً فحسب، بل أنه قد يساعدنا، بنحوٍ فارقٍ، على المضي قدماً في الحياة والتمتع بها وإعادة النظر في الكثير مما يقع لنا ولغيرنا. ولهذا السبب تحديداً، ربما لم يكن مستغرباً أو مفاجئاً فوز فلم (قلباً وقالباً) بجائزة أفضل فلم رسوم متحركة في عام 2016. الفلم، بسهولة ويسر، يتحدث عن الحزن، ولربما يقول قائل ’ما الجديد في ذلك؟!‘. مئات من الأفلام، والمسلسلات، والقصص، والقصائد، والروايات اتخذت من الحزن محوراً نسجت من خيوطه حبكات لها. فأقول الجديد هو الأسلوب المتبصر وغيرالمألوف الذي تعامل به الفلم مع الحزن وتداعياته في حياة بطلته برايلي، الفتاة التي تشكلت، في اللحظة التي وِلِدت فيها، خمسة مشاعر رئيسة كانت تعيش في رأسها وتتحكم فيها. وهذه المشاعر هي: الفرح والحزن والاشمئزاز والخوف والغضب. وسأحجم عن الوقوف طويلاً عند قصة الفلم الذي يمكن للمهتمين مشاهدته والاستمتاع بتفاصيله. ثمة جانبان هنا يؤلفان محور اهتمامي، هما: التعريف بهذه الفضائل الاثنتي عشرة، أولاً، وتتبع حضورها في مجموعة (فك الحزن) القصصية للقاص والمترجم العراقي جودت جالي.
تتوزع الفضائل الاثنتا عشرة التي عرض لها (تم لوماس)، بالتساوي، على ثلاث مجموعات رئيسة مترابطة، بمعنى إن كل واحدة من هذه المجموعات تشتمل على أربع فضائل. تتصل فضائل الحزن الأربع الأولى اتصالاً وثيقا بدور الحزن المحتمل في حمايتنا وتحصيننا ضد الفواجع والأزمات؛ وهي فضيلة الحزن بوصفه تحذيراً، والحزن بوصفه تحرراً نفسياً، وإدامة، وأخيراً، الحزن بوصفه دقةً. إن التجارب المحزنة التي يمر بها الإنسان، وما أكثرها في عالمنا المعاصر، من فقد أحبة وخسارات متتالية وإحباطات متواصلة هي بمنزلة جرس إنذار وتحذير لنا يذكرنا بضرورة التكيف مع حالات الفقد والخسارة هذه لئلا يتحول حزننا إلى حالة مرضية تفصلنا عن العالم المحيط بنا. وقد يساعدنا الحزن، بالقدر نفسه، على الحفاظ على القدر القليل من الموارد النفسية التي بقيت لدينا بعد التجارب المؤلمة، واستثمارها فيما بعد في اكتساب قدرٍ أكبر من الواقعية والحكمة في التعامل مع جوانب الحزن المختلفة.
وعلى شاكلة المجموعة الأولى، تتحدث المجموعة الثانية عن أربع فضائل للحزن ترتبط جميعها ارتباطاً وثيقاً بالاهتمام والحب، وهي على التوالي: الحزن بوصفه اهتماماً، واشتياقاً، وحناناً ومحبةً، وأخيراً الحزن بوصفه تعاطفاً. الحزن في هذه المجموعة هو إحساس أكبر من محض استجابة متوقعة لفقد الحب والاهتمام، إنه تعبير عن عمق الحب والمودة ووسيلة للحفاظ على صلتنا بأحبتنا الذين رحلوا. ويؤلف الحزن والفرح، على وفق هذه المقاربة، مظهرين من مظاهر الحب، إنهما وجهان لعملة واحدة، إذ يُترجم الحب في حضور ’موضوعه‘ إلى فرح غامر، وفي غيابه إلى حزنٍ عميقٍ. والحزن، زيادة على ذلك، يؤلف تعبيراً عن الحب الممزوج بالشوق اللذيذ لأشخاص وأماكن لم يعد بقدرتنا التواصل معها؛ وهو شعور بالتعاطف مع معاناة الأخرين ومآسيهم، وبالتالي الشعور بالرغبة في التخفيف من أحزانهم ومواساتهم.
وتتجاوز فضائل الحزن الأربع المتبقية المؤلفة للمجموعة الثالثة والأخيرة نطاق التعامل مع الحزن بوصفه شعوراً قيماً، فترفع من شأنه وتجعله أحد المكونات الضرورية للازدهاء والاحتفال بحياة متكاملة وثرية. وهذه الفضائل هي: الحزن بوصفه حساسية أخلاقية نابعة عن فرط الحساسية والقلق حيال الحضور الملموس والعياني لمظاهر الألم والمعاناة في الحياة اليومية المعاصرة، والحزن بوصفه باعثاً للتطور النفسي الذي يتحقق من خلال ممارسات متنوعة منها ’تأمل حب-اللطافة والرحمة‘ والعناية بالأخرين وتجنب الأنانية؛ والحزن بوصفه حساسية جمالية فائقة وثيقة الارتباط بالقدرة على خوض تجربة الحزن والمواساة المتأتية من الإحساس بالطبيعة الزائلة للأشياء من حولنا؛ وأخيراً، الحزن بوصفه متتماً للحياة المتحققة، فالازدهاء في الحياة قد لا يعني المشاعر الإيجابية المبهجة فحسب، إنما تجربة طيف المشاعر الإنسانية بأكمله، إذ لا يمكن للإنسان، على وفق ما يراه الكثيرون، أن يعيش حياةً متكاملة من دون تجربة أفراح الحياة واتراحها، مسراتها واحزانها، مثلما لا يمكنه معرفة الضوء حق المعرفة من دون مغايرته بالظلام. وعليه، وعوضاً عن أن يظهر الحزن بمظهر التجربة غير المرغوب بها ناهيك عن النظر اليه بوصفه اضطراباً، قد يتحول الحزن، إذا احسنا التعامل معه، إلى أحد جوانب الحياة البشرية القيمة والملائمة والمهمة فعلاً.
في المجموعة القصصية المعنونة (فك الحزن) للقاص والمترجم العراقي جودت جالي، نتلمس الحضور الطاغي للحزن الممزوج بالأسى، والكمد، والشجن، واللوعة، والحسرة من جهةٍ وبالتطلع والأمل والرغبة في الحياة من جهةٍ أخرى. ثمة نوعان من الحزن في قصص المجموعة العشرة، أولهما يتصل بالحزن الأكبر على ما آلت اليه الأوضاع في البلد بعامة، حيث القتل المجاني والخوف من الاغتيال وكابوس السيارات المفخخة والجماعات المسلحة المتصارعة وطائرات الاباتشي والسكون الذي يلف الأماكن واستئساد عصابات الجريمة المنظمة والتهجير القسري وغيرها من المآسي والكوارث التي ما برحت تضرب بأطنابها مفاصل الحياة. وحسنا فعل القاص حينما ابقى على مظاهر الحزن هذه في الخلفية لصالح التركيز على تفاصيل التجارب اليومية الصغيرة المؤلمة التي تخوضها الشخوص وتتفاعل معها وتتأثر بها. والنوع الثاني من الحزن يتكشف جلياً في هذه التجارب اليومية الصغيرة والمعبرة في آن معاً.
تتخذ قصص المجموعة من اليومي والعادي والمألوف سواء في مستوى الحدث أم الشخصيات محوراً لها. إنها تتحدث عن أناس عاديين تعج بهم حياتنا اليومية وربما نتعرض لما تعرضوا له من حوادث مفجعة، فهناك الممرض والشرطي والزوجة والجد والجدة والأبن والبائع والسائق والجندي والحارس وغيرهما الذين يشتركون جميعاً في الرغبة في الحياة والتطلع إلى غدٍ افضل. تبدأ المجموعة بقصة الـ (بلابل) الـ (برية) التي رفضت المكوث بعشها واختارت التحليق بعيداً، وتنتهي بقصة (فك الحزن) التي تُعد بمنزلة دعوة للاحتفاء بالحياة والتمسك بها، وما بين التحليق بعيداً وفك الحزن، نلحظ في حوار الشخصيات قلوباً توسدها الأسى وأحاط بها الهم واثقلها الغياب والفراغ.
’البلابل البرية‘، في أولى قصص المجموعة، هما طفلان تؤامان توفيا واحداً تلو الأخر في مستشفى الولادة حيث تتجاور مظاهر الفرح والبهجة بولادة الأطفال جنباً إلى جنب مظاهر الحزن والأسى على فقدهم المبكر. السكون يلف المكان، لا شيء غير ’ريح مغبرة تحمل قصاصات ورق متطايرة‘ وأبواب مغلقة، وشوارع خاوية. اليوم كئيب واستثنائي في كل شيء، وكيف لا وقد توفي الوليدان وفرض حضر التجوال في المدينة. كان الحزن الذي شعر به الجد بعد تسلمه جثة الطفل الأول ممزوجاً بالندم، ربما كان اختياره تسميتهما (سعيداً) و(فريداً) إسرافاً في التفاؤل من جانبه ليس له ما يبرره لاسيما ان الطفلين قد ولِدا قبل أوانهما، مثلما يخبرنا الرواي. يبرز الحزن في هذه القصة بوصفه تحذيراً يتذكر معه الشيخ ضرورة الاسراع في التكيَف مع الفاجعة خصوصاً بعد ان اسقطت ابنته طفلين سابقين. كما يبرز بوصفه تعاطفاً مع ابنته وزوجها في محنتهما. يتجلى هذا التعاطف في اصراره على اخراجها من المستشفى بعد ان اُدخِل الطفلان إلى قسم الخدج، واصغائه إليها وهي توصيه في دفنهما في حفرة عميقة تحت الأرض كي لا تأتي الحيوانات وتنهشهما، وطلبه من الشاب، زوج ابنته، العودة اليها بعدما سمع من حارس المقبرة عن حوادث القتل المتكررة في المكان. اختار الشيخ مجابهة المخاطر في المقبرة لوحده حفاظاً على ابنته وزوجها اللذين يمثلان المستقبل بالنسبة له. كان الشيخ واقعياً وحكيماً في تعامله مع الحزن، وهنا يتجلى لنا حزنه بوصفه دقةً. يخبرنا القاص في نهاية القصة أن الشيخ اختار اتمام مهمة دفن الطفلين على الرغم من تحرك سيارة سوداء قاتمة باتجاهه. الشيخ مصمم على مقاومة الحزن ومظاهر الموت الذي يلف المكان، وسيبذل ما بوسعه للتشبث بالحياة إلى أخر لحظة.
ومرةً أخرى يلف الهدوء المكان في(قطرات الغبش)، ثاني قصص المجموعة. إلا أنه الهدوء الذي يسبق عاصفة الفقد والرحيل الأبدي. تقدم القصة مشهداً لطالما تكرر في البيوت بعامة، هو التوتر المتصاعد في علاقة الأب بالأبن واستعانة الأخير بجدته للذود عنه من شتائم والده ولعناته. وجود الجدة ضروري للغاية في حياة بلال ولو لم تكن مريضة في اثناء خلافه الأخير مع والده لما اضطر إلى الهرب الى المتنزه المجاور. علاقة بلال بجدته علاقة وثيقة تمتد إلى طفولته عندما كان يرافقها في زياراتها إلى اقاربه في مناطق ’العُربان‘. كان يتبعها مرتدياً دشداشته الجديدة ويحاول مجاراتها والبقاء قريباً منها خوفاً من ’الكلاب التي ستتلقاهما عندما يصلان بالنباح والدوران حولهما‘. هذه الليلة تختلف عن غيرها في حياة بلال. إذ أذنت وفاة جدته ببداية مرحلة جديدة في حياته. الرعب الذي شعر به جراء لطف أبيه غير المتوقع معه في هذه الليلة يخبرنا الكثير عن بلال الذي لا يشبه غيره من الصبيان، فهو يعاني ثقلاً في اللسان وصعوبةً في التكلم منذ ان نطق بأولى الكلمات. فهم بلال أن فم جدته الذي جمده الموت سيكف عن الابتسامة ثانيةً له، وسيكف أيضاً عن إنشاد الأغاني التي كان مستعصياً عليه فهمها. كل ما كان يرغب به هو الذهاب إلى برية كالتي كانت تقوده جدته إليها. وعلى غير المتوقع، لم يشعر بلال بالرعب من موت جدته، بل بنوعٍ من الطمأنينة التي تنطوي على ’خلاص مجهول‘. الحزن في حالة بلال هو نوع من التحرر النفسي الذي ربما يساعده على مواجهة التحديات التي تنتظره وحيداً والمتمثلة في ’الكلاب‘ المتربصة به.
تطغى مشاعر القلق والوحدة والتوتر والخوف من المجهول على الأحداث في قصة (الضبع) الذي تربطه علاقة صراع وتحد مع الحارس المُكلف بحراسة المكان. لم يكن الحارس يتوقع أن يواجه ضبعاً ’بحجم كابوس مفترس‘ في عالمه المتوحد قرب الفجر. مرت لحظات التحدي بينهما بطيئة وثقيلة، وزاد وضع الحارس تأزماً لإدراكه صعوبة اتخاذ قرار اطلاق النار على الضبع من عدمه. إحساس الحارس بالخطر والخوف أكبر من ان يخفيه، انه لوحده في مواجهة المجهول، والمشهد مفتوح على كل الاحتمالات. كان الحارس، رغبةً منه في الانتهاء من الموقف برمته، كان يتمنى أن يندفع الضبع نحوه فيجبره على قطع التردد والضغط على الزناد. يتذكر الحارس هذه الحكاية بعد مضي ربع قرن، ويشعر أن برودة الضبع الصاعقة كانت تسحق رصاصةً تبدد الصمت والخوف. الحزن في القصة شفيف نابع من شعور الحارس/الإنسان أنه لوحده في مواجهة هذا العالم، لا شيء معه غير مجموعة أحلام صغيرة ورغبات مجهضة وهواجس.
كان اختيار القاص اهداء قصة (حلم عشوائي) إلى روح الكاتب التركي عزيز نيسين اختياراً موفقاً بسبب أوجه التشابه بين هذا الكاتب وأكثرية الشخصيات في هذه المجموعة القصصية. عانى الكاتب التركي، مثله مثل الشخصيات، من ظروف حياتية صعبة، إذ سُجِن عدة مرات وقضى حياته مطارداً على يد أجهزة الأمن، واضطر الى التخفي عن اعين السلطة تحت اسم مستعار هو عزيز نيسين. الأهم أنَ نيسين هو واحد من أفضل كتاب الكوميديا السوداء أو المضحك المبكي حيث تمتزج عناصر المأساة بالملهاة لتنتج صورة تتباين المواقف حيالها وتثير الضحك والبكاء في آن معاً. وما يحدث في (حلم عشوائي) يمثل نموذجاً للمضحك المبكي. كل ما في القصة يبعث على الحزن والأسى، حيوات معطوبة ومعطلة، بيوت شوهاء، ومكب للنفايات، وانقاض والوان متنافرة. المكان معسكر مهجور هدمت قاعاته وعلى اطلالها شُيدت مبان عشوائية. يقضي الاطفال ايامهم في جمع العلب والقناني والاغراض العتيقة في المزبلة. وعلى الرغم من رثاثة المكان ورثاثة ما يحدث فيه، إلا أنَ المضحك في الأمر هو الاتفاق الذي جرى بين الشخصيتين الرئيستين في القصة وشيخ جار لهما تعهد فيه الأخير بالتنازل عن الجزء الذي استولى عليه من المعسكر، وهو جزء يُحسد عليه، لأنه كان الاستعلامات في السابق…تعهد بالتنازل عنه بعد وفاته مقابل مليون دينار سلمها له الرجلان. كان الرجل مشرفاً على الموت حينما ابرما العقد، ولكنه الآن بصحة جيدة ومستمر في زراعة شجيراته. الأوضاع التي يعيشها الرجلان لا تختلف كثيراً عن اوضاع الأف العراقيين الذين وقعوا ضحيةً للتهجير والقهر والموت المجاني والبطالة. إنهما يحلمان بحياة أفضل ولكن حلمهما يبقى (عشوائياً) لا شيء يسنده في الواقع. بل أنه يتحول إلى كابوس في حالة احدهما الذي يبدو مشتت الذهن مشغول البال بغياب ولده. لا يريد هذا الرجل شيئاً الآن سوى أن يعود ابنه سالماً. إنه يلعن في سره مكسب الزبالة الحقير الذي اضطره العوز الى اللجوء اليه. ولا تخبرنا القصة عن عودة الأبن، ولكنها تنبئنا باستمرار الإنسان في البحث عن حياة إنسانية كريمة. ما يجري في المعسكر هو صورة مصغرة لما يجري في وطن تناهبته المآسي والفواجع والأزمات.
نلحظ الأمر ذاته في قصة (ثرثرة قصيرة في ليل طويل) التي تتحدث عن أب مشغول البال بأبنه الذي أخفق في كل شيء. لم يدخر الأب الذي عاد معاقاً من الأسر بعد حربٍ طويلةٍ دمرت ما دمرت…لم يدخر جهداً في مساعدة ابنه على الشفاء. إلا أن محاولاته كلها ذهبت ادراج الرياح. لم يكن الابن بليداً فحسب، بل أصبح عاقاً في الآونة الأخيرة يتمرد على أبيه ولا يتورع عن محاولة ضربه إذا وبخه على سوء سلوكه. الابن يعتمد، في تدبير شؤونه، اعتماداً كلياً على الأب الذي ما يزال يعمل رغم أنه شارف على الستين. وزيادة على ذلك، يتجنب الأب الوجود في الأماكن المزدحمة أو الشوارع المكتظة لا خشيةً على حياته من الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والقصف والانتحاريين، إنما خشيةً على ابنه من الضياع بعده لاسيما بعد وفاة والدته. يرتبط الحزن الذي يشعر به الأب ارتباطاً وثيقاً بالحب والاهتمام، فهو، على الرغم من المرارة واليأس اللذين يتقلب بهما، يحب ابنه ويهتم لأمره ولا يتخيل حياته بدونه. إنه تعبير عن عمق محبته وولهه واستعداده لفعل ما بقدرته ابتغاء الحفاظ على أبنه وتأمين احتياجاته.
نتعرف في (حرب الغجر) إلى تفاصيل قصة محزنة أخرى ابطالها مجموعة مهمشة ومنبوذة من الناس الذين لطالما وضِعوا في خانة الآخر غير المنتمي. الحرب التي يخوضها أفراد هذه الجماعة هي حرب مفروضة عليهم، لا ناقة لهم فيها ولا جمل. إنهم ضحايا الصورة النمطية التي اقترنت بهم والاستنكاف من الاعتراف بوجودهم. يستهل الراوي القصة بسرد ما حدث لـ ’مجمع الكيف‘ الذي (سُلِب ونُهِب وهُدِمت بيوته وتفرق أهله أيدي سبأ) بعدما كان ضاجاً بالحياة ومزداناً بالأضواء. كان وجود الغجر سبباً لشعور السكان المحليين بالحرج وتعرضهم للغمز واللمز لاسيما بعد تكرار حوادث الخلط بين بيوت الغجر والبيوت الأخرى في المنطقة. وكانت الحياة تمضي في المجمع في ظل حماية السلطات المحلية التي لم يكن بقدرتها فعل شيء ووقفت مكتوفة الأيدي أمام سكان المنطقة الناقمين الذين انقضوا على الغجر فأخرجوهم من دورهم بعد دخول الأمريكان عام 2003 وانهيار مؤسسات الدولة. شاهد الراوي بين طوابير الغجريات (كأنهن طوابير سبايا) فتاةً علقت صورتها في ذاكرته منذ سنين طويلة. كانت الفتاة تمشي برفقة صبي في السادسة من عمره تقريباً. تصاعدت حمى المناوشات بين الغجر وخصومهم من السكان، وما بين كر وفر، تصاعدت كذلك حمى السلب والنهب والقتل والتهجير والانتقام التي اسفرت عن اصابة الطفل اصابة مميتةً، ثم بلغت ذروتها في مقتل الأم كذلك على يد مجهولين. تنتهي القصة بعبارة بليغة تنبأنا بأنهار الدم التي ستسيل على ارض العراق في السنوات التالية. قال الراوي: (نظرت إلى بركة الدم على الأرض الحصوية…كانت أكبر من ان تكون للطفل وحده). يمتزج الحزن هنا بالرغبة في معرفة ما حدث لأشخاص تركوا بصمة في حياتنا برغم، وما برحنا نتذكرهم رغم افتراقنا عنهم. إنه الحزن الممزوج بالخوف مما يحمله المستقبل للبلد بعامة والمنطقة بخاصة، وما الحرب التي خاضها الغجر وما صاحبها من أحداث سوى صورة مصغرة عن الحروب التي ستنهش جسد البلاد بأكملها.
في قصة (ضمور) يظهر التضاد جلياً، من السطر الأول، بين الثوب زاهي الألوان والجبة وربطة الرأس السوداوين. ثمة نوعان من الضمور في القصة، أولهما جسدي هو ضمور الدماغ الذي يعانيه الطفل الصغير الهزيل اسير المقعد المخصص للأطفال، وثانيهما معنوي ناجم عن تهاوي الأحلام والآمال في ظل الغياب الموجع الذي خلفه مقتل الزوج الشاب في أحد التفجيرات ومقتل الجد في أحد الحروب الطاحنة. وبرغم مظاهر الضمور والاعتلال التي تعصف بالشخصيات، تستمر عجلة الحياة في الدوران عارضةً مشاهد الحزن تارةً والفرح تارةً أخرى. لا الحزن يبقى طويلاً ولا الفرح. يتجلى ذلك في موافقة الأم، بعد طول ممانعة، على استبدال ربطة الرأس السوداء بأخرى لونها أزرق غامق لا تتعارض مع حزنها على حياتها المهدرة وولدها المريض. يقترن الحزن في هذه القصة بمشاعر الاهتمام والحنان والحب والتعاطف الضرورية في حياة البشر. الحزن في (ضمور) لم يقف حائلاً دون تفكير الأم بمستقبل أفضل لها ولولدها، ولم يمنعها من ان تستبشر خيراً بقادم الأيام التي استعدت لها بالموافقة على تغيير ربطة راسها سوداء اللون. أضحى الحزن، في الواقع، باعثاً على تطور الأم نفسياً ومعنوياً.
في القصة التاسعة المعنونة (أمسية صيف) يتردد صدى السؤال، (أهذه هي النهاية؟)، الذي طرحته الأم في (قطرات الغبش)، بعد وفاة الجدة. تبدو هذه الأمسية، لأول وهلةً، امسية عادية كغيرها من الأمسيات الصيفية التي ينهمك فيها الأبن الخمسيني في حديث عن شؤون الحياة والذكريات والكنات مع أمه السبعينية. تعيش الأم لوحدها بعد وفاة الأب، وهي مضطرة إلى الاعتماد على إحدى الكنات بعد تقدمها في السن وتدهور حالتها الصحية. أكثر ما كان الأبن يخشاه هو ان تموت والدته وحيدةً أو (تموت وهو هنا معها…لوحدهما). الاستماع الى قصص الموت المتواصلة جراء التفجيرات والاغتيالات ليست كمشاهدة شخص من ’لحم ودم يموت امامه، شخص حقيقي لا صورة في التلفزيون‘. قد يلوذ بالفرار حينها، وإن كان لزاماً عليه البقاء، فإنه لن يبقى الشخص نفسه ابداً وستبقى الاشباح تطارده إلى اخر يوم في حياته. حزنه على أمه ورؤيته لها وهي تحبو ’غمرته بموجة من الرقة والحنين الطفولي ورغبة جارفة في أن يندس في حضنها ويغفو غفوةً مشتهاة‘ كما يصفها الرواي. اعتاد وأمه الحديث عن الذكريات والطفولة في البيت القديم، ولكنه بمرور السنين صار يخشى أن يأتي يوم يتفقد فيه الذكريات لوحده على ضوء يتلاشي في ذاكرة تضمحل. يعتصره الخوف والألم والحزن فيغمض عينيه بشدة على تلك الذكريات والصور كي لا تتبعثر. يمتزج الحزن في هذه القصة ببحث الإنسان الدائب وسؤاله عن معنى الحياة والغاية منها وعن جوهرها. إنه بحث قديم قدم وجود الإنسان ذاته، وسيواصل الإنسان طرحه والبحث عن إجابة عنه ما دام يعيش على هذه المعمورة.
على الرغم من الهدوء الذي كان يخيم على المشهد الافتتاحي في قصة (فك الحزن)، التي سميت المجموعة القصصية بأسهما، إلاَ أنه هدوء خادع يُخفي في طياته عواصف الحزن والتوجع والالتياع بعدما فُجعت العائلة بموت أبنها الوحيد. انشغل جليل، في خضم هذا الهدوء، وخلافاً لعادته، في الانصات إلى اثنتين من الجيران كانتا تحاولان اقناع سعاد، زوجته، بأن تنزع ثوب الحداد على ولدها الذي قُتِل قبل عام. وبينما هو ينصت اليهما، تذكر جليل تفاصيل ذلك اليوم المأساوي حينما أخبره أحد جيرانه بمقتل ولده. بلغة شفيفة مؤثرة تستدرجنا إلى عالم جليل وسعاد ما بعد الفاجعة، يخبرنا القاص كيف اصبحت ’ذكرى مقتل ابنهما شريكتهما القاسية المحببة المدللة. إنها مرشدة عواطفهما ومدبرة ايامهما المتوحدة. قساوتها تعزز حلاوة الاسى والحزن المتبادل‘. ويخبرنا القاص كذلك أنَ ذكرى موت الأبن تحل ’بينهما كالسيدة في بيتها، وكأنها تقيم في غرفة ابنهما التي كانا قد رتباها في حياته لتكون عش زواجه فإذا بذكراه تصبح بعد موته، في عيونهما، أرملة يرعيانها إكراماً له ووفاءً‘. كانت الأم لا تكاد تفارق غرفة ابنها تعيد ترتيبها مراراً وتكراراً وتجتر ذكرياتها معه ليلاً ونهاراً، وكان زوجها يراقب توغلها في متاهة الحزن والتوجع هذه ويخشى عليها من الموت استسلاماً له. خلافاً لسعاد، لا يستطيع جليل ان يتقبل أن يكون الحزن شرطاً للحياة وجوازاً للموت، إنما هو محطة واحدة من محطات هذه الحياة التي يتعين علينا اجتيازها. فكر جليل بذلك بعدما ادرك ’أن زوجته قد ذهبت إلى ما هو ابعد مما يجب مع الحزن بحيث اصبحت العودة الى الحياة الطبيعية أشق عليها من الحزن نفسه‘. فك الحزن في مجتمع قاس في المتطلبات التي يفرضها على المرأة ليس بالأمر الهين أو اليسير لاسيما للثكالى من النساء اللاتي فجعن بأولادهن. ثمة من النساء من تقضي العمر بأكمله متشحةً بالسواد حزناً على من فقدتهم. ولـ ’فك الحزن‘ طقوس معينة، منها اهداء احدى قريبات المرأة المفجوعة ثوباً داكن الألوان في العادة لها، أو التوجه إلى احد الأضرحة الدينية لنزع الثياب السوداء استبشاراً بصاحبه. إلا أنَ القاص يحاول أن يمنح القارئ بارقة أمل، إذ ان قبول سعاد الثوب من جارتيها وحديثها عنه مع زوجها يؤشر لرغبتها بالانتقال من ’حياة الحداد إلى حياة واعدةً بألوان أكثر بريقاً وانفتاحاً‘. يظهر الحزن في هذه القصة متمماً للحياة، إنه، بكلمات اخرى، وجهها الأخر، فمثلما نطرب للمشاعر الايجابية المبهجة، علينا أن نتقبل الحزن ونتكيف معه ونتعامل معه بوصفه أحد جوانب الحياة البشرية المُلهِمة والقيمة.
على الرغم من تمثيل الحزن ومسبباته وتداعياته الثيمة المحورية في مجموعة (فك الحزن)، إلا أنه لا يؤلف سوى جانبٍ واحدٍ من جوانب الحياة الثرية والمتنوعة. الحزن في المجموعة أبعد ما يكون عن الحزن المرضي المعطل للحياة الذي تتحدث عنه بعض من النظريات النفسية، بل أنه يساعد، بطرائق متنوعة كثيرة على المضي في الحياة والاحتفاء بها. والسبب في ذلك يعود إلى إدراك أكثرية الشخصيات أنهم ليسوا وحدهم في هذه الحياة، وأن هناك أشخاصاً ينتظرونهم ويعتمدون عليهم، وان تشبثهم بها هو نوع من التواصل مع من غاب عنهم والوفاء لهم: إنهم، بطريقة ما، يكملون مسيرتهم. ثمة عوامل ساعدت في ايصال هذه الرسالة إلى القارئ بنجاح منها، في سبيل المثال لا الحصر، تماسك البناء السردي الذي جاء بلا حشو في الاحداث ولا في توصيف الشخصيات، وتركيز القاص على الهامشي واليومي والمألوف الذي لا يلفت الانتباه في المعتاد، وتناوله غير المباشر لمسببات القهر والاستلاب والتغريب الذي تشعر به بعض من الشخصيات التي ظهرت منفعلة ومستقبلة لما يدور حولها من الأحداث الكبيرة المفجعة أكثر منها فاعلة ومؤثرة. إنها شخصيات تتصف بفرط الحساسية والقلق حيال هموم الحياة وهواجسها، انها تريد أن تعيش بسلام فحسب ولو على هامش الحياة، لا شأن لها بالاحتراب السياسي ولا بالاقتتال الطائفي. لكن الحياة والقدر والوضع السياسي ينكر عليها ذلك ويرغمها على قبول املاءاته المحزنة. وختاماً، ان قراءة قصص مجموعة (فك الحزن) في ضوء المنظور النفسي إنما هي قراءة واحدة فحسب، وثمة أكثر من مستوى ومقاربة يمكن على وفقها فهم القصص والتعامل معها.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “د. هناء خليف غني : جماليات الحزن وفضائله في مجموعة (فك الحزن) للقاص جودت جالي”

  1. صادق الطريحي يقول :

    قرأت للمترجمة البارعة الدكتورة ، هناء خليف الكثير من المقالات والدراسات المترجمة ، لكنني اليوم أقرأ لها لأول مرة مقالة نقدية في مجموعة قصصية متميزة هي (فك الحزن) للقاص جودت جالي. وقد تناولت لمجموعة من منظور النقد الأدبي النقسي ، وهو منهج قلما يستعمله النقاد اليوم ، وقد بهرني حقا تحليلاتها النفسية للشخصيات وللمجتمع ، مستندة إلى فيلم (قلبا وقالبا) ومقالة بعنوان (فضائل الحزن الاثنتا عشرة: مسارات غير متوقعة للسعادة) لاستاذ علم النفس الإيجابي، تم لوماس، تمهيداً نظرياً لمقالتها النقدية حول المجموعة ..
    ولا يسعني في هذا التعليق البسيط إلا أن أقول ، إن هذه المقالة تشكل إضافة مهمة في مجال النقد الأدبي النفسي في العراق.

  2. ليس لأن المقال كتب عن مجموعة قصصية لي ولكني ما أن قرات العنوان حتى تأكد لي فورا أن المضمون مهم وقد كتب بقلم الدكتورة هناء خليف غني التي إشتغلت في السنوات الماضية على الترجمة حصرا، ومن الواضح أن إضافة النقد الى اهتماماتها ومبادرتها القيمة هذه ليست منطلقة عن مجاملة بل عن رؤية وتطبيق علمي لمنهج نقدي رأت أن مجموعتي المتواضعة (فك الحزن) صالحة للتناول ضمن هذا المنهج. الجانب الآخر الذي يعطي لهذه المبادرة أهمية استثنائية هو أن النقد الأدبي الذي يضع إعتبارا للجدوى والوظيفة الإجتماعيتين للأدب قد غاب عنا زمنا طويلا، ربما أكثر من نصف قرن، وهذه عودة قوية موفقة بأدوات نقدية حديثة. شكرا للدكتورة هناء جهدها الأكاديمي هذا، وشكرا للدكتور حسين سرمك كرمه بنشره المقال في موقعه المميز، والشكر موصول للأستاذ صادق الطريحي على تنويهه بتميز مجموعتي والشكر لكل من أشاد بها أو قرأها.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"