تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
تمرّ الذكرى الخامسة والعشرون على رحيل المبدع العراقي الكبير غائب طعمة فرمان بلا احتفاء يليق بقامته الروائية العظيمة . تفتتح أسرة الناقد العراقي هذا الملف كمساهمة في هذه الذكرى ، وتدعو الأخوة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما لديهم من بحوث ودراسات ووثائق وذكريات عن الراحل الكبير .. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية حيث لا حدود زمنية للإبداع العظيم.

في ذكرى رحيله:
كان الروائي الراحل غائب طعمه فرمان
إنساناً دافئاً وبسيطاً وصادقا ومتواضعاً بكل ما تعنيه الكلمة

الدكتور زهير ياسين شليبه

فرحت للغاية عندما سمعتُ من صديقي الدكتور فالح الحمراني و قرأتُ فيما بعد خبرَ وضع نصب صغير للكاتب العراقي الراحل غائب طعمه فرمان في مكتبة الآداب الأجنبية “إنَسترانكا” في العاصمة الروسية.
كنت أتمنى أن تتحول شقة غائب طعمه فرمان في موسكو إلى متحف خاص به وطرحت هذه الفكرة وقتها على زميله الكاتب الراحل فؤاد التكرلي وكتبت إلى السيد فخري كريم رئيس مؤسسة المدى لينقلاها الى أصحاب السلطة في العراق، لكن يبدو أن هناك اموراً أهم من الثقافة تشغلهم كثيرا، ولا أدري هل تستلم أرملته إنا بيتروفنا تقاعدَه الخاص من الحكومة العراقية أم لا فأنا لم أتواصل معها منذ عدة سنوات؟
أكثر من ثلاثة عقود مرت على دفاعي عن أطروحتي المكرسة لأعمال كاتبنا العراقي الراحل غائب طعمه فرمان، وصار العديد يكتب عنه وقسم منهم يعيد صياغة مقالات سابقة يطلع عليها من الإنترنيت، وأود اليوم في هذه المناسبة أن أكتب انطباعات جديدة لم اذكرها سابقا.
كنت متحمسا للكتابة عن غائب بدافع حب الثقافة العراقية الوطنية وأيضا لأني أحببت “النخلة والجيران” التي قرأتها في بغداد رغم إنشغالنا بالروايات الأوروبية في ذلك الوقت، وأحسست رغم تجربتي المحدودة آنذاك أن هذه الرواية متميزة وأكثر تشويقية وسلاسة من الروايات العراقية الأخرى، وتعلقت فيما بعد بأعماله الأخرى وبالذات “المخاض” و”خمسة أصوات”.

الراحل الكبير غائب طعمه فرمان مع د. زهير ياسين شليبه، موسكو 1982

ولابد لي هنا من أن اذكر أن الصديقين العزيزين فائز الزبيدي وزوجته سميرة يوسف شجعاني على هذه الدراسة، وهما مِن اول مَن طرحت عليهما الفكرة بعد أستاذتي المشرفة الراحلة المستشرقة فاليريا كيربيتشينكو حيث كنت أدرس في معهد الإستشراق.
قد يكون هذا “الولاء” أو هذا الإعجاب بأعمال غائب فرمان سببا أو حاجزا منعني في رؤية الجوانب السلبية أو مواطن الضعف في أعماله، كما عبر لي بود أحد المستشرقين المتخصصين بالأدب الأذربيجاني في معهد الإستشراق الأستاذ توفيق ولا اتذكر لقبه، وقال لي أيضا بأنك ستعي هذه المسألة بعد عقد من الزمان عندما تعيد قراءة أطروحتك.
طبعا تقبلت رأيه، انا فعلا كنت واعيا لهذا الأمر وحاولت قدر المستطاع أن أكتب عن غائب ط. فرمان بموضوعية وكنت أستأنس بآراء الآخرين وبالذات الأكاديميين المستشرقين مثل البروفيسور جيراسيموف المتخصص بالأدب الفارسي ومشرفتي الراحلة فاليريا كيربيتشينكو المتخصصة بالأدب المصري وآخرين، وأعتقد أني توقفتُ عند الآراء التي انتقدت اعماله، مثل طريقته بالكتابة ب” الأسود والأبيض” على حد تعبير جبرا ابراهيم جبرا.
أنا فعلا كنت متحمسا للكتابة عن غ. ط. فرمان لكن هذه الحماسة لم تكن “حباً” أعمى له، ولهذا لم تمنعني عن النظرة الأكاديمية الموضوعية لنتاجاته وفرز سلبياته عن إيجابياته وملاحظة الفرق الكبير بينها والأعمال الكبيرة التي ترجمها أو قرأها وإجراء مقاربات كومبارتستيكيه حقيقية قدر المستطاع.
وقد استنتجت وأدركت فيما بعد أني إزاء كاتب عراقي وطني، ملتزم حتى العظم بقضيته العراقية لكن بدون تهريج، مريض، غير متحمس للحزبية، أو الأدب الحزبي، أو حزبية الأدب، شبه منفي، مغترب، مقيم في عاصمة شيوعية، قلعة الإشتراكية يتهامس فيها الناس عن الممنوعات وتتنفس يوميا بالأدب الكلاسيكي الروسي أكثر بكثير من الأدب السوفييتي، متزوج من إمرأة من هذه البلاد، إسم إبنه سمير، يحبه كثيرا، يتمنى لو يتكلم العربية، ( لا أزال أتذكر حتى هذه اللحظة في إحدى المرات عدت معه إلى شقته في وقت متأخر وجاء إبنه سمير وهنا إحتظنه والده غائب وصار يبكي من فيض عاطفته يتكلم معه بالروسية والعربية ويطلب منه ان يتعلمها كما أتذكر)، وهو مرتبط ارتباطا حقيقيا ببيئته وتجاربه الحياتية الشخصية السابقة وانتماءاته الوطنية والفكرية والثقافية وذكرياته القديمة وأجوائها وطبيعتها وحتى نمط الكتابة والتفكير، إضافة إلى معاناته من “الإحباط” رغم رفضه له في “ظلال على النافذة”، الأمر الذي قد يكون منعه من الإنطلاق بفكره وتجسيده له بروايات ذات مغزى فكري أعمق وغير مقتصرة على نمذجة الشخصيات العراقية ووصف المكان.
أتذكر أننا تحدثنا فيما بعد عن هذه الأمور عندما سألتة عن مقدمته لمجموعة “قصص واقعية من العالم العربي” (التي كتبها بنفسه كما قال لي) بالإشتراك مع محمود أمين العالم. كانت المقدمة خطابية ومتحمسة لأفكار الواقعية الإشتراكية بحيث إني كعادتي مازحته عنها، وتجاوب معي وكان أكثر وضوحاً وصراحة، فكان أقرب ألى أفكار بيلينسكي النقدية ودوبرلوبوف حيث أبدى لي اعجابه الشديد به، واعتقد أنه ذكر لي بأنه كان يترجم دراسة نقدية له. كان غائب يعاني رغم أنه على مشارف العقد السادس من عمره واصدر عدة روايات ولكنه مع ذلك كان يطمح لتطوير أدواته وتغيير أساليبه ويهتم باللغة باعتبارها عنصرا هاما من النتاج الأدبي. وأنا كنت اشعر بمعاناته بالذات عندما أقرأ روايات دوستويفسكي وتولستوي أو بعض الأعمال التي ترجمها هو بنفسه أو استعرتها من مكتبته الشخصية وكان يبدي إعجابه الشديد بها عندما نتحدث عنها بحيث يبدو عليه أنه يتمنى أن يصل إلى مستوياتها اللغوية.
وقبل أن أنشر كتابي عن غ. ط. فرمان بالعربية في التسعينات، أعدت قراءة اغلب الأعمال السردية العراقية الطويلة الصادرة قبل “النخلة والجيران” ومع ذلك ثبت لي مرة أخرى أن الأخيرة فعلا هي الرواية العراقية الفنية وأن مؤلفها حقا برع في تصوير البيئة والزمكان العراقيين وأجاد النمذجة وتصوير الشخصيات من الداخل والخارج وأدخل المونولوج وأظهر قدرة فائقة في إدارة الحوارات واختيار أوقات وأماكن مناسبة لها حسب مغزى روايته، واستعمل لغة “الشارع والساعات” كما يقول باختين بطريقة لم يتميز بها أي عمل سردي عراقي آخر قبله مثل مقامة “رسالة العشق” لأبي الثناء الآلوسي و”الرواية الإيقاظية” لسليمان فيضي و”جلال خالد” لمحمود أحمد السيد، و”نهاية حب” و”أناهيد” لعبد الله نيازي ولا “الدكتور ابراهيم” أو”اليد والأرض والماء” لذنون أيوب و نتاجات عبدالمجيد لطفي و “مجنونان” 1938 لعبد الحق فاضل و”أفول وشروق” خالد الدرة و رواية ليلى عبد القادر التي لم تنشر جزءها الثاني، و”الوجه الآخر” 1957 لفؤاد التكرلي والتي صدرت قبلها بعقد من الزمان تقريبا.
وفي الحقيقة قد أكد هذا الإعجاب أو الرأي أغلب الباحثين العراقيين مثل المرحومين الدكتور علي جواد الطاهر وعبدالإله أحمد والدكتور شجاع العاني والأستاذين باسم عبدالحميد حمودي وفاضل ثامر رغم “مآخذه” على تأثرها المباشر ب”زقاق المدق” لنجيب محفوظ إضافة إلى الدكتور نجم عبد الله كاظم في كتابه القيم عن الرواية العراقية وآخرين.

(من اليمين: غائب طعمه فرمان، فيروز زهير، زهير ياسين شليبه 
الطفل إبراهيم إبن النحات الدكتور جوشن ابراهيم)

هناك نتاجات سردية طويلة عراقية كثيرة صدرت قبل “النخلة والجيران” وبعدها بفترات حتى التسعينات لم ترقَ كلها الى مستوى الكتابة الروائية الفنية الحديثة، ومن يدري ما الذي كان سيحدث لو لم يتأخر التكرلي في إصدار رائعته “الرجع البعيد”، التي اعتبرها أنا شخصيا الرواية العراقية الأرقى فنياً وحبكة ومضمونا وبناءً وأسلوباً، في فترة إصدارها طبعاً.
وأذكر أني أخبرت غائبا بإعجابي الكبير ب “الرجع البعيد” بعد أن استعرتها منه وأعدتها له، فوافقني وتجاوب مع إعجابي بها وقال لي بصدق وتلقائية وبإبتسامته المعهودة وبالحرف الواحد “فتح”، “كشف” في الرواية العراقية! لا اعتقد أن كاتبا عراقيا آخر سيبدي إعجابه برواية لزميل آخر مجايل له بنفس طريقة غائب فرمان المتواضعة.
ولعل هذا ما يؤكد استنتاجي بأنه كان يريد أن يجدد اسلوبه ولهذا كتب “آلام السيد معروف” التي تختلف كثيرا عن أعماله السابقة، وبالذات من الناحية اللغوية. كانت لديه معاناة من هذا النوع، عبر عنها في “خمسة اصوات”، وقال لي في أكثر من مناسبة إنه يطمح حقا في كتابة رواية تتميز بلغة متدفقة وتحقق نجاحا، وكان وقتها يكتب المرتجى والمؤجل، وأتذكر أنه كان يستفسر عن بعض الأمور من ضيفي طبيب سوري عندما كان معي في مسكني في موسكو قبل رحيلي عنها بفترة قصيرة، لكنه كان محبطاً إلى حدما ويشعر أن اللغة مهمة ويسعى إلى مستوى أعلى. ولاحظت هذا بالذات مثلا عندما كنا نتحدث عن الروايات الكلاسيكية كما ذكرت، وطريقة دوستويفسكي بالكتابة بالذات “الجريمة والعقاب” و”الأخوة كرامازوف” و”المراهق” و”الأبله” أو “الصخب والعنف” و”اللصوص” لفوكنر، الذي قال عنه إنه غير معجب بإسلوبه، لكني أعتقد انه كان يسعى إلى أن يصل لمستوى صنعته ولغته، بل عبّر لي في أحاديثنا المتفرعة والجانبية عن إعجابه ايضاً بلغته ولم يخفِ أن اللغة تخونه في بعض الأحيان ويشعر “بالتمزق”، بالذات في حيرته ما بين الفصيحة واللهجة العراقية. أي إنه يقارن نفسه بالروائيين الكبار الذين كان يقرأ نتاجاتهم بالعربية بالذات لأنها لغته التي يكتب بها، وطبعا بالإنجليزية والروسية اللتين ترجم منهما.
وقد حدثني الأديب الراحل فؤاد التكرلي بحذر وبطريقة وديّة عن هذا الجانب لدى غائب من حيث الإسراف بالواقعية لدرجة المباشرة لكنه كان يجاهد من أجل تطوير اللغة والصنعة كما هو واضح في قصصه الأولى.
هذه الرغبة الشديدة في التجديد وجدناها عند محمود أحمد السيد الذي كان يريد أن يكتب روايات تحليلية كبيرة، أما غائب فكان يريد أن يكتب رواية واقعية باسلوب اكثر تجديدية وصنعة أدبية وتحليق لغوي انسيابي وبوليفوني ومتدفق.
قد يكون حقيقة أنه لم يعجب بفوكنر مثل صديقه ومجايله فؤاد التكرلي، كان يقصد أنه لم يحب طريقته في رصد الأحداث والغموض والتكنيك العالي والصنعة، أما في الحقيقة فهو تمنى، كما قلت سابقاً، الكتابة بأسلوبه (فوكنر) اللغوي لكن بلا تعقيدات مبالغ فيها تتطلب التركيز، وأن يمتلك ناصية اللغة ويتمكن منها.
أحب غائب آرثر ميلر بدون الإفصاح عن ذلك لكنه تأثر به كما هو واضح في “المخاض”، هذا هو همه ومعاناته وهدفه منذ قصصه الواقعية الأولى، وهو ما طرحه في روايته البوليفونية “خمسة أصوات”، وكان البطل يتألم لأن صديقه قال له ساخرا “أنت نسخة من غوركي”، وهذا ما أشار إليه ايضا التكرلي كما ذكرت أعلاه.
أعتقد أن الترجمة وبيئته غير العربية وظروف أخرى قد أعاقته قليلا من الوصول إلى لغة التدفق الروائي الرحبة التي كان يطمح هو نفسه للوصول إليها في كل نتاجاته. ولهذا السبب نلاحظ أنه يسمو و”يطلع” في بعض المقاطع بينما “يخفق” في حالات أخرى، وهذه تحتاج إلى دارسين يركزون على هذا الجانب بالذات الذي له علاقة بمشغله البوأيتيكي أو الإبداعي التأليفي وظروفه. وشعرت بذلك عندما قرأت “مائة عام من العزلة” لغابريل ماركيز، و”الصخب والعنف” و”اللصوص” لفوكنر و في تلك الفترة، وفيما بعد “السيد الرئيس” لأستورياس، ونفس الأمر عند إعادة قراءة دوستويفسكي بالذات بالعربية. ولاحظت انه يبدي إعجابه مثلا بدوستوييفسكي على عكس فوكنرحيث يتردد في إبداء رايه الصريح به رغم أن كلا الكاتبين متميزان بقوة اللغة. اللغة هنا طبعاً ليست إنشاء بل تنوع وثراء ومترادفات (سينونِم) وتدفق ومستويات وخلفيات إجتماعية وثقافية وفلسفية ورمزية وأليغورية (مجازية) مختلفة وعدم تكرار. وهذا حد كبير بلا شك يواجهه أي روائي يسعى لأن يكون عمله متميزاً. ولهذا نجد أن نسبة الأعمال الخالدة أقل بكثير من النتاجات الصادرة على مر التاريخ.
وكنا كما قلت سابقا نتحدث بإعجاب عن هذه الكتب وكنت اشعر برغبته للوصول إلى مستوياتهم ليس من خلال حديثه عنها فحسب، بل من ملامح وجهه، وهو أمر طبيعي ورائع أن يضع الروائي نصب عينيه أهدافا عالية.
اخترت الكتابة عن غائب طعمه فرمان رغم إغراءات أخرى كثيرة، وأذكر هنا أن أحد المستشرقين نصحني أن أختار القصة او الرواية الخليجية او السعودية على الأقل لأنها ستتيح لي فرص عمل أفضل وأكثر في هذه البلدان، وعندما دافعت عن الأطروحة بقيت عاطلا عن العمل وبلا جواز سفر، ذكرني هذا المستشرق بنصيحته القديمة لي “هل يستطيع غائب أن يجد لك عملاً؟ المفروض أن يساعدك في الحصول على عمل!”
لم أفكر، لا أنا ولا غائب، بهذه الطريقة “الواقعية” او “المصلحية”، ولو كنت من هذا الصنف لسافرت الى العراق واستفدت من امتيازات أصحاب الكفاءات، لكننا لسنا من هذا النوع من البشر ولم أندم لحظة في حياتي على اختياري لهذه الموضوعة.
كان غائب جاداً ومجتهداً ومتواضعا وساخراً ومخلصا وصادقا وعفويا وتلقائيا في حياته اليومية وكتاباته، لكن ظروف حياته لم تسمح له بأن ينطلق أكثر في تفكيره الروائي ويتجاوز اسلوبه. ولأوضح ما ذكرته سابقا: أعتقد أن سوء صحته وانشغاله بالترجمة ومعاناته من الغربة وإقامته في بلد شمولي حزبي وأمور أخرى نعرفها صرفته عن التفرغ للكتابة بطريقة الروائيين المحترفين، التي من شأنها أن تجعله منتجاً محترفا غزيراً يتجاوز تجاربه الشخصية وأن يكون حرا في تفكيره بكل معنى الكلمة.
لقد نشرت كتابي عنه في بداية التسعينات على حسابي الخاص عن طريق دار الكنوز الأدبية ونفذ وكان اول اطروحة دكتوراه عن كل اعماله الصادرة من الأربعينات حتى منتصف الثمانينات، أي باستثناء “المرتجى و المؤجل ” و “المركب”. وأشكر في هذه المناسبة زميلي الدكتور الفنان فؤاد الطائي الذي نفذ تصميم غلاف الكتاب.
ونشرتُ مقالاتٍ كثيرةً عن غ. ط. فرمان في الصحف والدوريات مثل البديل والإغتراب الأدبي والزمان والقدس العربي والمواقع الأدبية العراقية، ولاحظت ان هناك العديد من “النقاد” وكتّاب الأنترنيت ينقلون من كتابي او مقالاتي عن غائب بدون الإشارة الى مصدرها، باستثناء الدكتور صلاح نيازي الذي إستأذني مرة بطريقة حضارية أحييه عليها، وقسم منهم يتحدثون عنه في محطات تلفزيونية، ويتحدثون عن بوليفونيا “خمسة اصوات” التي اشرت إليها في أطروحتي في الثمانينات وكتابي عن باختين في التسعينات بدون أن يذكروا المصدر !! ومع ذلك أصبحت لا ابالي لأن المهم انهم يتذكرون هذا الكاتب الذي يجسد مصير أجيال مثقفين عراقيين كثر عانوا من الفاقة والحرمان والغربة والقهر السياسي. وأنا هنا أعجب لباحث أكاديمي يتناول اديباً بدون الرجوع إلى مصادره لاسيما في عصر الكومبيوتر وغوغول!
اليوم يوجد أكثر من كتاب عنه، مثل كتاب الصحفي والفنان الراحل أحمد النعمان، الذي ساهمت به بعدة مقالات، وأود أن اذكر هنا بأني بعثت له (النعمان) مخطوطة كتابي عن غائب قبل نشره عندما اخبرني عن مشروعه لثقتي العالية به وسعادتي لإهتمامه به، كذلك لأنه والحق يقال شجعني معنوياً وكتب مقالاً عن اطروحتي بعد دفاعي عنها عام 1984.
وقرأت قبل فترة قصيرة مقالا للباحثة العراقية ميساء نبيل عبد الحميد تذكر فيه الدراسات المكرسة لأعمال غائب مثل اطروحة الدكتور علي ابراهيم، ودراسة الدكتورة فاطمه عيسى جاسم، ودراسة ماجستير لشازاد كريم إضافة إلى كتاب المرحوم أحمد النعمان وأطروحتي عنه، ولم تذكر كتاب الدكتور نجم عبدالله كاظم الذي أشرت اليه وكتابين آخرين عنه، وتنوي كتابة أطروحة دكتوراه مكرسة لموضوعة الغربة والإغتراب في أعمال غ. ط. فرمان التي تناولتها أنا أيضاً في كتابي، واتمنى لها في هذه المناسبة التوفيق والنجاح.
تناولت في أطروحتي عنه نشأة الرواية العراقية ومكانة “النخلة والجيران” وكل قصص غائب القصيرة ومقالاته الأدبية الأولى، التي لا اعتقد يمكن الحصول عليها بسهولة حيث سافرت في الثمانينات إلى دمشق وبقيت شهرا كاملا أبحث في المجلات العربية القديمة عنها ولا انسى فضل موظف المكتبة الأستاذ الفاضل إبراهيم. ثم درست عالمه الروائي. وهي غير منشورة في دوريات أو مجاميع قصصية أخرى ولهذا يصعب على أي ناقد يتناولها بدون العودة إلى مجلات الأربعينات الخمسينات التي نشرت بها أو كتابي حيث قدمت عرضاً لها.
وحللتُ كل رواياته الخمس وركزت على موضوعاتها وبالذات الناستولجيا او العودة الى الجذور، والإغتراب والمكان والزمان والهرونوتوب “الزمكان” والأشكال الأليجورية بالذات في القربان، والبوليفونيا كما هو الحال في “خمسة أصوات”، وأسلوب عودة البطل كما هو الحال في “المخاض”.
قصصه الأولى تتسم بالبساطة والبدائية بالذات مجموعته الأولى “حصيد الرحى” وفيها مقاطع متطابقة تقريبا مع قصص مكسيم غوركي ذكرتها في كتابي ومقالاتي.
رواياته تختلف كثيرا عن قصصه فهي أكثر فنية وتطورا من حيث انسيابية اللغة والمقومات الأخرى التي ذكرتها سابقا.
أما من حيث تأثره بالكتاب الآخرين، لم يرضَ غائب بفكرة تأثر “النخلة والجيران” ب “زقاق المدق” رافضا بذلك افكار الأستاذ فاضل ثامر.
أما بخصوص تأثره بالصخب والعنف فقد ذكر لي واقعة، وهذه أول مرة أكتبها للتاريخ، بأن أحد الدارسين العراقيين جاء الى موسكو والتقاه طارحا عليه اسئلة لغرض اطروحة الدكتوراه وذكر لي اسمه لكنه طلب مني على طريقته المحببة بالنسبة لي ان اكتم الأمر وكأنه سر خطير، أذكر اني وقتها ابتسمت له وفعلا نسيت الموضوع.
قال لي غائب بأن هذا الباحث طرح مقارنات ومقاربات بين “الصخب والعنف” و”ظلال على النافذة”، واستطرد قائلا باللهجة العراقية، “قلت له فعلا أجر لك إذن”! كان يقصد الدكتور نجم عبدالله كاظم.
أنا شخصيا فهمت منه أنه فرح بهذه المقارنة لكنه رفضها فيما بعد، وطبعا هذا ما تأكد لي بعد ان حصلت على دراسته عن الرواية العراقية.
أي إنه كان يتأثر بالكتاب الواقعيين المنفتحين بحيث يظهر ذلك جليا على مستوى اللغة في كل الخطاب الروائي من الكلمة الأولى حتى نهايتها، وهذا ما عناه باختين بمفردة الرواية.
غائب ط. فرمان كان ممتنا جداً عند مقارنة “النخلة والجيران” برواية “فونتامارا” للكاتب الإيطالي إينازيو سيلوني، التي ترجمها وفقدها في القاهرة.
وللتاريخ أيضاً أقول هنا إني شاهدت فيلم “فونتمارا” في سينما جامعة موسكو، وقررت أن أقرأ هذه الرواية، ثم قرأت على ظهر غلاف أحد الكتب الموجودة في مكتبة غائب الشخصية إعلان عن ترجمته لهذه الرواية وترقب إصدارها، لكنها لم تنشر، بل صدرت فيما بعد باسم الشاعر عيسى الناعوري، الذي ترجمها من اللغة الإيطالية مباشرة.
بعدها حدثت مشرفتي عن هذه الرواية ومستشرقين آخرين ثم قرأتها، وفي النهاية أخبرني غائب عنها في احدى الجلسات وكان فعلا معجبا بها وقال إنه تأثر بها. وهناك فعلا أوجه شبه كثيرة بين فونتامارا الإيطالية والنخلة والجيران.
كذلك هناك اوجه شبه واضحة بين “المخاض” و”موت بائع جوال” لآرثر ميلر، التي وجدتها أيضاً في مكتبته، وهذه الحقائق مذكورة في كتابي وفي مقالي عن المؤثرات الأجنبية في أدب غائب طعمه فرمان.
أعتقد أن الكاتب الراحل الصديق فؤاد التكرلي من اكثر الكتاب رفضا لهذه المقولات لكنه والحق يقال إنه كان متفتحا معي في الحديث عن هذه الأمور ويطلب من الأكاديمي أن يدعم آراءه ب”الأدلة والبراهين” على التأثر، وهنا لابد ان اذكر انه كان كريما فتح لي مكتبته.
موضوعة التأثر بالكتاب الآخرين تخلق حساسية عندهم لكن الأكاديمي غير معني بمشاعرهم إذا كلن متأكدا من رأيه، وتعلمت في دراستي الأكاديمية في معهد الإستشراق الروسي فيما بعد هنا في جامعة كوبنهاجن أنه ليس لمجرد أن يقرأ الروائي كتابا معينا لنقول إنه تأثر به، كما هو الحال عند الكثير من النقاد الصحفيين وليس الأكاديميين طبعا.
بالنسبة لكاتبنا العزيز الراحل غائب كان ايضا كريما معي وفتح مكتبته امامي، إلا أنه لم يكن يحتفظ باصداراته القديمة، حتى مجموعته القصصية الأولى “حصيد الرحى” لم تكن لديه، واعتقد “النخلة والجيران” أيضا لم تكن موجودة عنده وكنا نضحك كثيرا لهذا الأمر. واذكر حقا أنه كان يضع صحيفة منشور فيها مقابلة معه على المنضدة وكنا أنا وإياه نضع أكواب الشاي عليها!!
لابد لي وأن أقول إن غ. فرمان كان يذكر بعض اصدقائه مثل المرحومين أحمد النعمان ورشيد رشدي، الذي عرض علي تعاونه معي والدكتور ضياء نافع وآخرين.
ولابد لي من أن أشكر الروائي برهان الخطيب، الذي فتح لي مكتبته وأعارني بعض الكتب العراقية القديمة، كذلك بعض المستشرقين منهم فاليريا نيكولاييفنا وشاغال وجوكوف الذي كانت لديه اغلب القصص العراقية، وطبعا موظفي مكتبة معهد الإستشراق وآخرين لم تعد الذاكرة تحفظ أسماءهم.
أما بالنسبة الى آراء أصدقاء غ. فرمان عنه فلم استفد كثيرا منها واغلبها انطباعات شخصية، وأشير في هذه المناسبة أني فعلاً فوجئت بأن أحد المقربين جدا منه كتب في ذكرى رحيل الكاتب، بأن زوجة الأخير إنا بيتروفنا ترجمت روايته “خمسة أصوات” رغم أني ذكرت في أطروحتي أن هذه الرواية ترجمتها المستشرقة لينا ستيبانوفنا.
كان المرحوم غائب يزورنا باستمرار في كل مرة ندعوه عندما كنا نقيم في منزل الطلبة الذي كنا انا وإياه نسخر قليلاً من إسمه “دار العلماء الشباب” التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية في موسكو، وآخر مرة في التسعينات دعوته لزيارتي في الدنمرك وفرح للأمر لكنه تمرض وغادرنا وتأثرنا بفقده كثيرا وبقي في قلوبنا ولم يغب عنا لحظة واحدة حتى الآن لأنه كان قبل كل شيء إنساناً دافئاً وبسيطاً وصادقا ومتواضعاً ومثابراً محباً للآخرين بكل ما تعنيه الكلمة.
ويسعدني هنا أن أهدي موقع الناقد العراقي والمشرف عليه الإنسان الدؤوب الدكتور حسين سرمك بعض الصور التي التقطتها لكاتبنا الرائع الراحل غائب طعنه فرمان عام 1984 التي لم أفقدها لحسن الحظ في غربتي الطويلة.

الأديب الراحل غائب طعمه فرمان مع الدكتور زهير ياسين شليبه 1، موسكو، 1982-1983

الكاتب العراقي الكبير غائب طعمة فرمان ويقف إلى جانبه د. زهير ياسين شليبه، يقرأ له تدوينه لبعض حواراتهما التلقائية، موسكو 1983-1982

من اليمين: الدكتور النحّات جوشن ابراهيم، الأديب الراحل غائب ط. فرمان، الصغيرة فيروز زهير

الأديب الراحل غائب طعمه فرمان. تصوير زهير شليبه 1984

الأديب الراحل غائب طعمه فرمان. تصوير زهير شليبه 1984

الأديب الراحل غائب طعمه فرمان. تصوير زهير شليبه 1984

الأديب الراحل غائب طعمه فرمان. تصوير زهير شليبه 1984

الأديب الراحل غائب طعمه فرمان. تصوير زهير شليبه 1984

*ملاحظة:

لأسباب فنّية تأخر نشر الصور المُرسلة من الناقد الدكتور زهير شليبه كاتب المقالة وسوف تُنشر قريباُ بإذن الله.

ملاحظة 2

تمّ نشر الصور اليوم 2 تشرين الأول 2018 بعد وصولها من قبل الناقد الدكتور زهير شليبه ، وسوف تُنشر صور أخرى منه عن الراحل الكبير في حقل الصور النادرة من صفحة الموقع الرئيسية .. فشكرا له. 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"