الرئيسية » نقد » ادب » سليمة مليزي في حدائق الغفران .. تألق في كشف تجلّيات وجماليات الحب والفرح مقدمة الديوان
بقلم .. سعد الساعدي

سليمة مليزي في حدائق الغفران .. تألق في كشف تجلّيات وجماليات الحب والفرح مقدمة الديوان
بقلم .. سعد الساعدي

سليمة مليزي في حدائق الغفران .. تألق في كشف تجلّيات وجماليات الحب والفرح
مقدمة الديوان
بقلم .. سعد الساعدي
صدّرت ديوانها بكلمات مقتضبة جداً ؛ عرّفت بها الشاعرة الجزائرية سليمة مليزي الكتابة شفعتها بالكون وابداع الذات ، وجماليات الروحانيات إنطلاقاً من فلسفة ديوانها (( حدائق الغفران )) التي حملت احدى القصائد عنوانه وكأنها استذكرت أبا العلاء المعري في رسالة الغفران . من هناك انطلق المعرّي بعيداً عبر حدود الارض الى ما بعد السماء ، ومن هنا حلّقت شاعرتنا بعيداً جداً في فضاءات سحيقة لتبدأ ترسم بوجدانها خلجات الروح العاشقة وحبها اللامتناهي ؛ فكانت أولى القصائد دروب :
وأنتَ تمازحني في دروب معبّدة بالفرح
سرقتْ منكَ قبلة الصباح
ابتدأت متفائلة فرحة وكأنها فراشة بين بساتين تحلق من وردة الى وردة ، ومن عطرٍ الى شذا ، ومن روح هاربة الى كشف جديد تعلّق في أعماقها ، ليسكن معها ابداً ، بين ثنايا الوان تحب أن تختارها بدقة فائقة ، وهذا ماعرف عنها دائماً ؛ لكنها الآن اكتشفت مزيجاً متجانسا منه كي تبقى محلقة مع قارئها الى آخر حرف من آخر قصيدة رسمتها تلك الألوان .
منْ لايعرفني ؟ هكذا قصائدها تقول ؛ أنا معكم وبينكم أعرّفُ نفسي ؛ أبوح ولا اتردد ، واقول : ها انا ذا إبنة الجزائر ذلك الوطن الذي شرّف التاريخَ أسمُه ، فكان نزيف الوجع ، الاحلام ، العشق ، الذي تنهيه ببسمةٍ طالما تعلمتها من الوطن الباسم .
سليمة مليزي التي عرفناها مولعة بأدب الرحلات ، وجمال الطبيعة اين ما حلّت ، وصورة البحر ، وحدائق باريس ؛ لم تتردد يوماً في عناق طويل مع الصباح ، وأوراقه ، والطير وغنائه ؛ فغرّدت بالحب كثيراً لتمنح الهوى شوقاً زرعته :
لا منحَ الدّهرُ ربيعاً ..
وأساطير الحبِّ وما قرأته
في رحاب حدائق الغفران سيندهش القارئ وهو يرى تجلّيات وجماليات تتجدد مع كل كلمة فيها ؛ كأن الشاعرة ولدت من جديد للحياة ؛ هي ترسمها وليس العكس ؛ بواقعية لائذة بجوار الورد تصحو في كل الفصول ، ولا تجد غير البسمة والفرح .
تفاؤلية عالية جداً نراها هنا مع غيابات كثيرة وتمرد فكري لا يبالي من أحزانه ، صياغات متفردة لا تحمل إلاّ رمزاً واضحاً للحب والحياة . هنا لابد من الالتفاتة بشكل مركّز، ومختصر لما تكتبه مليزي على طول خطوط الجمال لديها ؛ انها تميل برمزيتها المتدفقة الى بقاء القارىء بلا تشتت متابعاً مستأنساً مع ما كتبت ، فهي تعرف منذ البدء انها تبعث رسائل لابد أن تُفهم بلا عناء ومشقة لكنها تحتاج لتأمّلٍ عميق لانها تأملت كثيراً في ما يبدو باختيار المفردة النقية بعناية فائقة كي تسمو بما تصنع ، ومعها بسمو المتلقي بجميل ما يقرأ .
في تراتيل التمني صورة جميلة تنعش المتلقي حين يسمو ـ هو ـ مع جمال طبيعي ، وخيال غير غارق بظلام مُدَهْلز ، لا مكان له ولا زمان : ومن غيرك يشعل فتيل عشقي ؟
أيقظ الحنين من عمر التّمني
تراتيل الشوق ..
لا تتعثر مليزي بين الاساطير وعبق التاريخ ، بل تسبر كل الاغوار بانسيابية رحّالة متمرس عارف بكل الطرق ، وحين تبحث بين كل الاوراق القديمة ، تجدها دائماً مبتهجة بما تحمل من مأسآة ومرارة ، وكأنها تتجول في حقول من سنابل ذهبية اللون تتحول لقوت شعبي وحياة زاهرة بالنعمة والكرامة . تقف مع هوميروس والمتنبي ، وشهرزاد وجنون قيس ، وأغاني ابن زيدون في قصائده الخالدة لتعود مع الوانها تفلسف ما تبوح به من متعة ليس لها وحدها ؛ بل للجميع . بين قصائد حديقة الغفران إمتاع لذيذ يسعد القارئ اينما رحل و أين ما حطّ برحاله .
من يكتب عن المبدعة مليزي يقف طويلاً متأملاً ينابيع الجمال ، وانهار العطر المتسامي بعيداً بعيدا حيث السكون ، والأمل المتجدد والذكريات بما تحمل من كل المعاني . لا نحتاج جميعاً كقراء ونقاد وباحثين في الشأن الأدبي أن نكسّر نصوص الشاعرة ونعيد بناءها من جديد كي نعطي ما نريده نحن، وليس ما أرادته هي ومهما اعيد البناء فانه سيرجع لقالبه الاصيل ، فالحروف والكلمات هي التي تقودنا قبل ان تدعونا الشاعرة لسماعها ، حتى من الصمت ينبثق الصوت الدافيء ليغني كلمات غزلها الخجول .
الشاعرة كتبت بدراية أهل الصنعة العارفين من أين تدخل السعادة للمتلقي . وقبل ان يصلها صدى رسلتها تيقنت بالقبول ، والموافقة . وهذه سيرتها الشعرية دوماً ، وهذا هو سرّ نجاح كل عملية اتصالية . مارست مليزي الاتصال الجماهيري عن بعد وكأنها في جلسة شعرية تقرأ الوجوه ، وترى التفاعل ؛ لتشعل الحماس.
مكنون جمال ما كُتب في هذا الديوان هو سريان رسالتها الاعلامية بوضوح خالٍ من اي غموض والتباس يشتت ذهن المتلقي لما يحمل من منتقيات ممغنطة ببوحٍ شجيّ ، وشذرات تعمقت بلا نهائية زمانية من اسرار النفس ومكنونها وضعتها مليزي على ورق مترقرق لا تخشى ضياع اي حرف او كلمة .
اكثر من اربعين وردة ( قصيدة ) تربعت في حدائق الغفران ، وكل وردة بلون مختلف بين الحنين الى الأم ولياليها المفعمة بالحب وكانّها جنة الارض ، وذكريات الصبا ، وحضن دافئ . وورود أخرى هناك تشهق بالحب من جديد كما في قصيدة ( وجع ) التي تميزت باستعارات وتشبيهات تأخذ المتلقي الى عالم كبياض الثلج رغم ما تحمل من عتاب ؛ لكنها أزهرت ورداً من حنين . و نلاحظ ذلك بوضوح تام في قصائدها : شتات الذاكرة ، ثرثرة على الشفاه ، موعد الضياء ، مرافئ الرحيل ، وغيرها الكثير ، مزجتها بالحب والازهار والفرح ؛ فكان ديوان (( حدائق الغفران )) واحة غنّاء امتلأت بأريج مبهج زرعته سليمة مليزي بهدوء ، وروية ، وكانه عرائش الياسمين على ضفاف دجلة والفرات ، أو اسطورة عشق على ضفاف النيل وخدود الورد ، وبوحٍ على حافة الشفاه ينتظر ورود الربيع ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *