تابعنا على فيسبوك وتويتر

rasha_fadelليس مدهشا وغريبا .. ان نقرأ نصا عراقي الوجع لكاتب عراقي … لأن اوجاعنا تحولت بفعل غرائبيتها وديمومتها وعبثيتها الى مادة دسمة وقابلة للتشكل الروائي- الحكائي -الشعري وحتى الغرائبي ايضا .
لذا اعتدنا على رؤية الكاتب العراقي يتفنن في رسم جرحه الذي لايحتاج الى استنطاق المخيلة لتدوينه على الورق لأن ماحدث في هذا البلد المبتلى منذ بدء الخليقة باناشيد الحرب يفوق الخيال والتصور ..
ما يثير الدهشة حقا ..هو ان ارى هذا الوجع العراقي يجري في نسغ اقلام لم تعرف العراق الا وجها ملطخا بالأسى لترسم ملامحه فوق نعومة ورق لم ينغمس بياضه في رماد الحرب إلا وهو يرسم ملامح الوطن الذي تناهبته الحروب والخسارات .. وطن لم يلتق به الا في احلامه وصوره المتناثرة في رحابة الفضاء الالكتروني وعبر ماتنقله الاقمار الصناعية من تداعيات نالت مانالته وتركت ماتركته من حطام وخواء بدا لي بعد مشوار الحرب الطويل ان نزفه لم يجري في سواقي النسيان بعد وان armalat_zryabذاكرته لم تعد ارضا صالحة لحوافر الزمن ليدوسها ويمضي فقد استدل الدرب اخيرا الى بياض ورق اخر بطعم اخر ليروي حكايته عبر حناجر اخرى وهذا ما وجدته في المجموعة القصصية (ارملة زرياب ) للقاصة والشاعرة السعودية بلقيس الملحم الصادرة عن الدار العربية للعلوم والنشر 2008 والتي حملت عنوان ( ارملة زرياب ) ..
العنوان الذي شكّل رمزا دلاليا نابعا من متن النصوص التي كانت مرآة عكست صور المجتمع العراقي خلال مرحلة الاحتلال وتداعيات الانسان العراقي وهو يواجه ثقل هذه المرحلة وعبئها بكف واحلامه المهزومة بالكف الاخرى ، حيث ان زرياب هو المغني العراقي الذي أسّس اول مدرسة فنيّه في العالم وكان فنان عصره وزمانه في عهد الخليفة هارون الرشيد وقد اطرب الملوك والسلاطين في اغانيه الى درجة تقريبه منهم مما اثار حسد من حوله الذين اخذوا يكيدون اليه المكائد حتى هرب تاركا بغداد لتكون ارملته منذ ذلك الوقت لذا يعتبر زرياب رمزا حضاريا وجماليا كان له حضوره الفاعل وآثاره الخالده في الحضارة العربية والغربية حيث إنه أول من أنشأ معهداً للموسيقى العربية في أوروبا (ألأندلس) ، إضافة للعديد من الإنجازات الاخرى التي لايتسع المجال لذكرها وما يهمنا في ذلك كله هو تبيان مايحمله اسم (زرياب ) من دلالات رمزية تقودنا الى الى مرحلة تاريخية شهدتها بغداد وهي مرحلة ذهبية ازدهرت فيها المعارف والفنون حيث اعتبرت من المراحل الذهبية في حينها، وحين يترك زرياب بغداد بما يحمله من طاقة جمالية وقدرة استثنائية على الابداع والابتكار لتصبح من نصيب مدن اخرى فهذا يعني خسارة كبيرة والخسارة اتخذت اليوم أشكالاً اخرى حيث فتحت النوافذ واشرعت الابواب بوجه الظلاميين الذين يحملون شعلة الموت التي اطفأت منابع الجمال والضوء في بغداد التي هجرها الكثير من المبدعين والعلماء وكأنهم يقتفون أثر زرياب ، لتبقى بغداد تعيش عصراً ظلامياً آخر بعد أن كانت محطة للعلم والمعرفة ولتصبح مرة اخرى أرملة لكل قيم الجمال والحب ، لاتتوقف سيميائية العنوان عند هذا الحد بل تنفتح على افاق اكثر رحابة في الاتصال والتعبيرعن متن المجموعة حيث تشكل صورة الغلاف مدخلا آخر يحيلنا الى فضاء القصص بما احتواه من صور ذات دلالات تتصل اتصالا مباشرا بالعنوان فقد حمل الغلاف صوراً لنساء منتحبات وهن بالتاكيد ارامل الفرح والحلم كبغداد تماما ،
يحملن ملامح الشخصيات المختبئة خلف أستار السرد في قصص هذه المجموعة
التي نجد فيها تناغما وتمازجا بين العديد من انواع الفنون فمن العنوان الى الغلاف
تتشكل لدينا عوالم القصص وفضاءاتها فالغلاف والعنوان يشكلان منظومة اخرى قابلة للقراءة والتأويل .

تفتتح المجموعة بنص شعري يضيء الدرب الذي يقود الى الحكايا المنسوجة بالوجع العراقي وهذا مايميز المجموعة فقد كان الهمّ العراقي حاضرا في كل القصص بلا استثناء ، فتقول الكاتبة في المقطع الشعري الذي يحكي رؤيا شخصية حدثت لها :

رأيتني في المنام
انعطف يمينا مع صوت بعيد
بات مني قريبا كالوريد
همس الملك
بينما كنت افتح شبابيك الدنيا
لحظة عرس
قبل ان يحف بجناحيه قائلا :
سوف تدخلين الجنة
سترينها بأم عينيك الآن
انسكبت دفعة واحدة
بين يدي نهر طويل
شاسع
ازرق
عميق جدا جدا
وعلى ضفتيه وقفت غابات من النخيل

بهذا النص الشعري تفتتح بلقيس الملحم المجموعة ، لتحلق
بأجنحة الشعر وهي تدخل فضاء القصة القصيرة حيث شكلّت هذه المجموعة تداخلا وتناغما مع اجناس ادبية اخرى منها الشعرالذي يرمي بظلاله على عوالم قصصها رغم ان الكاتبة كانت تدير دفة السرد بحرافة ومهارة حيث اعتمدت التكثيف في النصوص وهو امر اعتمدته حتى في نصوصها الشعرية .
تتكون المجموعة من اربعة عشر نصا قصصيا تتمحور ثيمتها حول المعاناة العراقية من منظور اجتماعي يجعل القاريء يتصور ان هذه الكاتبة هي ابنة العراق ومعاناته لأن حرفها ينبع من فوهة الجرح ولايمر مرورا عابرا ، وهنا تتجلى موهبة الكاتبة من حيث التقاطاتها الذكية للحدث العراقي الذي تطلع عليه من خلال وسائل الاعلام المتاحة والعمل على هذا الحدث المتكرر وادخاله في مشغلها السردي ليصاغ من جديد وفقا لآليات القصة القصيرة التي برعت في صياغتها ، وقد اكدت الكاتبة الجزائرية ياسمينه صالح على براعة الكاتبة في معايشة الحدث الذي تكتب عنه من خلال مجموعة الآراء التي تضمنها الكتاب حيث قالت :

( بلقيس الملحم منحت لي اشياء ممتعمة بدأت جعلتني اكتشف ذلك الجرح الذي اعادني بعضه الى بغداد على الرغم من انه يجاوره ، مثلما اعادني الى المدن المجروحة ، والى الاشخاص الجميلين حتى في اقصى انكساراتهم .. شعرت انها المجموعة التي تتسرب الى القاريء بحميميتها التي تجعلك تشعر انك التقيت بكاتبتها في مكان ما وانك سحبت كرسيك المعتاد لتجلس قبالتها ولتصغي اليها ولتعرف انها في قمة جرحها ” داخل النص فهي تكتب وتعي ان الكتابة ليست جرحا بل جرحها الاجمل الذي لابديل له .. انه الوطن الذي نسكنه.. ولهذا نرى البالد خارجه بطريقة مختلفة عن تلك التي يراها الانسان العادي )

اما الكاتب حسين ابو سعود فقد وصف المجموعة بأنها تنشر اللهفة اللذيذة في الارجاء وتفاصيل العناوين تحمل الينا تلك المدن بقضها وقضيضها دون ان تحملنا مخاطر السفر ورهبة الاغتيال ،

ولعل التقديم الذي كتبه الشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي يمنح القاريء تصورا شاملا لأجواء القصص ولملامح الكاتبة الادبية فاتحا النوافذ امامها للدخول الى الرواية من خلال استنادها للواقع الذي تعتبره مرجعيتها الاساسية مستعينة بذاكرة روائية جعلت النوافذ امامها مشرعة لدخول هذا الملكوت .
تبقى ارملة زرياب (حكايا ) تؤرشف مرحلة مهمة من مراحل العراق مصاغة بشكل ادبي وفني يمتلك كل مقومات النجاح والاستمرار في كتابة القصة القصيرة كمدخل لكتابات اخرى بأجناس ادبية جديدة تمتلك الكاتبة كل مقومات النجاح والابداع فيها .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"