تابعنا على فيسبوك وتويتر

علي السباعي .. التخيل وصراع الواقع 1 – 2 
العجائبية والفنتازيا في مومياء بهلول
وجدان عبدالعزيز
ناقد

اصبحت قصة (زليخات يوسف) الاطار الاحتوائي لكل ما حملته قصص المجموعة الموسومة بنفس الاسم ، حيث بث الكاتب علي السباعي خلجاته الانسانية عبرها ، وعمد بقصدية الى اقتراح هذا الاسم .. وحينما التمعن بالسياقات السردية لكل قصص المجموعة وما حملته من معاني ، لوجدناها تصب جميعا في رؤية الكاتب الرافضة والقلقة تجاه كل المواقف التي يفرزها الواقع المحيط  ـ وما اكثرها ـ ناهيك عن ضغوطات هذا الواقع على عوالم التخيل التي يجترحها الكاتب السباعي ، ويتماهى معها ضمن مرتكزات عديدة .. ومنها المدونة التاريخية التي احاطت بكل كتاباته السردية تقريبا .. وتبدى لنا في هذه المجموعة استثمار الكاتب لقضية تداخل الفنون عبر مسارات جمالية البحث عن الحقيقة مما دعاه الى اعتماد القطع والالصاق وصناعة المشهدية ومع انفجار المعارف المعاصرة ، ومن ضمنها الفلسفة والمذاهب الأدبية والنقدية ، لم يعد هناك من حقيقة ثابتة: فقد صار كل شئ عرضة للتطور والتغير والشك والمغادرة ، وكان لتطور فلسفة الجمال أثر مهم في ذلك ، ولا سيما جماليات كروتشة الذي شن في الإستطيقا ، عام 1902 ، هجوماً على مفهوم الأنواع الأدبية: “لم تقم له بعده قائمة برغم المحاولات العديدة التي جرت للدفاع عنه ، أو لإعادة صوغه بشكل مختلف” ، ما دفع بعملية التداخل إلى مواصلة التطور فيما أطلق عليه جيرار جنيت جامع النص الذي يقصد به “مجموع الخصائص العامة التي ينتمي إليها كل نص على حدة” ، وفيما اندمج بنظرية أوسع هي نظرية الخطاب وعلم النص ، أو ما أطلق عليه بالنصوصية بعد أن مهدت مباحث الشعرية السبيل لذلك ، كونها تقوم في الأساس على الانحراف وانتهاك قوانين الاعتياد. وكان من الطبيعي لهذا التطور ، واستعارة السمات من جنس لجنس ، أن يسمح بظهور مسميات جديدة بوصفها مصطلحات لنوع من الكتابة الحرة يستثمر خصائص أنواع أدبية متعددة كمصطلح الكتابة والنص ، الذي كان رولان بارت أشهر من نادى به وتبنى إشاعته والدفاع عنه. أما التداخل بين النصوص فهو النظرية المتقدمة التي أسست لمفاهيم قديمة تكثفت حتى غدت حديثة في آليات التأسيس والعرض ، هي نظرية التناص التي يجمع أصحابها على أن النص ليس منتجاً مخترعاً ولا بريئاً ، بل هو نتاج تداخل نصوص قديمة أو مزامنة له تتصارع وتلتمع في فضائه ، فالنص ـ عند جوليا كرستيفا ـ امتصاص وتحويل لنصوص أخرى ، بحيث يتحول النص الجديد إلى ما يشبه الفسيفساء سواء في تماسه التركيبي مع النصوص المقتبسة أم في تحويله الدلالي لها ، أو الإشارة والتلميح إليها ، أو التغييب لها في مناطق متفاوتة العمق ، لكن ترانس هوك يؤكد ناحيتين: أولاهما أن النصوص الأدبية هي رسائل تشير إلى نفسها ، وإن كانت تحوي إشارات متواصلة إلى أعمال أدبية وفنية أخرى ، ما يعزز دور المؤلف أو المبدع في إنتاج النص ، دحضاً للمبالغين في سلبية الدور الذي يقوم به المبدع في عملية الإبداع من كونه فضاء تمر عبره الكتابة ـ كما ادعى كلود ليفي شتراوس ، الذي لا يمتلك الشعور بأنه يكتب ، بل يمتلك شعوراً بأن الكتب تكتب من خلاله ، وتلك هي المعضلة التي كمنت وراء إشكالية موت المؤلف ، على ان هذه التحديدات لا تلغي دور المبدع الذي يدرك هدفه كما يعي جيدا وظيفة عمله وأبعاد نصه ـ ورسالته الإبداعية في كل ذلك ، والتناص حسب ليتش “ليس ذاتاً مستقلة أو مادة موحدة ، ولكنه سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى ، ونظامه اللغوي مع قواعده ومعجمه جميعها تسحب إليها كماً من الآثار والمقتطفات من التاريخ ، ولهذا فإن النص يشبه في معطاه معطى جيش خلاص ثقافي بمجموعات لا تحصى من الأفكار والمعتقدات والإرجاعات” ، التي يتوسل بها الكاتب لبناء رؤيته بنية جديدة ليست هي البنى القديمة لتداخلاته النصية التي كمنت في أعماق نصه الجديد. بل هي النصوص التي امتصها وحوَّلها إلى بنية جديدة ، ودلالات مباينة لما كانت عليه من قبل ، ووظيفة القارئ أن يستشرف دلالات كل تلك المداخلات لتشكيل الدلالة الجديدة للنص ، فالتناص حسب ريفاتير هو الآلية الخاصة للقراءة الأدبية إذ هي ، وحدها ، التي تنتج الدلالة في الوقت الذي لا تستطيع القراءة السطرية المشتركة بين جميع النصوص ، أدبية كانت أم غير أدبية ، أن تنتج غير المعنى ، وعليه يمكن الإقرار بأنه من خلال إعطاء المبدع حقه في تشكيل نصه وتداخلاته التي تشتبك ، عن قصد ودون قصد ، لا يمكن عزله عن واقعه الذي تشكلت فيه رؤاه وجملة مواجعه المعاصرة ، ذلك أن التناص ، وإن أبعد النص عن طرائق عمل النقد التقليدي الذي يعده نتاج التفاعل بين عوامل عدة ، إلا أن كرستيفا التي حولت حوارية باختين في العلاقات التناصية المتداخلة إلى التناص ، عام 1966 ، في مجلة “تيل كيل” ، أشارت في ما بعد إلى الأمر من خلال محورين: أفقي يربط المؤلف بقارئ النص ، وبينهما أفق قرائي_إبداعي ، وعمودي يربط النص بنصوص أخرى ، فمنجز كرستيفا النقدي حول التناص ، قد عمل على تبديل الكثير من المفاهيم التقليدية التي كانت سائدة ، إذ أدخلت أوليات التناص في لعبة الدلالة المتواصلة وفي حقل الإنتاجية النصية ، وهكذا تداخل كل شئ بكل شئ ، وسقطت الأعراف والتقاليد الصارمة التي كانت تضع حدوداً فاصلة وحاجزة بين مجمل الفنون.. تلك التقاليد التي كانت تلزم المبدع ونصه بالخضوع لها منذ أن تغيرت النظرة إلى مكونات النص وسايكولوجيته ، وكان لزاماً على القراءة ، والأمر كذلك ، أن تكسر أعرافها ـ هي الأخرى ـ لتواكب نصاً جديداً يُلزمها بمعرفة جديدة وعميقة ، وبقيم تتشكل مع كل نص من جديد لتجعل منه نصاً متفرداً ، ما دام لكل نص قيمه التشكيلية الخاصة به ، حتى صارت كل القراءات لها ما يبررها حين تستجيب لشرط معين ومحدد هو شرط القارئ العارف والجاد. من هنا احتاج النص الجديد لقراءة خاصة تفكك خيوطه المتشابكة ، من جهة ، وتجمع شتاته المتشظي ، من جهة أخرى. فـ(إن حركة النقد الأدبي تنشغل الآن بدراسة الغنى والتنوع الرؤيوي والأسلوبي داخل النصوص الأدبية المعاصرة والتي صارت حافلة بظواهر التداخل النوعي للأجناس الأدبية وتوظيف تقنيات بعضها البعض توظيفا واعياً وذلك حتى تكون قادرة علي التعبير عن أزمات واغترابات الإنسان المعاصر الذي يعيش عالماً سريع التحول والتغير ، كثير الإشكاليات والصراعات ، وأقل ما يمكن أن يقال في هذا الشأن ، هو صراع الفرد وكثير من المجتمعات في هذا العالم بين عولمة نمطية تلغي الحدود والهويات وتذيب الفوارق والملامح المائزة وبين هويات وقوميات تحاول جاهدة أن تستعصم بخصائصها وتحافظ علي ما تبقى من سماتها المميزة ، العرقية والفكرية والمجتمعية . إن منظري الأدب ، ” يكاد يجمعون علي أن الأنواع الأدبية ليست ثابتة الأركان ، ولا مطلقة الوجود ، بل كيانات متحركة متحولة أبداً ، بما يجعل من انقراض أنواع وتولد أخرى جديدة وتحولها أمراً طبيعياً ، بل يكاد يمثل قانون وجود هذه الأنواع ذاتها ، من حيث أن الفن بطبيعته ، تجاوز دائم بصفته إبداعاً وخلقاً متجدداً ) ، وهذا ما يحاول الكاتب السباعي الى فعله ، حتى خلق من مجموعة (زليخات يوسف) نظاما نسقيا في ما يشبه كتاب قصصي يتكئ بعضه على البعض الاخر في البحث عن الحقيقة الجمالية المتحصلة من رحلة قراءة هذه القصص التي تأبى بتمنع من ان تعطي نفسها في قراءة واحدة اعتمادا الى صرخة الحلاج : (اقتلوني ياثقاتي ان في موتي حياتي) .. فمسار الحياة الاولى والموتتة الاولى تأسيس لحياة ثانية ، يكتنفها الغيب الذي يحتاج الكثير لاكتشافه وبين ضجيج الحياة وصمت الموت ، ففي ديانات شعوب الرافدين نرى أن الإنسان حسب تلك الديانات هو الذي اختار قدره ومصيره فالآلهة خلقته سعيداً وخيّرته بين الخلود والموت من خلال منحه حرية الاختيار بين شجر الجنة عامة وبين الثمر المحرم الذي يقود الإنسان إلى الخروج من النعيم والى الموت.. «لقد خلقت الآلهة الإنسان منعماً سعيداً لكنه أذنب وارتكب الخطايا بإرادته الحرة فأرسل عليه طوفان عظيم عقاباً له على فعلته ولم ينج إلا رجل واحد هو تجتوح الحائك.. وقد خسر تجتوح الحائك الحياة الخالدة لأنه أكل فاكهة شجرة محرمة». وقد حاولت أساطير شعوب الرافدين وملاحمهم ودياناتهم التغلب على الموت بمساعدة الآلهة واكتشاف سرّ الخلود الأبدي الذي خسره الإنسان مختاراً بعد أكل الثمرة المحرمة.. ونلاحظ أن البحث عن سر الخلود كان محور أساطير الديانات الرافدية وآدابها لكن سرعان ما اكتشفت استحالة ما تصبو إليه لأن (إي) آلهة الحكمة «علّمت (آدابا) حكيم أريدو وجميع العلوم ولم تخف عنه من أسرارها إلا سراً واحداً هو سر الحياة الأبدية التي لا تنتهي بالموت». ولن يستطيع الإنسان الحصول على هذا السر ولذلك بقي الموت أمراً حتمياً لا راد له، وما الحياة الأبدية والخلود إلا للآلهة وحدها «الآلهة وحدهم هم الذين يعيشون إلى الأبد أما أبناء البشر فأيامهم معدودات وكل ما عملوا هراء وعبث». ، ففي دواخل هذه الاشكالية تتجلى عوالم اخرى ، اعتقد ان الكاتب السباعي دخلها فكانت رؤيته الرافضة .. 

رسم في قصة (مريم البلقاء) لوحة جمعت الوان من التناصات ذات خطوط متوازية واحيانا متعامدة مع المعنى المراد .. واكثر من استثمار القطع واللصق حتى بدى انك امام لوحة ضجت بالوانها الباردة  والحارة ، وبالتالي تركت نهايات في فضاء اللون الواحد الذي لايستقر على حال مما جعلنا نقول بالنهايات المفتوحة ، حيث جاء في قصة (مريم البلقاء) : (فتناسى اهلي ان مريم ارادت بموتها التخلص من ضيق جسدها لحبها الكبير لي ، ذلك ما اخبرني به ادونيس عندما التقيته في احلام يقظتي : تخلصت مريم من ذاتها ـ فرديتها ـ وتوحدت معك ، خرجت ذاتها لتدخل بذاتك ، غادرت حبيبتك ظمأها الى ارتوائك ، الى وجودها المليء بك .. لهذا اصبحت كما يصفك ابن عربي) ، وذلك بتعاظم صورة المحبوب وتضخيمها بحيث يضيق خيال المحب عن استيعابها ، مما يؤدي الى نحول بدنه ، وتغير صورته ، فيصفر لونه وتذبل شفتاه وتغور عيناه وتضعف قواه ويغشي عليه اذا رآه ويصعق في الاخير ، وقد يجن وكانت معتقدات ابن عربي تتلخص بما يلي (وحدة الوجود مذهب فلسفي لا ديني، يقول: إن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وإن الله هو الوجود الحق، ويعتبرونه -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- صورة هذا العالم المخلوق، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته. يقول د. أبو العلا عفيفي في مقدمته لكتاب الفصوص : “ولم يكن لمذهب وحدة الوجود وجود في الإسلام في صورته الكاملة قبل ابن عربي، فهو الواضع الحقيقي لدعائمه والمؤسس لمدرسته والمفصل لمعانيه والمصور له بتلك الصورة النهائية التي أخذ بها كل من تكلم في هذا المذهب من المسلمين من بعده”. ويتلخص مذهب ابن عربي في وحدة الوجود في إنكاره لعالم الظاهر ولا يعترف بالوجود الحقيقي إلا لله، فالخلق هم ظل للوجود الحق فلا موجود إلا الله فهو الوجود الحق. فابن عربي يقرر أن كل هذه الموجودات القائمة من السماء والأرض والجن والإنس والملائكة والحيوان والنبات ما هي إلا الله، وأن هذه الموجودات هي عين وجوده، وأنه لا يوجد خالق ومخلوق ولا رب ولا عبد، بل الخالق هو عين المخلوق، والعبد هو عين الرب، والرب هو عين العبد، وأن الملك والشيطان، والجنة والنار، والطهر والنجاسة وكل المتناقضات والمتضادات ما هي إلا عين واحدة تتصف بكل صفات الموجودات، وهي عين الله الواحد الذي ليس معه غيره و كان يكثر من استعمال لغة الرمز والإشارات؛ وهذا الأسلوب الذي اعتمده ابن عربي تأثر فيه بالفرق الباطنية كالإسماعيلية وكتابات إخوان الصفا وغيرهم. .. هكذا الكاتب السباعي يستعين في التصوف في ايضاح رؤيته الرافضة لقبح الموت ويتمسك بروح حبيبته التي تداخلت مع روحه وظل الكاتب يحاول تعميق وجودها ، رغم موتها .. (مريم ، مريم التي خرجت من احد اضلعي انفقت عمري مثل ادم ابحث عن ضلعي الناقص : مريم . رفع زوار القبور اعناقهم بحركة واحدة لأثر ندائها الثالث ، وكأنهم دجاج يشرب الماء ـ هنا ـ اغمي عليّ ـ بت اسمع صوت وقع حوافر فرس جامحة فوق كلس القبور الكلس يتكسر تحت سنابكها . الصوت القادم ، قادم ، ضوضاء حوافرها تتصاعد تتصاعد. الوقع يتصاعد . يتصاعد . يقترب ، ابصرت من غيبوبتي فرس جدي البلقاء تمتطيها مريم ، مرتدية بدلة زفافها ، مثل فتيات شارع الزواج في لكش علقت على صدرها شالين حريريين احدهما ازرق والاخر احمر ، وبينهما لافتة مكتوب عليها : اليك .. اليك وتعني انها تطلب الزواج ، ترجلت ، فذكرني لون شالها الاحمر بالذات ايام كنا طلابا في المدرسة الابتدائية ، كنت اقترب منها لاسرق شريطها الاحمر الذي تعقص به ضفيرتها ، وبسرقتي لشريطها الاحمر كانت رئتاي تسرقان عبيرها ، فتمتلئان عطرا ، كنت اسرق شريطها الاحمر لاغاضتها كوني احب ان ارى شكل انفها وهي مغتاظة توقظني من غيبوبتي : “اصح ياعنتر . اصح فقد ذبحت عبلتك وما زلت تحلم بهاو انت تمتطي صهوة جوادك تضمها جوارك . اصح ياعنتر” نظرت الي بعينين دامعتين ، فالتقت اعيننا بنظرة لا نهائية كأنها الحياة برمتها ، جأرت مريم قائلة : انا وحيدة يا سبعي ! 

اجبتها : ألهذا جئتيني زائرة؟

قالت : شفاهي يابسة .

آليا اخرجت لساني لترطيب شفتي السفلى ذات الخط الجميل الذي تحبه مريم وتداعبه في بسبابتها الوديعة المثيرة ، يا الهي : أي عذاب هذا ، قلت وبحة العطش تيبس حنجرتي : انا في اتعس حال يا مريم؟ ) ، وهنا ذكرت هذا النص الطويل لانه حمل كل ما اروم البحث عنه من استثمارات الكاتب السباعي في هذه القصة ، وهي قضية الاسترجاع والحلم والتخيل واستثمار التناص من خلال شارع الزواج في لكش وكل هذا جاء بنسيج لغوي منساب من وصف حيث كان يصف مريم بالبلقاء  وحوار الى اخره اضافة الى قضية الخلود من خلال عاطفة الحب التي عمقها في الحوار التالي : 

(ـ ربما كرهت يامريم انك متي هكذا ميتة؟

نظرت الي وقالت :

ـ يا سبعي . كانت ميتة مرعبة . لذا جئت اليك.

تطلعت الي بعينيها الخائفتين المتشككتين ، وقالت :

ـ اتوسل اليك ان تصنع لي جميلا؟ اتوسل اليك ان تأتي معي.)

                      

اما قصة (مومياء البهلول) ، فحملت تلك العجائبية والفنتازيا  ولاريب فان الفنتازيا الحديثة تضمنت الكثير من الأنواع الأدبية الفرعية التي تنقصها نظائر واضحة في الأساطير والفولكلور، على الرغم من أن الإلهام النابع من الأساطير والفولكلور يُعد موضوعاً متناسقاً. وتتعدد وتختلف فروع الفنتازيا، وكثيراً ما تتداخل مع أشكال أخرى من الخيال التأملي تقريباً في كل وسط يتم إنتاجهم فيه. ويمكن ضرب مثلان على ذلك بالخيال العلمي والخيال المظلم الذين يُعدان نوعين فرعيين، وتشاركهما الفنتازيا مع الخيال العلمي والرعب على حد سواء. ولكن الكاتب السباعي حاول ترويض الفنتازيا لصالح ما يحيطه ويكتنف واقعه الغرائبي في احداثه ، نتيجة ويلات الحروب المرّة القاسية ..وحصاراتها الاكثر قساوة ، وكالعادة لوى الكاتب عنق المدونة التاريخية وتعاطى معها هواجسه ورؤاه الرافضة .. (حصار الذئاب في اتساعه ، رياح شرقية وأدت مدينة ليلا ، صوت ذئاب تعوي ، عواؤها حاصرنا ، امس اول امس قبل عام منذ سبع سنوات والبهلول ممسك بندقية محشوة ، ارث اسلافه ، لكن ! لا اصابع تضغط على الزناد ، فقط عيون ترقب الذئب والزناد ، الزناد وذئاب تعوي ، عواؤها صار شواهد ، دلالات ، امكنة ، حضارات ، وحصارات تجري داخل قوقعة الروح الابدية) ، فمزج بين الزمن البعيد والزمن القريب بحصاراته من خلال ما قاله البهلول .. وما بين البهلول وامارجي اله الحرب لدى السومريين وبين السباعي .. كان خليطا من الغرائبية الرافضة والمحتجة وامرأة العربة التي تبيع الشراب المانح للثراء ، والعافية ، والراحة ، والقوة ، وبلسم يقي من شر الحصار ، وكأني بالكاتب علي السباعي يبحث عن الملاذ الذي عرفه بيير بورديو كالتالي : (هو المجتمع وقد استقل في الجسم عن طريق صيرورة التربية والتنشئة الاجتماعية والتعليم والترويض ، فالمجتمع هنا بكل قيمه واخلاقياته بكل محدادات السلوك والتفكير والاختيار .. انه ذلك التاريخ الذي يسكن الاشخاص في صورة نظام قار للمؤهلات والمواقف)8 ، اي ان بحث السباعي عن الصراع بين الذاتية والموضوعية التي تحتدم في دواخله باشارات رافضة .. حيث تجسمت هذه الحالة من خلال حوار البهلول والمرأة :

(قالها البهلول بانكسار من على عتبة الحصار وسط شوارع مدينة غرقت بلعاب الكاكي كالمهل انساب من شدقي ثور مجنح حوصر من الوريد الى الوريد بسكاكين قرمزية ، تغرغر الاحفاد بالمهل ، ازدروه الا البهلول بصقه متسائلا : 

ـ أتبعين احلاما يا أمرأة ؟

عيناها تشعان صمتا قديما باردا هلاميا كمح بيضة اليربوع ، تنظران صوب بلدة الغبار والزقوم تدحرج صوتها متآخيا مع هرجهم :

ـ كن اول من يجرب البلسم يا بهلول .)

(ومن بين التقنيات بدأ مفهوم التغريب اكثرها جاذبية واشدها وقعا ، وقد عبر الناقد شكلوفسكي في مقالة “الفن تقنية” عام 1917 ويشير عنوان المقالة بوضوح الى اقتران دلالة الفن ومفهومه بالتقنية او الوسيلة ، اذ يقول : “ان الهدف من الفن هو ان يمنح الاحساس بالاشياء كما تدرك ، وليس كما تعرف ، وتتمثل تقنية الفن في ان يجعل الموضوعات غير مألوفة وان يجعل الاشكال صعبة ، وان يزيد صعوبة الادراك وطوله ، لان عملية الادراك غاية جمالية في ذاتها ، ولابد من اطالتها ، والفن طريقة لتجريب فنية موضوع ما ، اما الموضوع فليس بمهم ، ولعل هذا الاهتمام بالبعد غير المألوف وجعل مقصدية الفن وغايته مقترنة بها هي التي سوغت فيما بعد تصاعد الاحساس بجوهر الفن القائم على الغرابة ، وجعل مخالفة المألوف والانزياح عنه معيارا اوحد للشعرية)، و(ان بناء المعيار الذي تنتقل به المدركات والافعال المألوفة الى الوصف “المغرب” ، او غير المألوف هو غير محدود ، وقائم على افق مفتوح لتراكم الخرق ، ولا نهائيته ، واندغامه بالاسلوب ، الذي غالبا ما يؤثر على طبيعة الادراك ومنظوره ، عبر وسائله الخاصة الخاضعة لامكانات التجريب المفتوحة)9، (غير ان التجريب لم يأت نتيجة نزعة ذاتية قائمة بذاتها ولذاتها فحسب ، انما جاء نتيجة محاورة للأنموذج القصصي الاروبي بصيغ متباينة من الاقتباس والمحاكاة والتأثر الفني والفكري)10..

وحملت قصة (وساخات ادم) رؤية السباعي الرافضة في صورة ثورة احتجاجية تقودها مدن الصمت التي تنتظر المخاض برغم ان (العصر زمن عقاربه مد وجزر) ، وخطوات ادم تجتر هذا العالم المنفعل المتلاطم ، و(شمس الغروب جريحة ، تتعكز على غيمتين فضيتين كجريح يعود من الحرب ، ضماداتها غيمات حمر ، “ثم ان”جامع القمامة ينادي : قمامة للبيع … نفايات للبيع … سكراب للبيع) ، و(شرع ادم يلطخ رؤوس تلال النفايات بدم الشمس ، بدت كأحشاء المناجم المتروعة من بطن الارض . لافتة تقول : من النفايات سنبني حضارتنا) ، لتشكيل هنا اكبر صرخة احتجاجية حملتها رؤية الكاتب الرافضة في البحث عن حقيقة معنى و(المعنى اذن حصيلة مشتركة على الدوام ، تتعاور على انشائه قدرات المؤلف وطاقات اللغة الادبية وحساسية القاريء المرهفة ، وسواء كان هذا المعنى انزياحا عن ما يسمى بمنطقة المعنى الاصلي ام مبتكرا جديدا عن طريق الادراك الاستعاري لذهن الاديب ، فان البحث عنه في الدرس النقدي المعاصر يعد نوعا من المشاركة في عملية انتاجه ، تتم بين المؤلف والقاريء اذ بات النص الادبي عند المحدثين ليس صياغة للمعنى ، بل محاولة لاكتشاف المعنى ، لذلك تجدنا في محاولتنا لفهم الارتباط بين طرفي الصورة الادبية ، لانبحث عن سر البراعة في اداء معنى معين ، بل نبحث عن المعنى نفسه)11 ، ومن خلال السفر عبر نصوص الكاتب السباعي نجد ان هناك قصدية واضحة ، لتعميق رؤيته اذن القصدية تعني الموضوعية في احكامها على نص لغوي .. وبالتالي هي محل اشتراك بين النص ومبدعه ومتلقيه في مجالاتها الادبية ، ففي اللغة نجد ان عناصر هذا الموضوع تتعلق بمنشأ الحرف والتعاقبات الصوتية وما تنتجه من ألفاظ وفق تسلسل معين وعلاقة الدلالة بالمدلول .. الخ ، وهنا لاتوجد عصمة للنص،  فالتطابق بين “الدلالة والمدلول” وهو جوهر “القصد” في اللفظ بكل ما ينتج عنه من قواعد تضبط فهم اللفظ وان العبارة وانطباق مفهوم “النظام” القصدي على النصوص لا يمكن أن يطبق بحذافيره إلا على نص معصوم لأنتفاء الذاتية مطلقاً في كل الموضوع ..فيمكن للآلية القصدية أن تعمل في هذه النصوص بكل هدوء وذلك لاكتشاف الحكم الموضوعي في أي نص معصوم، حيث أن أحد طرفي المعادلة ثابت وهو انتفاء الذاتية في النص وقصدية النظام الواحد في مجمل النصوص المعصومة الشريفة، وليس على الباحث القصدي إلا التأكد من نفي ذاتيته في اكتشاف الحكم الموضوعي في القضية التي يتناولها النص.. يقول الناقد طراد الكبيسي : (فالجنس الادبي يتحدد بالتحام جملة من المميزات التي تعد مهمة ورئيسية ومهيمنة في بنية العمل) ، وكان ديدن الكاتب علي السباعي في اعماله السردية ان يعمق ميزات خاصة بنصوصه يتخفى داخل اروقتها المعنى وخير مثال هذا النص من قصة (وساخات ادم) :

(ندّت عن ادم زأرة حبيسة :

ـ حفاة ! اعلنوا هزيمتكم .

حشرجات عديدة :

ـ أأأ .. ح ح ح … ر ر ر … ق ق ق … ووو… هـ هـ هـ .

صوت لجوج يأمر :

ـ احرقوه !

انطلق لسان النار يلعق جسد ادم مثل قطة تلعق جسدها بلسانها … آه … ي آدم . آه … يا آدم … /ان الانسان لفي خسر/ نار وموت . موت ونار . اجتاح الحشد فرح مجنون . اضطرب ، ماد ، تدحرج ، آدم ، وفر هاربا ، امتدت النيران تأكل اكوام القمامة ، والارض وحدها تصلي /صلاة الخسوف/ المتسولون يتضرعون : “ياحوته هدّيه .. هدّيه .. هذا عور شلج بيه”) ، وقد نعتمد أنموذج إيزير الذي يمكن أن يستَخلَص من النصِّ عبر توجيهات تتضمّنُ كلّ الإرشادات الكامنة في النصِّ القصصي والتي يتعذّر تلقي النص وفهمه بدونها. والمقصود بذلك أن معنى النصِّ ينبني بنفس الطريقة بالنسبة لجميع القرّاء. ولكن الاختلاف في فهم هذا المعنى من قارئ إلى آخر يعود إلى اختلاف العلاقة التي يُنشئها هذا القارئُ مع النصِّ عن تلك التي يُنشِئها القارئُ الآخر مع نفس النصِّ. فكلُّ قارئٍ ينفعل انفعالاً خاصّاً به مع أنّه يسلكُ عينَ سُبلِ القراءة التي يفرضُها النصُّ على جميع القرّاء. وهذا يدلنا الى القارئ المُستَتِرِ في ثنايا النصِّ والذي يقوّي من دور القارئ الحقيقيّ ،وهذا الامر قد أنجب بدوره سلالة عريضة تثير الدهشة. (إن النقص الحقيقي في القدرة على التأكد وفي القصد المحدد، هوبالضبط يحدث التفاعل بين القارئ والنص، وهنا يوجد ربط حيوي بين الثنائي. فالنص يثير باستمرار وجهات نظر متغيرة لدى القارئ. ومن خلال هذه ” الوجهات يبدأ اللاتماثل في فسح الطريق لبلوغ الأرضية المشتركة لوضعية ما. ولكنه من خلال تعقيد البنية النصية، يصعب على هذه الوضعية أن تكون مشكلة بصورة نهائية من طرف إسقاط القارئ ، فالنص بخلاصة موجزة، هونسق كامل من مجموعة من العمليات، وفي هذا النسق يقع مكان يخص الشخص الذي ينبغي عليه أن ينجز إعادة التركيب. هذا المكان يتميز بالفراغات القائمة في النص، وهو يتكون من البياضات التي يجب على القارئ ملؤها، وبالطبع فإن هذه البياضات لا يمكن أن تملأ من طرف النسق نفسه، وبالتالي فإنه يستتبع ذلك أنها لا يمكن أن تملأ إلا من قبل نسق آخر. ومتى سدَّ القارئ هذه الفراغات بدأ التواصل. فالبياضات والفراغات النصية، تترك الروابط مفتوحة بين المنظورات في النص، وبالتالي فهي تحث القارئ على التنسيق بين المنظورات، من خلال إنجاز العمليات الأساسية داخل النص، وذلك بدافع أن يتبنى القارئ في آخر المطاف موقفا يتعلق بالنص.) ، اذن تأويل النص هو اتباع مساراته ، (لقد حدّد القارئ بين أفقين للانتظار، أفق سابق، يكون عليه المتلقي قبل التقائه بالنّص، ويشكل جملة الاقتناعات التي ترسبت بفعل القراءات المتعددة، والتي يحيل عليها القارئ ما يقرأ، فتكون مرجعيته الأساسية، وتنسج قيمه ومعاييره الشخصية. إلاّ أنها دوماً عرضة للتحول والتبدّل بفعل كل جديد يشكك في اقتناعاتها ومقاييسها، وهو ما أسماه “بارت” بالنصوص السابقة التي تقرأ النصّ الجديد ، أما الانتظار الثاني وهو عامل ناتج عن تمازج النصّ بالقارئ أثناء القراءة إذ تعتري الأفق السابق مخالطة قد توافقه أو تخيب آماله، ويركز “ياوس” على عامل التخييب الذي من شأنه زحزحة الموروث وتطعيمه أو تحويله وتبديله، وخلق أفق جديد يخلفه فيتيح للنص سبل تقديم معايير جديدة تتجاوز السائد. ومن هنا كانت حاجة “إيزر” إلى اعتبار النص “علامة ملموسة” تنشعب إلى قطبين: قطب “فني” يمثله المؤلف، وقطب “جمالي” يمثله القارئ المدرك، ولا يتحقق العمل الأدبي إلاّ نتيجة التفاعل بين القطبين، ويقرّ “ياوس” صعوبة وصف هذا التفاعل لأننا لا نتوفر إلاّ على الشيء اليسير من ميكانيزماته) ، وهذه الاشكالية قد وضعنا في دائرتها الكاتب السباعي ، وجعلنا نتلمس علامته عبر قطبين : قطب المؤلف الفني ، وقطب القاريء الجمالي ، والتركيز على المتون وفتح فضاءاتها ضمن البحث عن قصدية المؤلف التي اشرنا لها سابقا …

ويعطي جمالية للريبة والشك من خلال قصة (وتبقى قطام) بحوار يثير الشك تخلله وصف لقطام (رافضة ، مستقرة ، كانت قاسية ، حادة ، عريضة النهاية اخترقت مسامع النسوة ، ثقيلة كالحجر الذي وضع فوق صدر “بلال”) من هذه الاوصاف اسس الكاتب لمحمولات “قطام الدلالية” والتي تتوافق مع رؤيته الرافضة المنبثة في مسامات جميع قصص (زليخات يوسف) .. النص الاتي من قصة (وتبقى قطام) يقول : (نظرت قطام باتجاه الشمس بعينين نصف مغمضتين ثم بعينين مفتوحتين صوب ظلها ، رأت جسدها بلا ظل ، حاولت فرش ظلها على جدار المسجد ، لا ظل فقط جدار ابيض وظل رمادي مزرق ترشح من شجرة اللبلاب ، تطلعت ناحية المصليات بعينين ناريتين آمرتين بعدها تفوهت بكلمتين متمردتين :

ـ انزعن عباءاتكن :

ـ …………………………

صمت محايد شكل متاهة ، واسعا مثل صحراء الجزيرة ، صار مرآة تكسرت بكلمتين جرانيتين آمرتين :

ـ انزعن عباءاتكن 

استمر الصمت محايدا غير منحاز لنداءات قطام :

ـ اخلعن قيد عبوديتكن

علقت احدى المصليات باندهاش :

ـ والنداء .. !؟

/مداخلة واقعية/ خلف حشد المصليات رجل مربوع القامة ، يندلق من عينيه الحمراوين غضب ساخن ، عنوة كرعت زوجته قنينة مملوءة من البنزين ، ضغط على زناد قداحته ، فكانت النار ما رأته قطام.

انفجرت :

ـ ارأيتن . الرجال لايعرفون اقامة العدل ؟!

اعادت المصلية سؤالها :

ـ والنداء ..!؟

قالت :

ـ كيف ترضين ان يعاشركن رجل لايعرف القسط ؟)

وحينما نضع النص اعلاه تحت مشرط التحليل بكل تفاصيله ، ولاسيما تلك التناصات مع قصة ادم وحواء و”سيميا” زوجة النبي لوط وقضية اللوح المحفوظ بطريقة الحوارالذي ادى الى تطوير موضوعها للوصول بها إلى النهاية المنشودة.وخفف من رتابة السرد وساعد في رسم شخصيات القصة..فالشخصية لا يمكن أن تبدو كاملة الوضوح والحيوية إلا إذا سمعها القارئ وهي تتحدث..وساعد ايضا على تصوير موقف معين في القصة أو حالة نفسية مثل الخوف أو الكبت أو الغيرة أو التردد أو الوفاء أو حدة الطبع أو الشجاعة أو الجبن وما إلى هذا كله من مختلف الحالات النفسية التي تكون عليها. واجاد الكاتب السباعي هنا الحوار ، حيث اظهر معالم نفسية قطام وثورتها المحتجة والتي تلتقي برؤية الكاتب الرافضة .. والظاهر مسار البحث من خلال شخصية قطام “وما ادراك ما قطام؟” يرينا علاقة الانسان النفسية مع الاخرين ، بانها قائمة على المحبة والاحترام والفهم والتجاوز ، كما يعبر عنه علماء النفس بحاجة الانسان (لأن يكون مبدعا او خلاقا بالشكل الذي يستطيعه ، والهوية ، أي شعوره بانه شخص متميز ومختلف عن الاخرين ) ، يعني حاجته الى : التحصيل ، الاستقلال الفعل المضاد ، الدفاع ، المجاملة ، السيطرة ، الاستعراض ، تجنب الاذى ، تجنب النقص ، اسناد الاخرين والى اخره هذه النزوعات حملتها شخصية قطام في تحقيق ذاتها وكما عبر عنها “ماسلو”و”روجرز” بانه الهدف الذي يسعى معظم الناس الى تحقيقه .. فالقراءة الفاحصة لنصوص الكاتب السباعي السردية تؤدي بنا الى استعادة القيم التي امتصتها تلك النصوص ، لكن انّى لنا هذا ؟ ونصوص السباعي اعلنت عصيانها على القراءة الواحدة ..

اما قصة (الجذر التربيعي للقمر) ، فكانت جملة من التساؤلات بطريقة اللامعقول لتصوير مأساة ستقع حتما من خلال ويلات الحرب ، حيث ان (شهرزاد تسكت عن الكلام المباح ، لسماعها اذاعة اعلانات متواصلة نقلتها كافة الاذاعات السمعية والمرئية :

اعلان/مطلوب محنط ماهر بخبرة لاتقل عن عشر سنوات

اعلان/درجة شاغرة لنجار خبير بصنع التوابيت

اعلان/على من يجد في نفسه القدرة على النواح الحضور الى قصر الامير شهريار..

اعلان/يرجى من الدفانين ، النواحين ، المرددين ، قارئي الادعية حضور موكب جنازة ..)

(ـ لا اله الا هو .. لايدوم الا وجهه .. ذو الجلال والاكرام ..

شحاذ يحجل على عكازة خشبية يدمدم بصوت شاك :

ـ لننتظر ! لن نخسر شيئا

قاريء ادعية نصحهم بصوت مشروخ مثل قطار سياحي :

ـ اصبروا حتى تصل الجنازة الى نصبها .

اضاءت الشمس بغروبها هامات النخيل بشعلات لازرودية ، والمشيعون ينظرون ناحية ضريح ابيض مهيب يكسو جدرانه رخام اشهب  بدا الضريح تحت ضوء الشفق كأنه زفر نار على مجمرة الافق التي كست جدرانه نعاسا بلون الدم ، تجمع الدفانون ، المنافقون ، الشحاذون ، والسماسرة بين القبور مطوقين باسوار هلامية بنقاط التفتيش ، بائع اكفان يفشي سرّا :

ـ رجال الامير قد اشتروا مني كفنا يسع فرسا !

همدت مجمرة الكون في كانون الافق ، القمر بتربيعه الاول سجين جذره التربيعي ، يبكي بدموع من فضة تقطرت بالتماعات معدنية ، همست متحسرا :

ـ يا الهي ! التهم القمر جياع العالم الثالث .

فتح رجال انيقون دوو بدلات سود . ذهول ، ترقب ، اظهروا جثمان المرحوم :

“اربعة قوائم بيض رشيقة ، اذنان بيضاوان كبيرتان ، عينان سوداوان واسعتان وجسد ممشوق رياضي العضلات ينتهي بذيل ابيض طويل” .

سكتت شهرزاد عن الكلام المباح لسماعها بيانا مهما نقلته وكالات الاذاعات السمعية والمرئية ، بيان/ يتوجه بالشكر الامير شهريار الى السادة مشيعي جناز فرسه/.)

هذا النص ومن خلال اللامعقول ، هو بمثابة ادانة انسانية وثورة احتجاجية .. تحدث الدكتور موفق الدين الكزبري مؤسس ورئيس أول رابطة سورية لحقوق الإنسان في 1962. توفي في 1999. في مقالة له في تساؤل مرّ ، كان اعتقادي ان هذه المقالة تعانق نص الكاتب السباعي اعلاه : (إن الأمور المعقولة هي الأمور التي يتقبلها مجتمع ما وفق مقايسسه وعاداته وأعرافه وتقاليده. وإن الأمور غير المعقولة هي المخالفة لما ذكر. لكن تطور الآلة المتسارع في العصر الحاضر لم يرافقه تطور فكري مماثل يشمل الاداب والفلسفة والفنون وهذا ما أحدث في الغرب هوة كبيرة بين الفكر التقليدي والفكر المعاصر المرافق للتطور الكبير للآلة والتقنية. مما حدا ببعض رجال الفكر الغربي للثورة على جمود فلسفتهم وإعدادهم وفنونهم ومن هنا نشأت حركة المعقول واللامعقول وبدأنا نقرأ ونسمع بفلسفة المعقول واللامعقول وفنه وادبه. وغاية هذه الحركة الفكرية وإن شئنا القول ان هذه الثورة الفكرية ظهرت لتضع الإنسان أمام محاسن ومساوئ فكرة ما، ليزنها الإنسان ويوازنها على ضوء معطيات العصر ، وعلى كل حال لم نسمع لهذه الحركة ذكر في القانون، لم نقرأ مثلا المعقول واللامعقول في القانون لأن القانون لا يمكن أن يتبع الهوى ويتغير بتغير الأهواء ، وإنما يتطور بتطور المجتمع ولا يقفز ولا يتحرك حركات بهلوانية، وإنما غايته وهدفه تحديد معالم الطرق للوصول إلى الحق وبقدر سهولة الوصول إلى الحق بقدر انتشار السلام والطمأنينة، والتغير لا يتم كيفما لأمر فرد أو فئة ، وإنما يتم بالتطور الاجتماعي الذي يوجب التغيير. والتطور هو حصيلة قناعة تولدت عند الإنسان بعد نقاش وجدل بارد أو ساخن ولا تتولد هذه القناعة لدى الفرد والمجتمع إلا بالحوار الذي تسوده الحرية بين سائر فئات المواطنيين. وإن رأينا مجتمعنا متوقف عن التطور عندها يتوجب تنشيط المؤسسات الفكرية والسياسية والاجتماعية لإيجاد الجو الملائم للحوار المؤدي إلى التطور. وعندما يتطور مجتمع ما يأتي القانون لينظم ويحدد معالمه وبهذا لا يمكن أن يكون القانون سابقاً للتطور ، لأن التطور حصيلة الحوار في جو تسوده الحرية بين سائر المواطنيين بمختلف منظامتهم وفعاليتهم وكل محاولة لإيجاد تطور بالقوة والعنف والإرهاب برسم قوانين ، قد لا يؤمن بها حتى واضعوها ، قد يحدث تغيير سطحي والتغيير أيها السادة غير التطور. لهذا لم نر ولم نسمع في المجتمع الغربي عن المعقول واللامعقول في القانون لما للحق من قدسية ولما للقانون الموصل للحق نصيب من تلك القدسية. أما عندنا فلم نسمع بالمعقول واللامعقول ولكننا نعيشه في الدستور والقانون وحتى في حياتنا اليومية. المعقول أن يكون الشعب مصدر السلطات واللامعقول أن يوضع الشعب في الزجاجة، المعقول في الدستور أن يحمي كرامة الانسان وأن يكون المؤدب الرابع للسلطان والمرجح بين القوانين وما يتفرع عنها بشكل يؤمّن العدالة والاستقرار والطأنينة للمجتمع، ومن غير المعقول أن يسحق الدستور ولا يؤمّن إلا مصالح أفراد أو فئة ما. المعقول في الدستور على ما نص عليه أن يكون مرعي الاجراء واللامعقول أن يكون معطل التنفيذ. من المعقول أن توقّع على الإعلان العالمي لإعلان حقوق الإنسان وعلى العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، فتصبح هذه المعاهدات والمواثيق لها صفة الإلزام الدستوري ولكن من غير المعقول أن نمنع الإنسان من استعمال عقله في قناعاته ونزج بهم المعاقل لأنهم مخالفون البعض في الرأي ويحاكموا محاكم استثنائية غير قضائية لاتتوفر فيها الضمانات القانونية المتوفرة للمتهمين بالجرائم العادية. في القانون المعقول أن يحقق عدالة ولكن اللامعقول أن يؤدي إلى ظلام وظلمات. المعقول أن يكون قانون الطوارئ مدخراً لحالات الهلع والفزع والمصائب والكوارث الطبيعية وفي مواقع القتال وعندها يكون لساعات أو أيام، وغير المعقول أن تطبق على مخالفات الدراجات والسيارات ولمخالفة بعضهم في الرأي أو المعتقد أو الأحاسيس الشخصية. من المعقول أن تحقق هذه القوانين الأمن والطمأنينة ، أما أن تكون هي مصدر الهلع والفزع فذلك هو غير المعقول. من المعقول أن تنظم العدالة الأصول الموجزة وتوجد لها محاكم خاصة وقضاة من القضاء العادي الطبيعي لبعض مخالفات السير والقمامة ومن المعقول أيضاً أن تخضع أحكام الأصول الموجزة للاعتراض والاستئناف والطعن بالنقض،   ومن غير المعقول أن تؤسس محاكم أمن الدولة من قضاة لا تتوفر فيهم صفة القضاء مع إعفائهم من تطبيق قانون الأصول. وأن لاتخضع أحكامهم لطريق من طرق الطعن وحتى لقد أعفي أحكام الإعدام الصادرة عنها من مرسوم تنفيذ حكم الإعدام. في الإنسان من المعقول أن يكون كل بني آدم إنسان وله كرامته القائمة على الحرية ليميز بها الخير عن الشر واللامعقول أن يسمى إنسانا من لا كرامة له. من المعقول أن نسمع الأقوال والخطب والألفاظ المدغدغة ومن اللامعقول أن يمضي عليها التقادم بعد التلفظ بها كأنها ولدت ميتة. من المعقول أن نقتنع وأن نؤمن وأن نقرر واللامعقول أن لا نطبق ولا نعمل ولا نلتزم.

السادة الزملاء :

إن استمرار اللامعقول لا يمكن أن يتحول إلى معقول كما لا يمكن أن يصبح المعقول لا معقول… ومن المعقول…. واللامعقول…)..

فما بين نص الكاتب علي السباعي الادبي ومقالة الدكتور الكزبري ذات النفس السياسي وشائج تعمقت من خلال رؤية الرفض ، والتقى الاثنان في البحث عن البدائل الظاهرة عند الدكتور والمخفية عند السباعي ، وهذا يدلنا على مسالك البحث عن الملاذات وكيفية الخروج من المآزق ..

اما قصة (الزاماما) وتعني الحرب في لغة العرب القديمة ، كما اثبتها الكاتب في الهامش ، ففي اسطرها الاولى حاولت تعميق رؤية الرفض ، فجاء السرد يحمل روح السخرية الى حد البكاء المر .. وكذا استثمر فيها مسميات تاريخية ، كأقنعة والسخرية اسلوب يتخذه الكاتب ليتبنى موقفه من الواقع والعالم من حوله، وهي طريق سهل للنقد، والوصول إلى القارئ، فالكاتب عندما يواجه واقعا متصلبا، لا يسمع ولا يفهم ولا يبالي، يكون مضطرا إلى مواجهته بأساليب مختلفة، وعلى رأسها السخرية، فهي أفضل أسلوب لانتقاد الواقع، وتعميق رؤية الرفض التي تبناها الكاتب السباعي ، فإن القصة الساخرة ليس بالتأكيد هي تلك القصة المضحكة ، أو التي تشير إلى مواقف يمكن تصنيفها كذلك .. إذ من الممكن أن تكون القصة حزينة بشكل ساخر .. وتكمن سخريتها في مفارقتها مثلا .. حيث جاء في قصة (الزاماما) : (صورة بالاسود والابيض توسطت شاشة التلفزيون لمذيع قلق مائع كدبق كثيف يتناوب محركا جسده ذات اليمين وذات الشمال مراوحا ، كأنه جالس وسط مقلاة فوق النار ، يذيع بصوت خطابي جاد: طقس الزاماما :

ـ ايها المشاهدون الكرام .. موعد شروق الزاماما ليوم غد … “انا جندي عربي” اش بني “عزيزو” دعني اسمع

ـ موعد غروبها … “بندقيتي في يدي”

هسّ . عزيزو

ـ درجة الزماما العظمى المتوقعة خلال الاربعة والعشرين ساعة المقبلة …. “تي ..تي ..طا”) ، وهكذا استمر طوال القصة يسخر برمزية غرائبية (فالرؤية الغرائبية للرمز في القصة ، اذ ينسحب القاص الى عالمه الداخلي لاستجماع قواه الذاتية في محاولة غير معقولة لمواجهة عالمه الخارجي)12 ، ليبقى فن القصة القصيرة ، هو (فن اختيار اللحظات العابرة ، القصيرة المنفصلة ، التي لا تخضع لتسلسل زمني منطقي ، حيث يجعل هذا الفن من الماضي و الحاضر والمستقبل وحدة زمنية واحدة ، منطقية و حية وموحية . و هو فن اختزال و تركيز هذه اللحظات العابرة ، التي قد تبدو أحياناً عادية لا قيمة لها ، و تكثيف هذه اللحظات في حالة التعبير عنها .)

وكانت قصة (بكاء الغربان) ، قد حملت لوحة مضمخة بالدم ، استثمر فيها قضية هابيل وقابيل كأول عداوة بشرية .. سار على خطاها الخطاؤون طغاة الدنيا ، فكان الكاتب السباعي ، رسم خطوطها في البدء (صمت ، مدن ملونة بالدم ، ابليس ، اغرق الكون بدم عصفور ، غنت السماء : نحن لانعرف غير البكاء ، فامطرت : دما) ، ثم (الظلمة ملك هرم متكوم على عرشه ، ابليس ينفض عباءته من غبار الليل ، تدافعت صرخة حبيسة من تحت عباءته :

ـ اما كفاكم هابيل ؟

مثقل بالتساؤلات كمدينة محاصرة بخنادق ن نار ، بكاء الغربان ونعيبها المفجوع ، يخدشان ذاكرة الهدوء ، احتجاج اجنحة مذعورة ، خوف ، ترقب ، عيون تحدق مفقوءى ، شياطين يحرقون مدنا خضرابنيران هولاكو ، تساء بكراهية :

ـ لماذا تذبحوها ؟)

هذا جزء من لوحة الدم التي حملتها انفعالات الكاتب السباعي الرافضة والمحتجة ابدا ضد القبح والموت والقتل .. (ان ما يلفت اهتمام القاريء ـ أي قاريء ـ للنصوص السردية موضوع الدراسة ـ الى جانب بناء الشكل السردي الذي يتمتع بتأثيرا جمالية بالغة القوة ، لما ينطوي عليه من تقنيات سردية حداثية متقدمة تتجلى في البنية الاسلوبية الرمزية وشعرية اللغة ، التي تحفز الخيال وتوقظ الشعور بجمالية الفضاءات السردية وعمقها والفتها )، وبالمقابل غرائبية المنحى لاتسامها بالغموض واعتمادها الرمزية ، وبالتالي اضفاء الموضوعية واقترابه من الواقع الذي يحفل بالكثير من المفارقات الجرمية وايغالها بالدم والقسوة ..

من هنا كانت مجموعة (زليخات يوسف) ، تنقل لنا عوالم مضطربة من القلق والتوتر ، فمع الايقاع السريع لحركة الحياة هذه الايام … اصبح التوتر العصبي سمة من سمات العصر .. والتوتر العصبي ينشأ عن تراكم انفعالات داخلية في نفس الانسان.. نتيجة الصراعات المختلفة التي يعيشها والتي لا بد ان تحدث ما دام هناك احتكاك بالاخرين .. وتفاعل مستمر مع حركة الحياة اليومية.. ومعايشة للمشاكل العامة والخاصة التي لا مفر منها.. ولا غنى عنها .. والتي تعطي للحياة طعما خاصا.. وتمد الانسان بالحيوية النفسية..والتجدد الدائم للجهاز العصبي والنفسي, بما في ذلك من تفكير وانفعال وعاطفة وارادة وسلوك.ومحاولة لاثبات الذات وسط هذا الخضم المتلاطم من تراكم قبائح الحروب والعدوات.

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"