تابعنا على فيسبوك وتويتر

مُحَمَّد دِيـب اِستِنْطَــاقٌ لِــرَاهِــنِ شَعْــب واستِشْرَافٌ لِـثَـورَةِ أُمّة

حَيَاةً أَدِيب تَجَسَّدَت فِي رِوَايَة شَعــب

مُحَمّد ديب، أديب جزائري معاصر أبدع باللغة الفرنسية في الرواية والقصة القصيرة والمسرح والشعر. ولد بتلمسان في 21 جويلية 1920، توفي أبوه سنة 1931م. فتولت أمه مسؤولية أبنائها الأربعة. _وهذه الأم ستكون الشخصية الرئيسية في ثلاثيته_. امتهن النسيج، والتدريس.. ثم المحاسبة. جُنِّدَ سنة 1942م مع الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية واشتغل مترجما بين الفرنسية والإنجليزية بالعاصمة.

عاد إلى تلمسان ونشر بين 1945 و1947 أعماله الشعرية تحت اسم “ديبيات” والتي نشرت في جنيف، تعرّف على أدباء عالميين كـ”ألبير كامو” و “جون كارول” و “بريس باريان” و “مولود فرعون”.. وعاش شخصيته المتخيلة “عمر” قرابة أربعة عشر عاما. حتى انتهى من تأليف الثلاثية.. عمل صحافيا بجريدة “جمهورية الجزائر” بين 1949 و1951 وكتب فيها مًنَدِّدا بالاستعمار الفرنسي. 

أصدر عام 1952 روايته “الدار الكبيرة”، ونشرتها “لوسوي” الفرنسية، ونفدت طبعتها بعد شهر واحد. ثم رواية “من يذكر البحر؟”، ثم “الحريق” التي تنبأ فيها بالثّورة الجزائرية والتي اندلعت بعد صدورها بثلاثة أشهر. وعام 1957 نشر “النول”. ثم توالت كتاباته السردية ما بين 1970 و1977، “إله وسط الوحشية” عام 1970، و”سيد القنص” عام 1973، و”هابيل” عام 1977. ترك أكثر من 30 مؤلفا منها 18 رواية آخرها “إذا رغب الشيطان” و”الشجرة ذات القيل” عام 1998، وخمسة دواوين شعرية منها “آه لتكن الحياة” عام 1987، وأربع مجموعات قصصية منها “الليلة المتوحشة” عام 1997، وثلاث مسرحيات آخرها “ألف مرحى لمومس” عام 1980. وترجم الكثير من الأعمال باللغة الفنلدية إلى الفرنسية. يقول “إِنّ أخْيِلَتِي وتَصَوُّرَاتي نابعة من اللغة العربية، فهي لغتي الأم، إلا أنها مع ذلك تعتبر موروثا ينتمي إلى العمق المشترك. أما اللغة الفرنسية فتعتبر لغة أجنبية مع أني تعلمت القراءة بواسطتها، وقد خلقتُ منها لغتي الكتابية”. وعن الجزء الأول للثلاثية: “رُحت أنظر حولي، وبدأت أكتب قصصا درامية مُنَمنَمَة، وشيئا فشيئا بدأتُ أستجمع كتابي الأوّل ” الدّار الكبيرة” الذي كتبته على الأقل في خمس أو ست سنوات  قبل نشره عام 1952، وقد وضعته جانبا لأن الأدباء الجزائريين الشباب في تلك الآونة كانوا يرون استحالة نشر الكتب”.

ويقول سامي الدروبي في مقدمته – كمترجم- للثلاثية “إن رواياته هذه إنما هي لوحة. إن محمد ديب لا يلفق قصة يتسلى بقراءتها الرافلون، إنه يغمس ريشته، ريشة الرسام الصادق، في الدم والعرق والعذاب والجنون والحكمة والتمرد والمرض والتناقض والثورة، فيخرج منها ألوانا يصبغ بها لوحته”.        

عاش أزيد من 80 سنة، وغادرنا ذات 02 ماي 2003 بسان كلو في فرنسا، لكن نجمنا أشعته أبدية التوهج بنور سرمدي التلألؤ.

الدّار الكبيرة، إبداعٌ أدبي واستشراف حدث عَالَمي 

تقع أحداث الرّواية قبيل الحرب العالميّـــــــة الثانية، في تلمسان، بطلها الطفل عمر ذي العشر سنوات. والذي يعيش في غرفة استأجرتها والدته، في بيت كبير يدعى “دار سبيطار”، مع والدته، “عيني”، وأختيه “عويشة” و”مريم”، والجدّة للوالدة “ماما”، _العجوز المُقْعَدة التي تحملت “عيني” مسؤوليتها، بعد تخلّي ابن وابنتين لها عن واجباتهم تجاهها_.

تكابد “عيني” قساوة الحياة، بعدما أودى مرض الصّدر بحياة زوجها وابنها البكر “جيلالي”، فكانت الأرملة، والثكلى، والمعيلة لليتامى، والكافلة للأمّ المقعدة.. كل هذه الظروف، صنعت منها امرأة قاسية، حادّة الطبع، تعاقب أبناءها، لأتفه الأسباب، تضربهم بوحشية على مسمع، ومرأى من سُكَّان الدّار.

كان عمر عنيدا، يستهويه عصيان أمه والركض فارًّا منها، بالرغم من عِلمهِ أن العقاب مُصيبُهُ لا محالة، يمتمرد على كل ما هو نظامي، فرغم أن أمه لا تحرمه الذهاب للمدرسة، كما لا تجبره على الذهاب إليها، إلا أنه يزورها وفقا لمزاجه، يتسكع في الشوارع طالما وجدت ساقاه الهزيلتين سبيلا ورغبة لذلك، ورغم أن المعلم “حسن”، يشبه أمه في فرض العقاب، إلاَّ أنه لا ينتظم إلاّ لرغبة ساقيه، إن قالتا البيت، فالبيت، وإن رغبتا في الدرس، فلهما ذلك. 

يعيش فراغا كبيرا، يحاول ملأه بالأسئلة.. لم يذكر قط أنه بات ليلة واحدة شبعان البطن، يعيش الجوع الدائم، همه الأكبر هو الحصول على قطعة خبز، كان يقارن بينه، وبين الجيران، والزملاء. يحب الإحسانَ للصّبي المُقَمَّط بقميص الكاكي، -كما لقّبه-، و يحسد “إدريس بلخوجا”، طفل مدلّل، يأكل يوميا، بل ويشبع أيضًا.. يمقت “اللا حسنة” قريبتهم البدينة التي تتصدق عليهم أسبوعيا برغيف عفن. ويحبّ جارة مُحسِنَة، وابنتها _صديقته_، لما تدعوانه للأكل، أو لخدمتهما. ويكره جارات أخريات، يسخرن من والدته، ويثُرن ضِدَّها، بسبب صوت آلة الخياطة خاصتها الذي يحدث إزعاجا، وقت القيلولة.

كان يجد في معاملته الحسنة لجدته، سعادة كبيرة، مع أنه بالكاد يعينها لترفع جزءها العلوي لتجلس، وساءه معاملة والدته القاسية لها، لما رمت بها في غرفة المطبخ المشتركة، حتى تورّمت قدماها، وخرج الدود منهما، حتى إذا جاء الليل، استرسلت في أنين، ونواح، وتضرّع، يتوغل إلى موات القلوب، فيبث فيها حزنا لا ينضب معينه.

أما أمه، فرغم خوفه الشديد منها، إلا أنه يشفق عليها، من شدة الكدّ، ومن مخاطرتها بنفسها، بتهريبها للأقمشة، في سبيل تحصيل لقمة الخبز.

يتبلور لديه وعي غريب مقارنة بسِنِّه، سألهم المعلم مرة عن الوطن، فأجاب زميل له  بأن “فرنسا” هي الوطن، وهي الأم.. جال بخاطره أن جواب زميله هو عين الخطأ. أدرك بفطرته الطفولية، أن له وطنا، وأُمًّا، وهما ليسا فرنسا، حصل على نصف الإجابة، وظلّ نصفها مبهما. كان يبحث عن حقيقة ما، عن حل لغز، يتساءل في الغرفة العائلية، في المدرسة، والشارع.. هناك خلل ما.. الخبز، الوطن، السّادة، الفلاحون، الحرب.. 

يربط دوما بين غموض عبارات المُعلّم “حسن” وغموض شخصية “حميد سراج”، فكثيرا ما كانت الشرطة تتهجم على الدّار، بحثا عنه، عَلِمَ لاحقا أن “حميد سراج” ناشط سياسي، يقوم بتوعية الفلاحين بحقوقهم، ويحثهم على النهوض لأخذها. 

تنتهي الرواية الأولى بملامح بوادر الحرب العالمية الثانية، ويتجلى ذلك، من خلال عمليات تجريب صفارات الإنذار، التي تخيف عمر، وتُحدِثُ هلعا وسط العامة بالشوارع، والساحات، والمنازل، ولكنّه شَعَرَ برغبة في هذه الحرب، التي قد تعني كسر شوكة فرنسا، وبعدها ثورة الفلاحين، وهذا يعني العدالة في الحصول على الخبز، والكرامة بين جميع بني البشر..

صورة الجزائر من خلال رواية الدار الكبيرة

صوّر لنا ‘ديب” في ثلاثيته الرَّائعة _الدار الكبيرة، والحريق، والنول._ المجتمع الجزائري، قبيل الحرب العالمية الثانية، بأفكاره، وطموحاته.

وتَتَشكّل صورة الجزائر في “الدَّار الكبيرة”- أول أجزاء الثلاثية- من خلال شخصياتها، الذين أذلَّهم الاستعمار، بالإضافة إلى سياسة التفقير، والتي عبَّر عنها الكاتب بالخبز، إذ تكون الشخصيات في رحلة بحث لتحصيله، ودفع الجوع، ويتجلى هذا في كل مكان وزمان، في الدار الكبيرة، المدرسة، وحتى الشارع، وعلى مدار فصول السنة وأيامها… كما دل على ذلك أول عبارة افتتحت بها الرواية “- هات قليلا مما تأكل.

قال عمر ذلك وهو  يقف أمام رشيد بري. ولم يكن عمر وحيدا. فإن شبكة من الأيدي امتدت تلح كل منها في طلب نصيبها من الصدقة. فاقتطع رشيد لقمة صغيرة من الخبز، فوضعها في أقرب راحة إليه”.  

لقد غيَّب الاستعمار عن هذا الشعب أبسط عناصر الكرامة، وهو الانتماء، والهوية الحقيقية. وكان التعليمُ، والوظيفة، وحرية التعبير، من حق المعمّرين وحدهم، أما الجزائريون فيتخبّطون في ظلمات الجهل، والفاقة، عبيد يعيشون وفق ما خُطِّطَ لهُم.. لا يَحِقُّ لهم الرفض، أو الثورة على أوضاعهم.

كل هذه الظروف خلقت لدى الطبقات الشعبية الكادحة وعياً تتجلى بوادره في التجمعات الصغيرة، التي بدأ الفلاحون يحضرونها، باستمرار، وينشطها شباب مثقف وواعٍ.

فباختصار صورة الجزائر لدى محمد ديب، هي الدّولة المسلوبة، التي ترزح تحت سياط الجلاد المغتصب ورغم ذلك تحاول الصمود والوقوف على قدميها من جديد.  

بقلم فطيمة تامن 

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"