تابعنا على فيسبوك وتويتر

جمعة عبد الله
قراءة في رواية ( سقوط سبرطة ) او ( حب في موسكو ) للكاتب برهان الخطيب

يتميز الكاتب , في ابداعه الروائي ,  الاهتمام بأدق التفاصيل في داخل  المنظور الروائي , ان تكون له امتدادات في زمكان , من الواقع الاجتماعي والحياتي  , لحقب سياسية متعاقبة توالت على  العراق , ان  يملك المتن السردي   صياغة بليغة في الايحاء والرمز , التي تكشف فعلياً واقع الحال الملموس والظاهر  , في مجريات الاوضاع العامة , وجعلها غربلة سياسية لتصفية حسابات قديمة . في محور نفس الشخصيات , التي تتناوب بالظهور في عدة  روايات للاديب  , بأشكال وصيغ وانماط مختلفة في النص الروائي  . وهذه الرواية . هي تتناول السيرة الحياتية في امتداد الماضي والحاضر , وتعايشها في بيئة غير البيئة العراقية ( موسكو ) , ولها  ارتباطات عميقة بوشائج  الوطن . وشخصية ( خالد ) سيطرت التي ادارة دفة المنظر الروائي الروائي السارد  , الذي  كشفت بادق التفاصيل  سيرته وتعايشه  في الغربة والاغتراب ومعاناته  , وهي  جزء من معاناة  الكاتب نفسه  , او بالمعنى الادق حياة ومعاناة الكاتب خلال تواجده في  الغربة في روسيا ( الاتحاد السوفيتي سابقاً ) . لقد تعامل بالكشف عن ابسط التفاصيل الحياتية والمعاشية , التي عايشها , واشبعته مرارة ومعاناة موجعة . اي انه بمثابة انتقال من النظام الشمولي , الى النظام الشمولي الاخر , نظام   تحركه خيوط  جهاز الامن والمخابرات في الدولة ( كه غه بي ) , وقد تجرع العلقم من اجراءاته المتعسفة والظالمة  ,   خلال تواجده في ( موسكو ). في نظام منخور في الفساد الاداري والرشوة والبيروقراطية  , ومن خلفها الارهاب الفكري , والفساد الروحي والاخلاقي . ان يجد المواطن  نفسه واقع  في حفرة كبيرة , تترصده وتراقبه بعدساتها اللاقطة , حتى تدخل القلق والخوف في وجدانه  , بأن للجدران أذان وعدسة لاقطة تراقب انفاس المواطنين , ولم يعد للمواطن سبيل ومخرج , ضمن نهج الترهيب والترغيب . رغم الديكور البراق المزيف . في هالة دولة القانون والديموقراطية   . كان في البداية ( خالد ) الذي انتهزفرصة البعثة الحكومية , ليفتش عن اية وسيلة وطريقة , للبقاء والسكن والدراسة والعمل . حتى لا يرجع الى الوطن ويقع في عواقب وخيمة , تهرصه هرصاً , كما وقع ابيه في حالة ابتزاز في ارغامه على  بيع بيته عنوة , من قبل  امين العاصمة لبغداد ( آنذاك ) في الاستحواذ على البيوت المجاورة , في ارغام اصحابها على البيع , وعندما رفض صفقة البيع , بادر امين العاصمة في اطلاق الرصاص عليه . ولم تسجل دعوة قضائية , خشية من العواقب الوخيمة , وكانت اصابته غير قاتلة , لذلك جهد ( خالد ) في الانفلات من الرجوع الى الوطن , بحجة مواصلة  الدراسة  الجامعية  في موسكو , حتى اجتهد في اكمالها , وحصل  على وظيفة عمل في دار النشر التابعة للدولة , بوظيفة مترجم . وحصل على اقامة وسكن , وتعرف على ( ستالينا ) وارتبط بعلاقة حب معها  , وكانت صادقة ووفية له في عواطفها العشقية  , وتيقنت بأنها  وجدت فارس احلامها المناسب لها . وكان يبادلها نفس التفكير والشعور  والمرام   , بالاقتران بها  سيمنحه  البقاء الدائم والعمل والاقامة ويفلت من شبح الرجوع الى الوطن  , ولكنه غير بوصلة حبه وعلاقته ,  في الارتباط  بفتاة اخرى ( ليلى ) رغم ان ( ستالينا ) حاولت ان تمسك به بكل عواطفها ومشاعرها الوجدانية لكنها فشلت في ذلك   , حتى اجهضت منه . لان  حالته غير مستقرة ومضطربة بفوضى الارتباك ,  او انه في حالة نفسية تجعله مشلول في اتخاذ  القرار في  العلاقة وتطورها ابعد من ذلك  , مما اثر في خفوت علاقة  الحب والصلة وخسرها من حياته  , رغم انه يشعرتجاهها  بالاحساس بالذنب والتقصير  . لذا انفصل عنها وارتبط مع حبه الجديد مع ( ليلى ), كأنه وجد ضالته المنشودة التي يبحث عنها , في زحام حياته المضطربة , وتيقن بأنها ستخفف وطئة الغربة والاغتراب , وهاله جمالها الفاتن  الذي انجذب اليها .  بشعرها الطويل الاسود , وعينيها السوداويتين الواسعتين , وبشرتها البيضاء الوردية , وصدرها العرم . ووجد بها  الوسيلة التي تشبع عواطفه ,  ويفلت من الرجوع الى  الوطن بالزواج منها  . من اجل تخفيف  عناء الغربة والاغتراب واقترن بها بالزواج الذي تمخض عن انجاب طفله ( سالم ) لكن مرمرته  نفسياً وروحياً  بعد ذلك ,  من كثرة المشاكل والقيل والقال  , مما جعل الخصام  يقف عقبة  في طريقه , ليهجر راحة البال , وتحل محلها المعاناة والازمات المتوالية  , حتى وصلت الى طريق الابتزاز ضده , رغم انه كان يتنازل عن كثير من الاشياء  لصالحها . من اجل الطفل , وكانت تكتب التقارير المدسوسة , حتى يقع في مشاكل عويصة وانتهت العلاقة بالطلاق . رغم ان الانفصال والطلاق  حصل ,  لكنها ظلت تلاحقه في ايقاعه في ورطات اخرى  , حتى يطرد من العمل  ,  ورفض تجديد  الاقامة والسكن , وكان يقف خلف زوحته , رجل كبير في الدولة وقيادي في جهاز المخابرات ( كه غه بي ) , فوجد نفسه في حالة نفسية يرثى لها , لكنه كان يتحدى  ويكابر في المواصلة ( كابرالآن ياخالد …. كابر … أنما ستمر عليك أعواماً هنا فتصبح لاحساً ككل الابطال المنهزمين الى روما العصر هذه . . )ص61

. فيشعر في انسحاق المعاناة التي تزيد من  وطئة الغربة والاغتراب اكثر وجعاً  , حتى وصلت الامور الى التهديد بالطرد من العمل والسكن , ثم الابعاد والطرد خارج البلاد  , من جملة التقارير التي كانت  تكتبها  ضده للايقاع به . . فوجد نفسه امام جدران مسدود الافاق والنوافذ , مما تزيد درجة الاحباط والخيبة في التواصل الحياتي. وجد نفسه يعاني من  التمزق والانكسار , بأنه معرض في شرنقة الاحباط , في وتيرة  الارهاب الفكري والنفسي والروحي , حتى فقد معادلة التوازن الحياتي , بأنه فشل في الحب والزواج ايضاً . وانه بقاءه ليس إلا تجرع المعاناة بشكل متزايد , وكان يشغل النفس ويواسيها  بعدم الانصياع والوقوع في براثن الاذلال ,  بان يملك روح التحدي امام هذه العواصف الثلجية ( قم أيها المغترب عن نفسك ومن حولك , لسوف يقتلك الثلج وكفاك تأكل منه مهما ألتهمت منه لا تستطيع ألغاء بيداءه البيضاء هذه حولك , وحرقتك الضاربة في اعماقك حرقة كلكامش وهو يرى جثة صديقه يأكها دود لن تطفئها برودة غادرة لئن لم تشعر بها الآن لسائل النار الذي شربته فهي قاتلتك غدا , واسئلتك المحيرة لن تجد لها جواباً ) ص264 . . هكذا تتقلص مسافات الصلح بين زوجته ,  رغم انه تنازل عن الكثير لها ,  في سبيل الطفل أبنه  , ولكن لم يسعفه ذلك ,  فظل شبح الطرد والابعاد يلوح في الافق ( – ليس من السهل ان تجد انساناً يفهمك وتفهمه .

– وانا هذا الانسان برأيك ؟

– أنت ؟ . ولا أدري ماذا يبقيك لحد الآن في هذه الحفرة الكبيرة هنا ؟!

– لي فيها أبن , واريد ان اعرف نهاية هذه اللعبة التي يديرها أربابك معي .

–  لن تعرف شيئاً على الاطلاق . ) ص295 .

لقد كتب عليه التمزق في الغربة والاغتراب بعذابات مريرة , كأنها متواصلة من الماضي الى الحاضر , تجر بخيولها المتسارعة لتصرعه  . فما عليه إلا شطب المكان طالما فقد الحماية والرعاية والسند   ,فلم يعد بوسعه الدفاع عن نفسه  , فقد رمي في الحجز , وارسل مخفوراً مع شرطيين في الابعاد والطرد الى المطار . حتى لم يسمحوا له بتجميع حاجياته واوراقه ووثائقه , لم يسمحوا سحب امواله من البنك , لم يسمحوا ان يودع طفله , وكذلك زوجته , التي شعرت بالذنب الكبير , الذي اقترفته بحقه ظلماً  .

  ××  الدلالة الرمزية في سقوط سبرطة وسقوط الحب , أو فشل الحب في موسكو :

سبرطة عصية على السقوط والانكسار مهما كانت الاحوال والظروف , فهي تخرج منتصرة , كما هي في نشأتها العصية والقوية في المجابهة والتحدي , وليس هي سهلة التطويع والانكسار في ظروفها الداخلية والخارجية , لكنه سقطت في موسكو , سواء كانت سبرطة القديمة , او سبرطة الجديدة ( البيريسترويكا ) التي تدعي انها  اكثر رحمة وانسانية من القديمة , وانها تحب الغرباء ولا تبعدهم . لكن العكس هو الصحيح . لذلك سقط ( خالد ) في الامتحان ,  في الحب والزواج  , ووجد نفسه منبوذاً ومطروداً  . ولكن ماذا عليه ان يفعل ؟( وماذا بأمكاني ان افعل ؟ أشحن سيارتي بمتفجرات وأدفعها الى الكرملين كما يفعل يائس , أم اصعد على ضريح لينين وانتحر كما يفعل عصابي ,  أم أعلق لافتة برقبتي وادور بها أمام مقر الحزب القائد مطالباً بسقوط أدارة فاسدة , أم أذهب بمسدس الى ادارة النشر وأقتلهم جميعاً ,كل ذلك ليس أكثر من هزيمة العقل .. ) ص342 . هكذا تبخرت الامال وجفت  وضعفت بالانكسار  . هكذا سقطت سبرطة , ولم تعد تنفع شيئاً , ولم تعد سوى مجاراة الالم . ( ستالينا ) انتحرت بسب فشل الحب الذي هرسها هرساً , ولم يسعفها في البقاء , او طلبت منه الرحيل الى خارج البلد  معه ,  لتتخلص من الحفرة الكبيرة التي وقعا فيها معاً  , وكان حلمها حين تصل الى الخارج ان  تفضح قاذورات الارهاب الفكري المسلط قهراً على عامة الناس  , لكنه لم يمد يد العون لها , كما وقع له  في نفس المشكلة ,  لم يمد يد العون له . ولم يكن هناك طريق سوى اليأس والاحباط , رغم ان مشاعره وحنينه الى الوطن , لكنه غير مقبول وغير مرحب به , لا  من النظام ,  ولا من المعارضة . فالنظام   في شخصية  قنصل السفارة ( عدنان ) يشك في ولاءه للسلطة والحزب القائد ,  وانه يقف الى جانب المعارضة , و المعارضة  تتشك في نواياه , بأنه مرتبط بالتواطئ  بالسلطة والسفارة في موسكو , الى حد الاتهام بالتجسس , ومن المعارضة في شخصية  عمه ( صلاح ) القيادي الكبير في المعارضة اليسارية , ولا حتى عمه , لم  يستطع ان يزكيه و يضمن ثقته , وانه يشك به  في  التواطئ مع النظام والسفارة , فيجيبه ( خالد ) محتجاً بقوله ( اذا  أنت لم تعرف أنساناً قريباً اليك فكيف أردت تغيير العالم ) ص378 . هذه القصر النظر السياسية بالجمود العقائدي , المصاب به اليسار العراقي عموماً  . ولكن من الطرف الاخر سلطة البعث  تفرز اخلاقياتها   بالعقلية البدوية في الانتقام والثأر ,  من الصراعات والاحقاد القديمة  , التي تظل راسخة في العقلية , رغم تقلبات وتبدلات الزمن والظروف , في مسألة الغدر والخيانة , في شخصية ( عدنان ) اذ لم ينسى احقاد وصراعات الماضي السحيق  , مع خصمه اللدود ( صلاح ) فقد استدرجه الى بيته بحكم العلاقات ضمن الجبهة الوطنية  القائمة بين الحزبين النظام والمعارضة  , وهناك دس له سم  الثاليوم في فنجان القهوة , وهي تمثل اخلاقيات تربية البعث في الغدر والخيانة

× رواية : حب في موسكو . او سقوط سبرطة

× المؤلف : برهان الخطيب

× اصدار : منشورات  أوراسيا . ستوكهولم – السويد

× الطبعة الاولى : عام 1992

× عدد الصفحات : 384 صفحة

جمعة عبدالله

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “جمعة عبد الله : قراءة في رواية (سقوط سبرطة) او (حب في موسكو) للكاتب برهان الخطيب”

  1. محمود سعيد يقول :

    تحية من القلب للأخ الأديب الناقد جمعة عبد الله. فأنا من المتابعين الدائمين لما يكتب، لكن المصيبة انني بعيد عن أسواق الكتب، ففي شيكاغو لا استطيع أن أقرأ إلا ما اشتريه من بلداننا وهذا يسبب لي إزعاجاً كبيرا وجهدا لم يعد يوفره السن

  2. جمعة عبدالله يقول :

    الروائي القدير الاستاذ محمود سعيد
    سعدت بحضوركم وأنا من المتابعين لابداعكم الروائي , واتشرف في التواصل معكم على هذا الايميل مع الشكر لكم
    jamah.abdala@gmail.c0m

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"