تابعنا على فيسبوك وتويتر

من الشعر الأمريكي اللاتيني: قصائد للشاعر أنطونيو سيّونيس من بيرو*
-القسم الثاني-
ترجمة عن الأسبانية: باهرة محمد عبد اللطيف**

“هدف”
أنا أجسّدُ حزني
بهذهِ الكلمات.
بهذهِ الكلماتِ التي ستلتقي فيما بعد
بأناسٍ باحثينَ عن السلوى..
في الأقل، في وحدةِ كلماتي
شخصٌ ما سيشعرُ برفقةٍ أكبر
من تلكَ التي أحسُّ بها الآن
مع نفسي

“زئبق”
أنا المسمارُ الثابتُ في الجدار.
والثقبُ أيضاً.
المطرقةُ الخشبيةُ أنا.
إطارٌ معلقٌ
لكلِّ مَن يجئ الآن
ويتركُ
صورتَهُ هنا

حياةُ الأسماء”
أيها الفكرُ،
أنتَ تمنحُ الأشياءَ أسماءً
بالأسلوبِ نفسهِ الذي
يعدُّ فيهِ زمنُ الحياةِ
قائمةً بأسماءِ الموتى
لأنّ كلَّ كلمةٍ تولدُ
يولدُ معها الحكمُ
بأن تعودَ إلى
الصمتِ
(…..)
كزهرةٍ
قطعتْ أيدي الشعب أمس
الرأسَ الذي قادَ
خطواتِهِ
أفَقدَ رشدَهُ؟
اليومَ سيفقدُ العيونَ والشفاه
غداً سيكونُ قد فقدَ الشعرَ والأظفار
تراه أضاعَ صوابَهُ؟
تبقّتْ لهُ بعدُ العظامُ
للحفاظِ على الشوقِ
الذي استيقظَ
في كلابِهِ ..

“تناقض ظاهري”
في الوحدةِ كُتبتُ هذه القصيدةَ
وفي العتمةِ حُفِظتْ..
مع ذلك ما من أناشيد
يمكنُ تـهجّيها سرّاً
أو الترنّم بـها صمتاً
حين يرسمُها لسانٌ في الهواءِ
أو أُصبعٌ في الرملِ.
وهكذا
حقيقةُ الجمالِ لا تكمنُ في الكلماتِ
ولا في الأشياءِ التي قد تُسمّيها
بل في الرؤيةِ والسمعِ
اللذينِ يكتشفانـِها..

“تشذيب”
كل عنفٍ يولد الدمار.
من يمحقْ
يخلّفْ الحطام.
وحدهُ الـمبدعُ
مَن بوسعِهِ أن يعيدَ
مِن ركامِ أخطائِهِ
البناء ..
كم هم أولئك الذين لم يصنعوا حطباً
من ” الغابة الـمحرّمة ”
ليظلَّ في مطابخهم مخبأً !!

“تطابق”
حمامةٌ بيضاءُ مرفرفةٌ
حطّتْ على إفريزِ بيتٍ.
سقطَ ظلُّها تواً
عند قدميّ.
( لأني كنتُ جائعاً، ألقيتُ بنفسي فوقها
وقد خلتُها حمامةً سوداءَ)
ارتطمتُ بالأرضِ
نظرتُ أسفلَ جسدي
واكتشفتُ أنها لم تكُ هناك
” لعلها فرّتْ؟ “
تطلّعتُ ثانيةً صوبَ الإفريز..
غير أنها لم تكُ هناك أيضاً.
غامتْ الرؤيةُ لديّ
فقدتُ الوعيَ
والعينينِ والأسنان
فقدتُ كلّ شيءٍ تقريباً
( لأن أحدَهم وثبَ على وجهي
وقد خالني
حمامةً سوداء ..)

“لمن يحيـون”
لِمَن يحيون بجوارِ المقبرةِ
سيكونُ سهلاً عليهم
أنْ يؤمنوا بالموتِ
لكن لا بالخلودِ..
مع ذلك فإنّ مَنْ يحيا بجوارِ مستشفىً
لن يؤمنَ تماماً بالحياةِ..
ابنِ بيتكَ إذن في صحراء
وستملكُ الإيمانَ بالحياة
ولكن لا تحسبْ أنهُ سيكونُ بوسعِكَ
أن تنسى كلّ شيءٍ عن الموتِ
(أسوأ من الموتِ
ستكونُ وحدتك..)

 

“في الداخل والخارج”
لا أحتاجُ إلى فتحِ النوافذِ
لكي أسمعَ الحشدَ..
لا أحتاجُ إلى أن أديرَ
مقبضَ البابِ
كي أكونَ بينَ الحشدِ..
بإصغائي إلى قلبي المحطّمِ
أسمعُ عشرةَ آلافِ نبضةَ قلبٍ
وما أنْ أفتح قليلاً عينيّ النديّتين
حتى لتغدو جليةً
أكثرَ فأكثر
تفاصيلَ أحلامي
المائةِ ألف.

“للآن كل هذا”
حتى اليوم
لم أفعلْ شيئاً سوى
تكرارَ التقاسيمِ المعهودةِ نفسِها..
شخصياً
عليّ أن أعترفَ بأني
وحيداً
حاولتُ بلا جدوى
أن أضبطَ آلاتي كلّها
وحينَ أوشكتُ أن أبلغَ ذلك
ما وجدتُ أمامي
أيّ “نوطة”
لذا
كنتُ أرتجلُ دوماً..

“ذئب للذئب”
اللبؤةُ التي تعدو
خلفَ الغزالِ
تنهكُهُ
تظفرُ بِـهِ
وتلتهمُهُ
ليسَ لها شهوةٌ للقتلِ
أكثرَ من الغزالِ نفسِهِ
الذي يقتلعُ أوراقَ الشجيراتِ
ويأتي على عشبِ المرجِ كلّهِ..
أو من العقعقِ
الذي يسرقُ البيضَ من الأعشاشِ..
أو من العقابِ
الذي يصطادُ الفراخَ
عند أول تحليقٍ لها..
لا وليستْ بأسوأ من عصفورِ الدوريّ
الذي ينبشُ الترابَ
بحثاً عن دودةِ الأرضِ..
– الحياةُ أبداً تشترطُ الموت..

“أنا حلتُ..”
أنا حِلتُ بين العصافيرَ الطنّانةِ
وحقولِ الذرةِ،
بين حقولِ الذرةِ والفراشاتِ،
بين الفراشاتِ والضوءِ..
وأنتَ
ماذا فعلتَ؟
تنتظرُ أنْ تذوبَ الشمعةُ
حتى آخرها..!

*مختارات من كتاب “أبداً لن يجدوا شفتيّ”، أنطونيو سيونيس، الصادر عن دار الألف والكيخوتة. ترجمة باهرة محمد عبد اللطيف
**كاتبة ومترجمة وأكاديمية عراقية مقيمة بأسبانيا


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “من الشعر الأمريكي اللاتيني: قصائد للشاعر أنطونيو سيّونيس من بيرو* -القسم الثاني-
ترجمة عن الأسبانية: باهرة محمد عبد اللطيف**”

  1. صالح الرزوق يقول :

    في امريكا اللاتينية اتجاه نهضوي و نضالي. بينما امريكا الشمالية تقدم موضوعات عن الانسان و النمو و الحنين للاستقرار و الهدوء.
    فالمخاض مختلف بين نصفي امريكا.
    كفاح دموي و مغالبة لطروف الحضارة الجريحة مقابل استماتة على لقمة العيش و السقوط في الاغتراب و عزلة الأفراد. فاللعة التي يبتيها ابناء امريكا اللاتينية تخص مشاكل المجتمع في حين قلاع امريكا الشمالية تشبه درع السلحفاة. كل شخص يأوي في قلعته و يحمل همومها معه.

  2. باهرة عبد اللطيف يقول :

    الدكتور صالح الرزوق المحترم
    لقد اصبت في تحليل التوجه النضالي الدائم لشعوب امريكا اللاتينية منذ قرون حتى اليوم، ضد مستعمريه قديما ومستغلي ثرواته وانسانه حديثا. ويتجلى هذا النضال في كل ضروب الادب، وخصوصا الشعر.
    اتذكر الان مقولة شائعة هناك تلخص هذه المعاناة: “إن مأساة المكسيك تكمن في كونها بعيدة جدا عن الرب وقريبة جدا من الولايات المتحدة”..هذا القول يختزل جوهر النضال هناك، بالامس واليوم.
    شكرا لتعليقك الكريم. تحياتي.
    باهرة عبداللطيف/اسبانيا

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"