تابعنا على فيسبوك وتويتر

التوظيف السيميائي للمنحوتات في رواية شبح نصفي لمحمد خضير سلطان
أحمد الشطري
كثيرا ما يلجا القاص والروائي محمد خضير سلطان في سردياته الى استخدام الخطاب الرمزي في تقديم رؤاه الثقافية او الفكرية وهو بهذا يحاول ان يمنحها بعدا جماليا او فكريا يحفز ذهن المتلقي على البحث عن مدلولات الخطاب وليس متعة الخطاب فقط. وما قدمه من مرموزات في روايته الاخيرة التي وسمها بعنوان (شبح نصفي) والصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2018 حافلة بالأبعاد السيميوثقافية والتي تفتح مجالات متعددة للقراءة التأويلية للنص والرموز المحتشدة فيه.
وقد رأيت ان اتناول في قراءتي هذه جانبا من الاشارات الرمزية لنصب ومنحوتات ذات ابعاد سيميوثقافية راسخة في الذاكرة التاريخية والاجتماعية للمجتمع العراقي والتي حاول محمد خضير سلطان ان يوظفها سيميائيا في خطابه الثقافي والفكري في النص. ولا تفوتني الاشارة هنا ان اسجل مأخذي على الروائي الذي اقترح في مقدمة كتبها للرواية على القارئ مفاتيحا لقراءة نصه، وهو اقتراح غير مبرر- كما ارى- كان الاجدر به ان يبتعد عنه، ويترك للقارئ حرية القراءة وفقا لوعيه، وفكره الخاص لا تحت تأثير مفاتيح السارد المقترحة.
لقد استخدم محمد خضير سلطان في روايته ثيمتين اساسيتين: الاولى تمثلت بحكاية (آل فالح)، وهي الثيمة الرئيسية التي بنيت عليها احداث الرواية، والاخرى هامشية، جعل منها نافذة لعبور افكاره، ورؤاه، فكانت منحوتة نصب الحرية؛ لما تحمله من ابعاد سيميوثقافية نافذة واسعة لانطلاق تلك الرؤى عبر تحليلات مقترحة، وتعليقات يقدمها للقارئ تشي بصورة جلية عن وعيه العميق لما تحمله هذه المنحوتة من ابعاد سيميائية اولا، وعن قدرة على توظيف تلك الدلالات في تنمية الحدث الدرامي، وكسر القيود الزمنية للأحداث ثانيا. لقد حاول محمد سلطان ان يفكك اجزاء تلك المنحوتة وفقا لما تحمله من مرموزات؛ لتعبر عن جملة من الاحداث الدرامية، او ليجعل من حركتها رمزا يعبر من خلاله عن فعل ما كما في هذا المقطع: (يرى ثلاثة رجال يحاولون اللحاق بقوس العنق النافر، يمدون ايديهم البرونزية المتغضنة ببعض التجاويف نحو الأعالي.
الرجال الثلاث يمدون ايديهم طلبا للسلاح وانقاذ الناصر الكبير )135
او في المقطع التالي: (ينزل (انزل) الفنان المسرحي… منحوتة النائحة من افريزها في الجدارية واحاطها بنائحات يشبهنها، مجللات بالسواد يضربن ايديهن بالتراب و يهمينه لطما على وجوههن) 90
كما استخدم الروائي منحوتتين آخرتين هما تمثال الجنرال مود وتمثال الملك فيصل في اشارة الى ثنائية سلطة العائلة المالكة متمثلة بتمثال الملك فيصل وسلطة الاستعمار او القوى الخارجية متمثلة بتمثال الجنرال مود. وهي اشارة رمزية بالغة الذكاء عبر حوار استهجاني :
(قال الاول:
– عاد الملك فيصل الى حصانه!
قال الثاني:
– كاد الجنرال مود ان يعود!
قال الثالث:
– عاد …………..!
هذه الحوارية تعكس رؤية الراوي لتنامي الحدث الواقعي وتشابكه مع الحدث الدرامي للحكاية وهو هنا يستخدم ما تحمله هاتان المنحوتتان من دلالات سيمياثقافية في ذهن القارئ للإشارة الى ما آل اليه الحدث الواقعي في العراق وفقا لرؤيته.
لا شك ان الاستخدام التقني الواعي لتلك المنحوتات المادية بما حملته من دلالات سيمياثقافية اضفت ابعادا عميقة للخطاب الفكري للرواية، فالحضور الدلالي الرمزي لمنحوتة نصب الحرية في الوعي الجماهيري سواء بمعناها العميق او بالمعنى الظاهري السطحي وكذلك الحضور الدلالي لمنحوتتي الملك فيصل والجنرال مود بما تحملانه من رمزية تاريخية في الوعي الجماهيري اعطت الروائي مساحة جيدة في تقوية الخيوط الرابطة بين الثيمة الرئيسية والثيمة الهامشية التي ربما شكلت فسحة للـ(انا) الضاغطة في تجسيد حضورها.
كما ان الروائي عمد الى ابتداع منحوتة اخرى معنوية تمثلت بشخصية الزعيم التي اطلق عليها اسم ( الناصر) موظفا في ذلك المرتكز الرمزي التاريخي او المعنوي لهذا الاسم في ذهن المتلقي سواء بخبره الذي اضمره والذي اعتاد الخلفاء العباسيون ومن جاء بعدهم في تصدره لأسمائهم ( الناصر لدين الله ) او ما شابهه من مبتدءات لإضفاء نوع من القدسية اوما ارتكز في الذهنية الجماهيرية المعاصرة لهذا اللقب( ناصر المظلومين او المساكين) وسواء كانت الدلالة اللغوية لهذا الاسم ام الدلالة التاريخية ام المعنوية هي التي جعلت الروائي ينحت هذا النصب المعنوي فانه من الواضح اراد منه ان يحمل رسالته التي تعبر عن رأيه، او رؤيته لذلك الزعيم بغض النظر عما اشار اليه من السلبيات التي رافقت مسيرته.
ان رواية شبح نصفي بلغتها المكثفة، وثيمتها العميقة، واسلوبها السردي المميز، وما تحمله من دلالات رمزية تنفتح على مساحات شاسعة للتأويل، وبما توفره من فسحة كبيرة للمتعة، والتأمل؛ لهي جديرة بان تأخذ حيزا بارزا ليس في الابداع الروائي العراقي فحسب، وانما على صعيد الابداع العربي على اقل تقدير.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"