تابعنا على فيسبوك وتويتر

من الشعر الأمريكي اللاتيني المعاصر: أنطونيو سيّونيس*
-القسم الأول-
باهرة محمد عبد اللطيف*

الشاعر أنطونيو سيّونيس من الأسماء الشعرية المهمة والأصوات المتفردة في بيرو. ولد في ليما عام 1944. كتب الشعر مبكراً وهو لما يتجاوز الرابعة عشرة من عمره بعد، إذ تتلمذ على يد الأب خيسوس بالبيردي، شقيق الشاعر الإسباني المعروف خوسيه ماريا بالبيردي الذي راح يعلمه وينقح له أولى القصائد التي كتبها. وبعد رحيل الأب خيسوس عن بيرو، وجد سيونيس نفسه وحيداً فصار يقرأ ويطور قدراته الكتابية بعصامية بالغة. وكان كثيراً ما يتغيب عن قاعات الدرس لانـهماكه في عالم الشعر الذي كان فرحاً باكتشافه، فقد تأثر كثيراً منذ بداياته بشاعر بيرو الإنساني الكبير ثيسار باييخو( 1892-1938) الذي يعد من كبار الشعراء الذين كتبوا بالأسبانية والذي أمضى حياته متنقلاً في أوربا قبل أن يموت في باريس، وقد اشتهر هذا الشاعر بكتاباته ذات الحس السياسي الاجتماعي وأشعاره ذات النبرة الإنسانية العالية التي جعلت بعض النقاد والدارسين يفضلونه على الشاعر التشيلي المعروف بابلو نيرودا.
نشر سيونيز مبكراً في الصحف والمجلات الأدبية في بيرو وأسبانيا ومنابر أخرى في أمريكا اللاتينية وأوربا. ثم درس التاريخ الحديث والمعاصر وكذلك فقه اللغة الرومانية وقد تجلى تأثير الاثنين في أشعاره من خلال إهتمامه الكبير وولعـه الشديد بتاريخ الإنسان ومعطياتـه وأسلوبه في التعبير عن ذلك، عبر لغة حية مرهفة، دقيقة حد التقشف في مفرداتـها وصياغاتـها.
رحل عن بلده بيرو محتجاً على الأوضاع السياسية المتردية وأختار المنفى الإسباني طائعاً، وبعد اشتباكات طويلة مع الواقع الإسباني الذي كان ينوء تحت وطأة الفرانكوية، وبعد خلافات مع رفاق المبدأ في اليسار الأسباني فضل سيونيس أن يبقى وفياً لنفسه ولحلمه الإنساني مكرساً جهده ووقته للشعر الذي اختاره أداة للتعبير وأخلص له بوصفه أسلوباً ومفهوماً للحياة، ووسيلة للتغيير إن أتيح الظرف لذلك.
نشر الشاعر أول دواوينه الشعرية عام (1967) بعنوان “أشعار عامية”. وقد مثل هذا الديوان مع ديواني ” مستشار الذئب” للشاعر رودولفو اينوستروسا (1965) و” إنشاد طقوسي ضد آكل النمل” للشاعر المعروف أنطونيو سيسنيروس (1968) ما عده النقاد بـمثابة قطيعة شعرية مع السائد آنذاك، ليشكلا مع آخرين ما عرف لاحقاً بجيل الـ 68 في شعر البيرو.*1
في عام 1970 حاز الشـاعر سيونـيس جائـزة “الشاعر الشاب” في بيـرو، مناصفة مع ديوان “ألبوم العائلة ” للشاعر خوسيه واتـانابه.
وفي عام 1971 نشر سيونيس ديوانه ” بعد المضي زمناً صوب الشرق” الذي رشح لنيـل جائـزة “أكنوس” في برشلونة ، ليصدر لاحقاً في عام 1975 ديوانه “أملاك” الذي ضم ديوانيه السابقين وديواناً آخر هو “بالـة جنائزية ” الذي كان قد رشح لنيل جائزة دار نشر الأمريكتين المعروفة عام 1973.
كما حصل الشاعر سيونيس على جائزة الشعر الإيبرو أمريكي الاستثنائية عن ديوانه ” ليلة على حصان طروادة”، وذلك من خلال مسابقة دعي إليها في أسبانيا لتكريم ثلاثة من شعرائها الأفذاذ الراحلين : فيديريكو غارثيا لوركا وانطونيو ماتشادو وميغيل إيرنانديث.
في التسعينات من القرن الماضي أصدر سيونيـس في بيـرو عمله الشعري “ديـمومة الزمن” الذي تضمن ديوانين جديدين هما “ضد إدانـة الزهور” و ” أبداً لن يجدوا شفتيّ ” فضلاً عن دواوينه الأربعة السابقة. وكان لهذا العمل الشعري أصداء عميقة إذ حظي باهتمام القراء والنقاد على حد سواء واستقبل بحفاوة قل نظيرها في وطنه الذي عاد إليـه بعد غياب أعوام طوال أمضاها في إسبانيا، بعيداً عن بيـرو وعن منابرها الثقافية. وقد أعيد نشر المجموعة في برشلونة بأسبانيا واحتفى به النقاد والصحافة الأدبيـة ودوائر المثقفين والأكاديـميين.
أما عمله الشعري “صيـغة ما لعرض العالم “*2 فقد صدر في مدريد عام 2000، وضم عدة دواوين لم تنشر من قبل أبداً، إذ فضل أن ينشرها مجتمعة بوصفها قصائد يكمل بعضها البعض الآخر لتمثل بـمجموعها طريقة ما يقترحها الشاعر، ليرينا نحن القراء العالم من خلالها، معبراً عن ذلك بالأداة الوحيدة التي يمتلكها الشاعر، ونعني، القصيدة.
ملامح قصيدة سيّونيـس:
بوسع من يتجول في أشعار سيونيـس أن يلمس بعمق رهافة حسه الإنسانـي الذي يجعل من الكرة الأرضية منـزلاً حـميماً لإقامتـه. كما يلحظ بوضوح غنى ثقافيـاً وتنوعاً يتيح له الإبحار في عمق الحضارات والثقافات الإنسانية، من حضارات الهنود الحمر في أمريكا اللاتينية، وخصوصاً حضارة الإنكا القديـمة التي ازدهرت في بيـرو في القرن الخامس عشر والتي قضى عليها الأسبان فيما بعد، وصولاً إلى حضارات الإغريق والرومان والفراعنة والسومريين والبابليين. ومن هنا يتجلى لنا ولع الشاعر بالتاريخ لا كحدث معزول منتـه، بل من خلال اشتباكه مع الحاضر ليتقرر المستقبل في ضوء معطيات هذا الاشتباك. عن هذا الاهتمام بالتاريخ ورموزه وأحداثـه، يقول النـاقد الأسباني المعروف البروفيسور تيودوسيو فرنانديث: “لقد جعلت منـه المسافة – إقامته في أسبانيا- شاعراً مهتماً على نحو خاص بالجغرافيا والتاريخ، ولعلـه الوحيد المتفرد في هذا من بين أفراد جيله الغارق عموماً، وربـما اللاهي، بنظم التجارب الشعرية المباشرة، وليـدة كل يوم “*3
إن انتماء الشاعر الواضح للإنسان والدفاع عن قضاياه- الخاسرة- في زمن العولمة وانمحاء الملامح والفروق بين الجلاد والضحية، يجعله يتمسك بجوهر الشعر، بناره الأزلية التي توهجت على يد كبار شعراء الإنسانية على مر العصور، وبرهانه الدائم على الكلمة في مواجهة الخوف الفردي والجماعي، من دون أن يفرط في جـمالية هذا الشعر، فقصائـده أبداً لا تعتاش على قضاياه التي يؤمن بـها، بل أن قضيته تحيا بفضل هذا الشعر. وهذا ما تنبـه إليه سيونيـس في وقت مبكر إذ يستشهد بحادثة وقعت له في مطلع مسيرته الشعرية. فقد بدأ شاعراً متمرداً، قدم إلى أسبانيا في أول الستينات وعايش أحداث عام 68 التي وسمت جيلاً بأكمله في أوروبا وفي أنحاء كثيرة من العالم، وراح يكتب قصائد ذات نفس واقعي اشتراكي – عبر عنه بوضوح ديوانه الأول ” أشعار عامية”- ويلقيها في حلقات ضيقة تضم بعض النخب من المثقفين والأكاديميين. يقول عن ذلك الحادث إنه ذات أمسية شعرية أقامها في أسبانيا، وبعد أن استمع بنشوة كبيرة لإطراء بعض النقاد الذين شاركوا في النقاش الذي أعقب قراءته الشعرية، نـهض أحد الحضور واقفاً ليقول له بـهدوء شديد: “إن ما قرأته ليس بشعر، وإن الشعر يتجاوز هذا الطرح الانفعالي المباشر، والنبرة الصارخة ، و..و.. !!”
تركت كلمات ذلك الشاب الذي جرؤ على نقض طروحات النقاد أثراً بليغـاً في نفس سيونيـس وفي شعره، إذ يؤكد أنه بعد أن عاد حزيناً مندحراً من تلك الأمسية، وبعد ليلة أمضاها مسهداً مفكراً في كل ما حدث في تلك الليلة بلغ يقينه الخاص وأدرك أن الشاب الذي قال للإمبراطور :أنت عارٍ، كان على حق!!.
مزق سيونيـس جميع أشعاره التي كان قد كتبها من قبل وأخرج ورقة بيضاء جديدة ليكتب فيها شعراً آخر مختلفاً منذ اللحظة تلك، وليبقى مديناً بـهذا التحول الجذري في شعره لشاب مجهول، برز له من بين جمهور الشعر الذي جاء ليستمع إليه في تلك الأمسية.
ومع أن سيّونيس، واصل على مدى عقود كتابة الشعر المنحاز إلى الإنسان، سواء من خلال معاناة بلده بيـرو التي رزحت زمناً تحت نير الطبقة الاوليغاركية المتسلطة والعسكر والتي ما تزال تعاني فساد حكامها، أو من خلال التعبير عن الإنسان بوجه عام، في دول أمريكا اللاتينية أو آسيا .. أو في أي من بقاع الأرض، منتصراً له في صراعه مع النظم الاجتماعية والسياسية، ومشاركاً في إعادة صياغة تساؤلاته الوجودية الخالدة وثيماتـها المتفرعة، فانـه ظل في حالة تجدد وتطور مستمرين من حيث الأسلوب. إذ هو يؤمن بـدرجة صفر الكتابة، والإبحار عبر أسلوب مختلف مع كل رحلة كتابيـة يشرع فيها، تبعـاً لتباين الموضوع والحالة النفسية والهدف الكامن خلف العمل. وبذا يبقى الشاعر في حالة إبداع متجدد وينأى بشعره عن التكرار والاجترار والرتابة القاتلة لروح الإبداع.
من هنا فقد استعصى شعر سيونيس على التصنيف، خصوصاً في بلد كبيـرو ذي تقاليد شعرية عريقة ضمن خارطة الأدب المكتوب بالأسبانية ولـه ولع كبير بالأجيال والحركات الشعرية وتصنيفاتـها النقديـة. فثمـة نقاد عدّوه ستينياً وآخرون سبعينياً (جيلا الستينات والسبعينات من القرن العشرين في بيـرو هما من أغنى الأجيال من حيث تنوع التجارب الشعرية ومن حيث عدد الشعراء الذين برزوا فيه، وهذا الواقع له ما يماثله في أدب أسبانيا وفي الأدب العربي أيضاً والعراقي على وجه التخصيص. وثـمة نقاد آخرون وصفوه بأنه خارج التصنيفات الشعرية، لأنه باستقلاليته المميزة لا ينتمي لأي منها.
وقد أسهم وضعه الحياتي الخاص في بعض الحيف الذي لحق به، فهو شاعر من بيـرو يقيم منذ أكثر من ربع قرن في أسبانيا، أي أنه يقف خارج منظومتي العلاقات الأدبية في كلا البلدين. ومع أن هذا الوضع كفيل بتهميش أي شاعر إلا أن عزلة سيونيس المضيئة التي كرسها للشعر – فهو لا يكتب في أوقات فراغه كما يفعل بعض الشعراء “الموظفين” بل يخصص حياته كلها لشعره- في منزله المطل على شواطئ البحر الأبيض المتوسط في مدينة قادش العريقة حيث يعمل زاهداً وحيداً كنبتة صبار، ليفاجئ القراء والنقاد معاً من حين لآخر بعمل شعري جديد جميل، أو ليفاجأ هو أحياناً بجائزة من هذا المكان أو ذاك، اعترافاً بشعرية وإبداع هذا الشاعر الذي لا يتقن سوى القصيدة، مترفعاً عن مماحكات ومهاترات المتطفلين على الشعر، أو العمل الأدبي بوجه عام.
شعره بنبرتـه الرواقيـة، اللاإمتـثالية، دليل على إيـمانه العميق بأن على الأدب أن لا يرتـهن أو يرتشي. وهو “كائن شعري ” يشهد على شعريته أي مقطع نقرأه له من أي صفحة في دواوينه. إذ تشكل قراءة أي من أعماله جولة في مساحة خضراء من الشعر الذي يراهن على الحياة حتى عندما يتحدث عن الموت، أو عن اغتراب الإنسان في عالم اليوم بنظمه السياسية وعلاقاته المادية السريعة وعزلاته وتهميشه لكل قيم الروح ومنها الشعر. وهو ككل الشعراء الحقيقيين يعول على الشعر باعتباره مساحة المستقبل التي لم يخسرها الإنسان بعد، فالقصيدة لديه تتغذى من هذه الرؤية وبـهذا تفعل فعلها المزدوج: بوصفها مساحة للحلم الذي يبدد قتامة الحاضر وضبابيته، وشاهداً أجمل وأبقى في وجه عالم يحترف النسيان والخذلان.
شعر سيّونيس، بـهذا المعنى، شهادة واعية، مؤثرة، عن زماننا الغاشم هذا. شهادة معبر عنها بلغة خاطفة دقيقة، موجزة، رفيعة المستوى، تقول عنها الناقدة كارمن رويث باريونويبو: “لغة سيونيز الشعرية لا تنصاع للتنازلات، بل تبحث عن دقـة الألفاظ في القصيدة، وفي البيت الشعري الواحد. وهي لا تجهر بالصور ولا تسرف في النعوت التي تمالئ القارئ. ولأنها تعرف أن الكتابة تعنى التكثيف فهي تستخدم أقل الكلمات، إلا أنها تستخدم الكلمات الكافية لتصيب في الصميم ما يسعى إليه الشعر كله، ونعني هز الضمائر، وإقلاق سكون القارئ الآلي في مجتمعات كهذه التي نحيا فيها الآن .”*4
ومع أن قصيدة سيونيس تحفل بالإشارات التاريخية والتضمينات الأدبية والفكرية التي تشي بثقافـة نوعية غزيرة على مستوى المعرفة الإنسانية إذ يحرص على مزاوجة القديم بالحديث من خلال تفعيل الفكرة والصورة معاً، وعبر طرح الأسئلة السهلة – الصعبة التي يخشاها القارئ -الإنسان، إلا أنه يفاجئنا من حين لآخر بقصيدة موغلة في بساطتها وعمقها في آن واحد. هذه البساطة تقوم على التكثيف الشعري الذي هو سمة مميزة لسيونيس: ” أردت أن ألامس قلبك / غير أني ما داعبت سوى نـهدك”.
أما عن مفهومه الفني للقصيدة فهو يؤكد: “إنـه يكمن في ذكاء القصيدة، بوصفها توقاً للتواصل مع الآخر. إنها رسالة مفعمة بالمشاعر، وهي ثمرة تأمل غزير في الواقع الكلي، وبضمنه المرء نفسه. ثم يجئ بعد ذلك دور الحدس والتقنية ليتكفلا بالباقي. أما عن رؤيتي للعالم، فأنا أسعى لفهم الواقع من خلال أكثر أفعالي يومية، بوصفها سياقاً تاريخياً، وعبر حس جماعي وأخلاقي عال بطبيعة الحال”..
لا يفوتنا هنا أن نؤكد على ملمح آخر مهم لشعر سيونيـز، ونعني به الرؤية اللوكاتشية، فنبرة السخرية السوداء والمفارقـة والوعي المبثوث في القصيدة، تكاد تكون قاسماً مشتركاً لجميع قصائده.
أخيراً، فإن هذه المجموعة المختارة من القصائد والتي تحمل عنوان أحد دواوينه: “أبداً لن يجدوا شفتيّ”، تنتمي إلى مراحل مختلفة من عطائه الشعري المتواصل. وهي المرة الأولى التي تترجم فيها بعض أشعار الشاعر أنطونيو سيونيس القادم من بلاد ذات تقاليد شعرية عريقة، على مستوى الشعر المكتوب باللغة الأسبانية وعلى المستوى الإنساني عموماً، ونعني بها بيـرو، التي لا يكاد القارئ العربي يعرف عنها وعن أدبـها إلا النزر اليسير، وذلك لندرة ما ترجم إلى العربية عنها.

مصادر:
1- خورخه بالنثويلا، المجلة الأدبية النقدية “سوسانا والعجائز”، مدريد، 1997، ص323- 324.
2- أنطونيو سيونيس، دار نشر بيربوم، مدريد، 2000.
3- تيودوسيو فرنانديث، من المقدمة التي كتبها لديوان سيونيس ” بعد المضي زمناً صوب الشرق” والتي ضمها كتاب ” ديمومة الزمن”، برشلونة، 1992، ص 51.
4- كارمن رويث باريونويبو، من المقدمة التي كتبتها لديوان ” بانتيون”، المصدر السابق نفسه، ص321.

*من كتاب المختارات الشعرية “أبداً لن يجدوا شفتيّ”، أنطونيو سيونيس، الصادر عن دار الألف والكيخوتة. ترجمة باهرة محمد عبد اللطيف
**كاتبة ومترجمة وأكاديمية عراقية مقيمة بأسبانيا

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"