تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
ببساطة .. لإحساس عميق وقناعة راسخة لدى أسرة موقع الناقد العراقي بأن الشاعر المبدع “جواد الحطاب” هو “ظاهرة” فذّة في الشعر العراقي المعاصر لا يمكن إلّا الوقوف عندها طويلا وتأملها ودراستها بعمق ، تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن تجربته الإبداعية المهمة ؛ شعرا ونثرا ، متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بالدراسات والمقالات والصور والوثائق. 

سرمك يرافق الحطاب بحثا عن “عشبة جلجامش”
حسين سرمك يستمد عنوان كتابه من قصيدة مهمة للشاعر جواد الحطاب وهي “الرحلة الثانية لجلجامش”.
قاسم محمد مجيد

كل من عاشر امرأة دون إذني عدوي!
إطلالة شعرية شكلت اهتماما نقديا
الحطاب: الشعراء الفاشلون وحدهم من يبحثون عن (جيل) يؤرشفهم ويدوّن أسماءهم في أضابيره
الكتاب “السرمكي” يشكّل إطلالة واعية على منجز الحطاب في الشعر والنثر

من المؤكّد أن القارىء يقدّر مدى صعوبة الإلمام بمقالة محدودة عن كتاب نقدي مهم يرصد شاعرا تمثل تجربته الأدبية مساحة إبداعية وزمنية كبيرة، كونه واحدا من  شعراء الجيل الصاخب المتعدد الأصوات والتجارب يقع في قلب الشعرية العراقية والعربية، الجيل السبعيني، على الرغم من النقّاد جميعا قد اتفقوا على أنه هذا الشاعر “عصيّ على التجييل”.
إصدار جديد للناقد المبدع الدكتور حسين سرمك عن الشاعر الكبير جواد الحطاب، عن “دار نينوى” اختار له الناقد عنوانا لافتا “أفعى جلجامش، وعشبة الحطاب الجديدة” وقد استمد هذا العنوان من قصيدة مهمة للشاعر الحطاب منشورة في ديوانه الثاني “يوم لإيواء الوقت” ألا وهي “الرحلة الثانية لجلجامش” حيث يقود الحطاب فيها البطل الرافديني “جلجامش” في رحلة جديدة لم يكن الغرض منها البحث عن الخلود عن طريق الـ “عشبة السحرية” لكنه الخلود المتحقق عن طريق الالتحام بالفقراء هذه المرّة، والحطاب والفقراء – كما يعرف المتابعون لشعره – توأمان لا يمكن الفصل بينهما منذ ديوانه الأول “سلاما أيها الفقراء” وحتى آخر ما ينشره من قصائد منتمية للأرض والإنسان.
في مقدمة الكتاب اختار الدكتور سرمك، مقتطفات من أسئلة وجهها للحطاب عن موضوع لا يزال يشغل بال المهتمين بالنقد وكتابة التاريخ الشعري ألا وهو قضية التجييل التي تثير بين الحين والآخر ملاحظات وآراء متباينة مثيرة للجدل.
يقول الحطاب في بعض جوابه عن هذه الإشكالية “الجيلية”:
“إن الشعراء الفاشلين وحدهم من يبحثون عن (جيل) يؤرشفهم ويدوّن أسماءهم في أضابيره، أما الشعراء الحقيقيون فكل الأجيال هي جيلهم الذي ينتمون إليه ويرفدونه بنعمة انتسابهم له” (الفصل الخامس).

مثلما يوزن الحطاب مفردات قصائده بعناية ودقه دون إسراف أو مغالاة، منحنا  الحوار بينه وبين سرمك آفاقا جديدة عن رؤية الشاعر لكثير من قضايا الشعر والنثر والموت والحرب الحرب

يمكنني القول إن الكتاب “السرمكي” يشكّل إطلالة واعية على منجز الحطاب في الشعر والنثر، وان كان الناقد قد أكّد فيه أنه هو “جزء أول” من رصده لتجربة الشاعر جواد الحطاب، وأن هناك جزءا ثانيا في الطريق، لكن ذلك لم يمنع الناقد من صحبة القارئ في رحلة نقدية للتمتع بين ثنايا تاريخ إبداعي يمتد لأربعة عقود، ويبدأ منهجيا في تأشيرها في عام 1978 كأول إطلالة شعرية شكلت اهتماما نقديا وبداية شعرية واثقة حين نشر ديوانه الأول “سلاما أيها الفقراء” والذي منحه صفة مشرفة كشاعر للفقراء “هؤلاء هم من سكن أصابعي، من تسلقوها كما يتسلق السحرة المكانس في الحكايات الخرافية” كما يقول الحطاب عن فقرائه في ص164.
ولم يتاخر طويلا  بعدها في النشر إذ أنجز مجموعة شعرية  للأطفال عام 1982 “يا قمرا في البصرة” ليتبعها في نشر مجموعة قصصية أسماها “تلال يغسلها الصباح”، وبودي أن أشير هنا إلى انتباهة الناقد حسين سرمك إلى أن إحدى قصائد الحطاب المكتوبة للأطفال والتي أسمها “الفيل يستحم” قد أقرتها وزارة التربية السورية لتكون ضمن المنهج الدراسي الابتدائي، وتصبح إحدى محفوظات الطفولة كأيقونة جمالية تعلّم التلاميذ وهم في بدايات سني دراستهم الأولية الخيال والكلمة المموسقة، وهو ما لم تنتبه إليه وزارة تربيتنا العراقية.
تضمن الكتاب الذي استعرضه هنا، خمسة فصول مبتدءا بـ عشبة جلجامش وأفعى الحطاب. والفصل الثاني “فندق الموت والخلود تأملات تحليلية في رواية يوميات فندق ابن الهيثم”. أما الفصل الثالث فكان عن “نرسيس الحطاب” وهي تحليل لقصيدة  زهرة نرسيس من مجموعة “شتاء عاطل” عام 1997. والفصل الرابع “دماء على القباب المذهبة” تحليل لقصيدة “استغاثة الاعزل” في رثاء الشهيدة أطوار بهجت. والفصل الخامس والاخير “سرمك يحاور الحطاب”، ولعله أخطر فصول الكتاب، حيث تمكن الناقد وبما يملكه من براعة نقدية – نفسية، باعتباره طبيبا نفسيا بارعا، من الغور إلى أعماق الشاعر واستجواب مكامنه في حوارية بإمكاني القول عنها إنها “وثيقة” تاريخية لكونها شملت محطات عديدة في تجربة جواد الحطاب الشعرية والحياتية، لاسيما ونحن جميعا نعرف أن الشاعر الحطاب ضنين بالمقابلات، وغالبا ما يتهرب منها، وهذا الفصل يحسب لحسين سرمك حقا.
في الفصل الأول يفتتح الناقد كتابه باقتباس من الحطاب “في نيتي أن امتطي البحر – وأضع اللجام في فكيه”، وهو تغليف ماهر كما يقول سرمك عندما أقتطع الحطاب في البداية جزءا من الملحمة، ويذكر هنا حديث ننسون ام جلجامش الى الإله شمش:

“علام اعطيت ولدي جلجامش
قلبا مضطربا لا يستقر
وحثثته
فاعتزم سفرا بعيدا”
وقد انطلق سرمك في محاولة جادة لإعطاء دور مهم للتحليل النفسي على اعتبار أن بعض الاختيارات لا تتم اعتباطا أو دون توافق نفسي، ليختم الفصل بتلك الرؤيا التي تنظر للخلود من زاوية خلود الكلمة وبقائها، وتتضح رؤية الشاعر ومعتقداته عن الحياة والموت والمصير الإنساني الهش والمرتبك المسكون بالرغبة في الحياة الأبدية، الحطاب الذي يدفعه خياله بقوة المهماز ليتنفس رائحة اللوحات الحجرية:
“المهماز بخاصرتي
اتنفس رائحة اللوحات الحجرية
أسال هذا النهر الواقف عن حكمته
وأصادق وحش البر
يا صاحبة الحانة
أبحث عن نار
أنضج فيها الحلم
وماء
أغسل فيه الليل”. (قصيدة الرحلة الثانية لجلجامش)
وحسنا فعل حسين سرمك، وكان موفقا في استقرائه لـ “يوميات ابن الهيثم” والذي تابع هذا الجانب من تجربة الحطّاب النثرية، أو الروائية المهمة والتي سجّل فيها الشاعر “يوميات  فندق الموت”، والتي لم يتوان في مقدمتها عن إثارة  قضية انحيازه للفقراء، وبالتأكيد أن “سرمك” لم يخترها اعتباطا، وإنما أراد من خلالها أن يوثّق كيف أن الحطاب منح الفقراء جل ما يكتب سواء في الشعر أو النثر: “لا أحد يعرف الوطن مثلما نعرفه نحن الفقراء، فقد بنيناه طابوقة طابوقة، وعبدناه، شارعا شارعا”.
وفي مكان آخر ينقل الناقد الدكتور حسين سرمك عن الحطاب في يومياته تلك، وكأنّه ينقل قصيدة سردية “أعزي النفس، يا نفسي، كم يدفع الآخرون كي يصلوا إلى ما وصلت إليه، كم حياة يدفعون بدلا لحياتك في الحرب؟ ثم انهض ضاربا ركبتي بقبضتي.. ياللبهاء.. أن تمسك موتك من أبطيه وترفعه بمؤازرة عينيك تتمعن في وجهه!”. 
وللآخرين الذي قد تبقى من الكائنات
إنني بالمحبة اغوي الحياة

اليوميات التي أفرد لها الكتاب فصلا كاملا، هي عبارة عن مذكرات يومية لمحارب قضى سنوات الحرب، وكتب عنها بكل صدق وأمانة مقدما لنا الجندي بكل حالاته الإنسانية من شجاعة وخوف وحب، ليتنقل بنا في صفحات الرواية عبر عشرات المواقف التي تؤكد وطنيته التي لم يزل أمينا لها حتى اليوم، بالرغم من أن البلاد قد أكلت الحرب خيرة شبابها وجعلت أيامها، وأيام الحطاب، مجللة بالسواد والفجيعة، لكن قدر الشعراء وكبار المبدعين أن يكونوا محكومين بالأمل لحين انبعاث أوطانهم.
ولا مجال هنا في تلك القراءة لبحث اليوميات التي ختمها سرمك حين أشار إلى أن الحطاب كان متشائلا في يومياته، حين أكّد في إحدى إجاباته لسرمك من أن أنواط الشجاعة تباع اليوم في الأرصفة مع الأحذية العسكرية، لكنها مرحلة تاريخية كتب عنها الحطاب بمصداقية ووعي عميق. أما القصيدة التي يطالب الحطاب بقراءتها في غالبية المهرجانات التي يدعى للاشتراك فيها سواء من قبل الجمهور أو الهيئات التنظيمية وبإصرار، وأعني هنا  قصيدة “زهرة نرسيس” والتي ضمنها الناقد في فصله الثالث، وأشبعها بحثا من الجانب النفسي والعاطفي، ولعلّ من المتعة ان أذكر النص هنا:
“.. كل من عاشر امرأة
دون إذني
عدوي!
كل من عاشرت رجلا
ليس يشبهني
خائنة!
أنا ودّ الاله على الأرض
معجزتي
أنني بالمحبة اغوي الحياة
لي: كل النساء – فقط
وللآخرين
الذي
قد تبقى من الكائنات!”
ويستحضرني قول للدكتورة الناقدة دجلة السماوي استقطعه من دراستها الطويلة عن القصيدة النرسيسية، حيث تصف السماوي الشاعر الحطاب بانّه في هذه القصيدة قد “نصّب نفسه حاكما عسكريا لقضية المرأة” مضيفة أن “جواد الحطاب قد صاغ  باقتدار مشهود له قصيدة غرائبية فشكل ذلك رصيدا جديدا من الابتكار يضعه ضمن طليعة المبدعين المبتكرين في لعبه بالكلمات”، وهو ما توصّل إليه الناقد حسين سرمك كذلك.
الفصل ما قبل الاخير “دماء على قباب مذهبة” هو تحليل لقصيدة “استغاثة الأعزل” قصيدة الرثاء الكبيرة للشهيدة أطوار بهجت، وقد كان د. حسين سرمك منصفا حين وصف تلك المرثية بالمرعبة، وهو يشير إلى حجم الألم الذي سكبه الحطاب في نص مائز، في يوم غريب على تقاويم أيامنا ليظهر بجلاء عري القيم الجديدة في زمن ما بعد السقوط وارتفاع أسهم القتل في بورصة الإرهاب، والسقوط المدوي لها “ما أنتن الرجولة حين تنفرد بامرأة عزلاء” في مكان يحمل قدسية ومهابة من المفروض أن تراعى فيه حرمة الدم، وخصوصا دم النساء البريئات.
قصيدة الشهيدة مؤشر على ذلك المنحى التصاعدي لفجائعنا فاختيار العنوان “استغاثة الأعزل” له دلالاته الرمزية في وطن يفخخ نفسه كل يوم “القادمون من العتمة – الهواة بسمكرة الأجساد – نصبوا الكمائن للغزالة — وتراهنوا: خارطة العراق على صدرها – ذهب – أم شبه – السمكريون الهواة – اشتغلوا بغطرسة – على جسد الغزالة – واكتشفوا – أن الخرائط – من – بهجة وأطوار”.
هذه القصيدة من المراثي الخالدة التي توقف عندها النقاد ومتابعو شعر جواد الحطّاب، لأنه حمل فيها عروش العصافير ومشى فوق شرايين المدينة المستباحة في فضاء محتقن ولا يبدو عبثيا السؤال المرعب الذي أطلقته القصيدة: من أين جاء طوفان الحقد والهمجية والقتل على الهوية في عراق الأنبياء والرسل والأديان السماوية؟!
ومثلما يوزن الحطاب مفردات قصائده بعناية ودقه دون إسراف أو مغالاة، منحنا  الحوار بينه وبين سرمك آفاقا جديدة عن رؤية الشاعر لكثير من قضايا الشعر، والنثر، والموت، والحرب، الحرب التي أجاب صراحة أنه لم ينتم اليها، بقدر ما انتمى للفقراء الذين تقاسم معهم على السواتر الرغيف، والشظايا، لأنهم معين قصائده الذي لم يزل ينهل منه.
ختاما.. تحية إعجاب كبيرة للناقد الكبير حسين سرمك وهو يضيف لمكتباتنا سفرا نقديا عن الحطاب الذي بات محط الدراسات الأكاديمية داخل العراق وخارجه.

*عن ميدل إيست أونلاين


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"