تابعنا على فيسبوك وتويتر

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

الذئب

على عادته ، تجول الذئب ذو اللون الفاتح ، مهرولاً في تلك الأصقاع المتجمدة ، ليس على غير هدى ، وإن بدا هادئاً ، لا مبالياً بأي شيء حوله .
وتوقف حذراً ، حين شمّ رائحة مميزة ، إنه صياد من الاسكيمو ، ربما لديه فخاخ في الجوار ، وطالما سطا على فخاخه ، وافترس ما فيها ، وعلى الفور أطلق سيقانه للريح ، ولاذ بالفرار .
ولاح من بعيد ، قطيع من ثيران المسك ، وما إن لمحته تلك الثيران ، حتى تجمعت على هيئة دائرة ، متكاتفة ، مطأطئة رؤوسها ، مستعدة للتصدي له ، والفتك به ، إذا فكر في الاقتراب منها ومهاجمتها ، وحين رأته يمضي مبتعداً ، عادت ترعى باطمئنان .
ترى أين مضت ؟
وتوقف الذئب ، وتلفت حوله ، باحثاً عنها ، لعله يراها هنا أو هناك ، وبدا متضايقاً نافد الصبر ، فها قد مرت عدة أيام على مقتل أخيها ، وهو لا يراها في أي مكان ، كانت تتواجد فيه .
وهنا أقبل عليه ذئب مسن ، وتوقف لاهثاً على مقربة منه ، وقال : في الجوار غزال من غزلان الرنة .
فردّ الذئب قائلُ : لستُ جائعاً .
وقال الذئب المسن : نحن جياع .
وهرول الذئب مبتعداً ، وهو يقول : اصطادوه أنتم إذن .
وتابعه الذئب المسن بنظره ، وقال : هذا الذئب سيفقد عقله ، ويجن .
لم يكن الذئب دقيقاً في كلامه ، حين قال : ” لستُ جائعاً ” ، فهو لم يتناول لقمة واحدة ، منذ أن رآها آخر مرة ، حين اختفت بعد أن قتلت الدبة أخاها .
ولمح حيوان الكاريبو ، الشبيه بالوعل الأمريكي ، يرعى بعيداً وحده ، لكنه على غير العادة ، لم يلتفت إليه ، ومضى مهرولاً ، لا يلوي على شيء .
وجاب في هرولته ، مناطق متجلدة عديدة ، تزخر بالطيور والأرانب والثعالب ، لكنه لم يتوقف ، ولن يتوقف ، حتى يصل ضالته المنشودة .

” 2 ”
ــــــــــــــــــ
شمت رائحته قبل أن تراه ، وسمعت وقع أقدامه الخفيفة على الثلج ، وهو يقترب ، وقف على مقربة منها صامتاً ، فقالت دون أن تلتفت إليه : الدبة القطبية وصغيراها في الجوار .
فقال الذئب : رأيتها قبل قليل مع صغيريها .
وقالت الذئبة : هي التي قتلت أخي .
وقال الذئب : لم يكن له أن يقترب منها .
فردت الذئبة قائلة : إنه ذئب ، ذئب شجاع .
ولاذ الذئب بالصمت ، فسارت الذئبة بخطوات ثابتة ، وهي تقول : هذه الدبة قتلت أخي ، ولابد أن أجعلها تدفع الثمن غالياً .
ولحق بها الذئب ، وقال بصوت منفعل : توقفي ، ستقتلك كما قتلت أخاك .
وردت الذئبة ، دون أن تتوقف ، أو تلتفت إليه : لأقتل ، لستُ أفضل من أخي .
وحثّ الذئب خطاه حتى سبقها ، وتوقف قاطعاً عليها الطريق ، فتوقفت هي الأخرى على مضض ، وقالت : قل لي ، ماذا تريد ؟
فقال الذئب : أريدكِ .
ومدت الذئبة يدها ، وأبعدته عن طريقها ، وقالت : أخي قتلته تلك الدبة ، ولابد أن أنتقم منها .
فصاح الذئب ، وهو يراها تبتعد مهرولة : أنتِ تنتحرين ، إنها دبة شرسة قاتلة .
وردت الذئبة ، وهي تمضي في طريقها قدماً : أخي كان شجاعاً ، وسأكون شجاعة مثله ، وأنتقم منها ، مهما كلف الأمر .

” 3 ”
ـــــــــــــــــــ
توقفت الذئبة عند حافة كثيب من الثلج ، عندما شمت رائحة نفاذة ، إنها الدبة ومعها صغيراها ، وأطلت خلسة من فوق الكثيب ، وقلبها يخفق بشدة ، فها هي القاتلة تسير على الجليد ، باحثة عن فقمة تصطادها ، ومعها صغيراها يركضان على مقربة منها .
وتراءى لها أخاها ، وكان في حجمها تقريباً ، يتعرض لها أو لأحد صغيريها ، فتضربه بكفها الثقيلة ، المدججة بمخالب قوية ، فقتلته في الحال .
ربما كان الذئب على حق ، نعم ، لعل أخاها أخطأ في مهاجمتها ، أم أنه كان مضطراً لسبب ما ، أو أنها هي التي هاجمته ، فهذا الجبل العملاق المشعر من الجليد ، لا يمكن قهره .
واجتازت الذئبة الكثيب الثلجي ، مهما يكن فهذا الجبل هو من سحق أخاها ، وعليه أن يدفع الثمن ، وتطلعت إلى الصغيرين اللذين يهرولان على مسافة من أمهما ، فلتهاجم أحدهما ، وتنل منه ، وبذلك تكون قد انتقمت لأخيها من الدبة نفسها .
وكالسهم انطلقت نحو أحد الدبين الصغيرين ، وكان الأقرب إليها ، تريد أن تغرز مخالبها وأنيابها الحادة فيه ، ويبدو أن الصغيرين أحسا بها ، فأطلقا سيقانهما للريح ، وهما يصيحان : ماما .
وعلى الفور ، استدارت الدبة ، وأسرعت لنجدة صغيريها ، وقبل أن تصل الذئبة إلى أحد الصغيرين ، شعرت بيد ثقيلة تصدمها بقوة ، وتطيح بها .
وتحاملت على نفسها ، وحاولت أن تنهض ، وتلوذ بالفرار ، والدماء تنزف من كتفها ، وتتناثر على الجليد ، لكنها جمدت في مكانها ، وهي ترى جبل الجليد المشعر يقترب منها ، وقد كشرت عن أنيابها القاتلة ، وإذا الذئب ينقض عليها من حيث لا تدري ، ويغرس أنيابه الحادة في عنقها .
وتراجعت الدبة متوجعة ، وهي تتراجع إلى الوراء ، فوثب الذئب بعيداً عنها ، ثم أسرع إلى الذئبة ، وأنهضها على عجل ، وأنطلق بها بعيداً ، وهو يقول : فلنهرب وإلا قتلتنا الدبة معاً .
وعندما ابتعدا عن متناول الدبة ، قالت الذئبة : ظننت أنك عدت إلى القطيع .
فقال الذئب ، دون أن يتوقف : علمت أنك ستهاجمين الدبة ، مهما كلف الأمر ، فلم يكن لي أن أتركك وحدك في مواجهتها .
ودمدمت الدبة بعينين دامعتين : أشكرك .
وسارت إلى جانبه ، صامتة ، هادئة ، مطمئنة ، ومضيا جنباً إلى جنب ، متجهين إلى القطيع ، الذي كان يجوب الأصقاع المتجمدة ، بحثاً عن الطعام .

5 / 1 / 2015

البيت الثلجي

” 1 ”
ـــــــــــــــــــ
حثّ الصياد كلابه بصوت دافىء: هيْ ، هيا ، هيا ، حان وقت العودة إلى البيت .
وكأن الكلاب العشر ، التي يقودها ويسير في مقدمتها ، كلب فتيّ متوثب ، أدركت ما يعنيه الصياد ، فانطلقت تجرّ الزحافة بسرعة على الأرض المتجمدة .
وتراءت له أمه وزوجته وصغيرته ، التي لم تكمل سنتها الخامسة بعد ، وكما أنه مشتاق إليهم ، لابد أنهم هم أيضاً مشتاقون إليه ، وربما قلقون أيضاً ، فقد مرت فترة طويلة ، منذ أن غادر البيت لصيد الثعالب .
وابتسم حين تذكر زوجته ، وهي تودعه عند الزلاجة قائلة : لا تتأخر ، وإلا خرجت وأعدتك إلى البيت ، شئت أم أبيت .
والتفت إليها مبتسماً ، وقال : لن أتأخر .
ثم حرك سيور كلابه العشرة ، وصاح بها ” هيا .
وعلى الفور ، انطلقت الكلاب العشرة تجرّ الزلاجة على الجليد ، ووقفت زوجته تنظر إليه ، وتتابعه بعينيها السوداوين المحبتين ، حتى غاب .
ورغم أنه قال لزوجته ، لن أتأخر ، ها هو قد تأخر ، فالصيد وفير ، وفخاخه كثيرة ومتباعدة ، وقد وقع على الكثير من الثعالب ، وخاصة الثعالب ذات الفراء الأبيض الناصع ، التي تباع للتجار البيض بأثمان مجزية .
سيبيع هذا الفراء ، ويشتري دمية جميلة يفرح بها صغيرته ، ” ويرشو ” زوجته بالثوب الذي طالما تمنت أن تقتنيه ، وطبعاً لن ينسى أمه ، فهي كأي أم تفرح بهدية ابنها ، مهما كانت متواضعة .
وبعد سير ، ربما استغرق أكثر من يوم ، من الأيام العادية ، في الربيع أو الخريف ، عندما تشرق الشمس صباحاً ، وتغرب عند المساء ، وليس كأيام الشتاء هذه ، التي لا تشرق الشمس فيها طوال الوقت ، لاحت قريته في الأفق ، وراح يقترب من بيته ، في تلك العتمة الشفافة شيئاً فشيئاً ، وتمنى أن يرى أمه وزوجته وصغيرته في الباب ، لكنه لم يرَ أحداً منهم .

” 2 ”
ــــــــــــــــــــ
سحب الصياد سيور كلابه العشرة ، عندما اقترب من بيته ، وتوقفت الزلاجة أمام الباب تقريباً ، فصاح بصوت فرح : أنا هنا ، لقد عدت .
وعلى الفور فتح الباب ، وانطلقت منه صغيرته ، ومن ورائها أمه العجوز ، وارتمت الطفلة بين ذراعيه المتلهفتين ، وهي تصيح فرحة : بابا .
ورفعها ضاحكاً بين ذراعيه ، وراح يقبلها ، وهو يقول : ما هذا ! لقد صرت فقمة سمينة .
وضحكت الصغيرة ، وقالت : ماما تقول ، إنني صرت دبة صغيرة .
وقهقه الأب ، وقال : حقاً أنت دبة صغيرة .
واقتربت أمه منه دون رح ، وقالت : لقد تأخرت ، يا بنيّ ، هذه المرة .
فأشار إلى فراء الثعالب ، الناصع البياض ، المكدس في الزلاجة ، وقال : تأخر مثمر ، انظري ، هذا الفراء ذهب أبيض ، إنه ثروة .
وحدق في الصغيرة ، وهي بين ذراعيه ، وقال : يبدو أن ماما ليست في البيت .
فردت الطفلة ، نعم ، ذهبت بالزلاجة منذ أيام .
ونظر الرجل مستغرباً إلى أمه ، فقالت الأم بصوت مضطرب : حاولت أن أمنعها ، لكنك تعرفها ، إنها عنيدة جداً .
وأنزل الأب الصغيرة من بين ذراعيه ، وأوقفها قربه على الجليد ، وقال لأمه : لا أفهم .
فقالت الأم ، وكأنها تريد أن تتخلص من عبء يثقل كاهلها : لقد تأخرت ، تأخرت كثيراً ، فلم تعد تحتمل ، فذهبت تبحث عنك .
واتسعت عينا الأب ، وهو بين القلق والغضب الشديدين ، ودمدم : ماذا !
وقالت الأم : لا تقلق ، ستعود حتماً .
واستدار الأب ، دون أن يتفوه بكلمة ، وراح يفرغ ما في الزلاجة من فراء ، ويرميه في مدخل البيت ، وحين فرغ من ذلك ، التفت إلى أمه ، وقال : قبل يومين ، هبت عاصفة ثلجية قوية .
وأدركت أمه ما يرمي إليه ، فقالت بصوت مذنب : لقد خرجت قبل أربعة أيام تقريباً .
وعلى الفور ، أمسك الأب بسيور كلابه العشرة ، وصاح بصوت قلق غاضب : ها ، هيا .
وانطلقت الكلاب العشرة مسرعة ، وكأنها أحست بما يعانيه الأب من قلق وخوف وغضب ، ولم يلتفت إلى أمه ، حتى عندما صاحت بصوت دامع : بنيّ ، تمهل ، فقد تعود اليوم ، تمهل ، تمهل .

” 3 ”
ـــــــــــــــــــ
وانطلق بالزلاجة ، التي أفرغها من فرو طرائده الثعالب البيضاء ، وراحت كلابه العشرة تركض بها ، على نفس الطريق المتجمد ، الذي جاء منه عائداً إلى البيت ، بعد أن غاب فترة ليست قصيرة .
وعلى امتداد الطريق ، ظلّ يتلفت يميناً ويساراً ، ويتابع آثار الكلاب والزحافات على الجليد ، لعله يقع على أثر لزلاجة زوجته أو كلابها ، الذين لا يزيدون عن الستة ، لكن دون جدوى .
ورغم خوفه وقلقه ، احتدم غيظاً وغضباً غير مرة ، فقد حذرها من مغادرة البيت في غيابه ، وها هي لا تخرج من البيت فقط ، بل تنطلق في الأصقاع المتجمدة ، الخالية تماماً إلا من بضعة صيادين ، في طول تلك المتاهة المتجلدة وعرضها .
لكن سرعان ما يغلبه الخوف والقلق عليها ، وخاصة بعد أن يتذكر العاصفة الثلجية القاتلة ، لقد استطاع هو أن يتدبر نفسه ، في مواجهة تلك العاصفة ، أما هي فماذا فعلت يا ترى ؟
وتراءت له بزلاجتها الصغيرة المتداعية ، وكلابها الستة الهزيلين ، وسط تلك العاصفة ، التي اجتاحت كلّ شيء ، والتي لا يصمد أمامها الكثير من الصيادين الأشداء المتمرسين .
وطوال ساعات ظلت كلابه العشرة تركض به على الجليد ، الذي يمتد أمامها خالياً موحشاً حتى الأفق ، وأبطأ قليلاً ؟ ما العمل ؟ وتلفت حوله ، ترى أين يمكن أن تكون ؟ هذا إذا لم تكن العاصفة الثلجية قد طمرتها تحت ركام الثلوج القاتلة .
والآن ومرة أخرى ، ما العمل ؟ هل يتوقف ، ويعود من حيث أتى ؟ كلا ، هذا محال ، لابد من العثور عليها حية أو .. ، آه لا يمكن ، لا يستطيع حتى أن يلفظها بينه وبين نفسه .
وفجأة سحب سيور الكلاب العشرة ، حتى توقفت الزلاجة على الجليد المتجمد ، وجمدت عيناه على الأفق ، أهو سراب المنطقة المتجمدة ؟ أهي مخيلته ، التي بدأت تضطرب ، تحت وطأة الضغوط الثقيلة ، والمتزايدة التي كان يواجهها ؟
ودقق النظر جيداً ، لا ، إنها زلاجة ، زلاجة صغيرة ، بل هي زلاجتها ، وها هي تتطلع إليه من بعيد ، وتنطلق نحوه كما السهم ، إنها هي ، هذه المجنونة الحبيبة ، واقتربت منه ، ووقفت بزلاجتها بمحاذاة زلاجته ، دون أن تتفوه بكلمة .
وحدق فيها ، ثم قال : قبل ثلاثة أيام هبت عاصفة ثلجية شديدة ، كيف نجوت منها ؟
فردت قائلة بصوت هادىء : أنجاني منها أبي .
لقد جُنت ، هذا ما فكر فيه ، فقال : أبوك توفي قبل أكثر من عشر سنوات .
وبنفس الصوت الهادىء ، قالت : كنت ابنته الوحيدة ، فكان يأخذني معه للصيد أحياناً ، وعندما تهب العاصفة ، كان يبني بيتاً صغيراً من الثلج لي وله ، في أقل من ساعة واحدة ، تعلمت ذلك منه .
زايله خوفه وقلقه ، ونسي غضبه ، فالمهم ، ومهما كان الأمر ، فها هي أمامه ، حية فرحة به ، فاستدار بزحافته ، وهو يقول : أمي والصغيرة تنتظراننا في البيت الآن ، فلنسرع إليهما ، هيا .
وتحت عتمة الأسابيع الأخيرة من الشتاء القطبي ، راحت الزلاجتان تسيران جنباً إلى جنب ، وقد تركت الزوجة زلاجتها ، وركبت إلى جانب زوجها في زلاجته ، التي تجرها عشرة كلاب فتية قوية .

9 / 1 / 2015

عواطف العم الأشيب

” 1 ”
ـــــــــــــــــ
تناهى إليهم صوت الزلاجة من بعيد ، تجرها كلاب صامتة ، لا يبدو أنها قوية ونشطة ، وارتفع صوتها شيئاً فشيئاً ، حتى توقفت أمام باب البيت .
وهبت الصبية صائحة : جاء العم .
ونهض الأب متمتماً : هذا الأشيب المجنون .
وتبعته الأم مبتسمة ، دون أن تتفوه بكلمة واحدة ، وفتحت الصبية الباب ، وخاطبت الرجل الأشيب مرحبة : أهلاً ومرحباً ، بالعم .
فردّ العمّ الأشيب قائلاً : أهلاً بكِ ، أنت تتفتحين كما تتفتح وردة الثلج .
وأقبل الأب ، ووقف خارج باب البيت ، وقال : لم يأتِ الربيع بعد ، يا رجل .
وقال العمّ الأشيب : بل جاء ، لكنك لا تحسه ، فقد أصبحت رجلاً عجوزاً .
وهزّ الأب رأسه ضاحكاً ، فقال العم الأشيب : لقد وعدتني بكلب .
فقال الأب : الكلب حاضر ، سآتيك به حالاً .
ومضى الأب ليأتي بالكلب ، الذي وعد به صديقه ، في العام الماضي ، فقالت الزوجة : ابقّ ، وتغدى معنا .
وردّ العم الأشيب : أشكرك ، إنني مستعجل .
وجاء الأب بالكلب ، فنظر إليه العم الأشيب فرحاً ، وقال : آه هذا ما كنتُ أحلم به ، سأجعله قائد كلابي ، وسيسهل عليّ مهمتي .
وسرعان ما أخذ الكلب ، وربطه في مقدمة الزلاجة ، وهو يقول : ادعُ لي .
وضحك الأب ، وقال : ستعود ماشياً .
وردّ العم الأشيب قائلاً : لن تأكل تلك الدبة اللعينة كلباً من كلابي ثانية ، وستدفع الثمن قريباً .
وضحك الأب ثانية ، وقال : ابقَ معنا هذا اليوم .
فصاح العم الأشيب على كلابه ، وانطلق بالزلاجة ، وصوته يجلجل : سأعود قريباً ، وسأهديك فراء تلك الدبة الناصع البياض .
واستدارت الأم والصبية ، ودخلتا إلى البيت ، وظل الأب في مكانه ، يتابع الزلاجة بعينيه المحبتين ، حتى غابت في بياض الثلج الناصع .

” 2 ”
ـــــــــــــــــــ
أسرع العم الأشيب بالزلاجة ، والأفق البعيد يشفّ عن نور الشمس ، التي راحت تقترب من الأفق يوماً بعد يوم ، إيذاناً بانتهاء ليل الشتاء الطويل .
وتطلع العم الأشيب إلى النور ، ثم صاح بأعلى صوته : أيتها الشمس ، كفى نوماً ، استيقظي ، ودعي الدبة القطبية اللعينة ، تستيقظ من سباتها ، فقد حان الوقت لتدفع ثمن جريمتها القاتلة .
وشعر بالزلاجة تنساب بيسر وخفة ، فوق الجليد ، الذي مازال متصلباً كالصخر ، ولا عجب ، ففي المقدمة قائد فتيّ ، من خيرة الكلاب وأقواها .
وسارت الزلاجة ، فترة ليست قصيرة ، تناول العم الأشيب خلالها ، الطعام أكثر من مرة ، ولم ينسَ طبعاً أن يُطعم كلابه ، وفي المقدمة كلبه القائد ، فهي بحاجة إلى طعام كثير ، لتقوى على الاستمرار في جرّ الزلاجة ، فوق الطريق ، الذي بدا بلا نهاية .
وتوقف بالزلاجة ، وقد اختفى نور النهار تماماً ، وحلّ محله ظلام دامس ، ففك وثاق الكلاب ، وأطعمها حتى شبعت ، ثم نصب خيمته ، ودخل فيها ، محتمياً من البرد ، تاركاً الكلاب في العراء ، دون أن يخاف عليها الأذى ، فهو يعرف أن هذا النوع من الكلاب ، تتحمل البرد الشديد ، أكثر مما يتحمله الاسكيمو أنفسهم .
قضّى الليل متوجساً قلقاً ، في خيمته الصغيرة ، خوفاً على كلابه ، ليس فقط من الدبة القطبية ، التي ربما استيقظت من السبات ، بل من الذئاب ، التي تجوب تلك الأصقاع الموحشة المتجمدة ، والتي يلذ لها أن تختطف الكلاب ، وتفترسها .
وهو لم ينسَ ولن ينسى ، كلابه الثلاثة ، وكانوا خيرة كلابه ، التي تجر زلاجته ، فقد تسللت إليهم ، تحت جنح البرد الشديد والظلام ، تلك الدبة القطبية اللعينة ، ففتكت بهم وافترستهم ، الواحد بعد الآخر .
وما يلوم عليه نفسه حتى الآن ، أنه لم يستيقظ وقتها ، ولم يعرف بالجريمة ، إلا في صباح اليوم التالي ، وبحث عنها ليقتص منها ، ويجعلها تدفع الثمن .
ومرت الأيام ، وجاء الشتاء ، ببرده القارس ، وعواصفه الهوجاء ، واختفىت الدبة القطبيّة ، في أحد الكهوف الثلجية ، لتنام الشتاء كله مع صغيرها .
وها هو الآن ، مع زلاجته وكلابه ورمحه ، عند مشارف الربيع ، يعود إلى المنطقة ، بحثاً عن الدبة القطبية ، لينزل بها القصاص العادل .

” 3 ”
ــــــــــــــــــــــ
قبل أن يطل النور ، من وراء الأفق الشرقي ، مؤذناً باقتراب شروق الشمس ، كان العم الأشيب ، ينطلق بزحافته على الطريق المتجمدة ، وكأنه يُسابق الزمن للوصول إلى المكان ، الذي تتواجد فيه الدبة القطبية وصغيرها .
وعلى امتداد الطريق ، لم يكن تتراءى له غير تلك الدبة اللعينة ، التي أمرضته ، طول الفترة التي قضاها انتظاراً للانتقام منها ، لما فعلته بكلابه الثلاثة .
وقد نصحه أبو الصبية ، وكذلك أكثر من صديق من أصدقائه ، أن ينسى تلك الدبة ، وما فعلته به ، فكان يرد قائلاً : تلك الدبة الجبانة ، خطفت ثلاثة من كلابي ، ولابد أن تدفع الثمن غالياً .
وظلّ على الطريق ، منطلقاً بزلاجته وحيداً ، ربما لعدة أيام ، حتى وصل إلى المكان ، الذي تتواجد في محيطه عدوته اللدودة .. الدبة القطبية .
وهناك أقام خيمته الصغيرة ، على مسافة من فتحات التنفس ، التي تحدثها الفقمات في الجليد غير السميك ، لتدخل وتخرج منها إلى البحر ، بعد أن حلّ سيور كلابه ، وركن الزلاجة جانباً .
وقبل أن يغيب النور تماماً ، ويحلّ الظلام الدامس ، أطعم كلابه ، ثم أوى إلى خيمته الصغيرة ، وسرعان ما استغرق في نوم عميق .
وأفاق الرجل الأشيب ، ربما في آخر الليل ، على عواء ذئاب ، لكنه لم يأبه لها ، فعواؤها يأتي من بعيد ، ولا خطر منها ، والحال هذه ، على كلابه .
ومع إطلالة نور الصباح ، نهض من فراشه ، ثم حمل سنارته ورمحه ، ومضى إلى أقرب فتحة من فتحات تنفس الفقمات ، ودلى السنارة في البحر .
وخلال فترة قصيرة ، اصطاد عدة سمكات ، وبدا مذهولاً حين رأى الأسماك في الماء ، تتخبط مذعورة ، وتلوذ بالفرار ، كما رأى أكثر من فقمة ، تسرع هاربة ، ثم تصعد إلى السطح المتجمد ، عبر فتحات التنفس ، يا للعجب ، ترى ماذا يجري ؟
وهمّ أن يتبع إحدى الفقمات ، وقد شدّ يده على الرمح ، محاولاً اصطيادها ، وإذا عيناه تجحظان رعباً ، فقد رأى الحوت القاتل ، بجسمه الضخم ، يمرّ تحت الجليد ، وأسنانه القاتلة تتلامع في فمه الواسع الرهيب .
وعلى الفور ، تراجع العم الأشيب مرعوباً ، وكأنه خشي أن يراه ذلك الوحش القاتل ، ويحاول الوصول إليه ، والفتك به ، وافتراسه .
وحمل سمكاته ، التي اصطادها ، كما حمل سنارته ورمحه ، ومضى مسرعاً إلى خيمته ، حيث زلاجته وكلابه ، التي كانت ترقد هادئة فوق الجليد .

” 4 ”
ــــــــــــــــــ
بعد منتصف النهار ، خرج العم الأشيب ، حاملاً رمحه ، يتجول في الجوار ، لعله يرى فقمة يصطادها ، أو يقع على أثر لعدوته اللدود .. الدبة القطبية .
لم يرَ فقمة واحدة ، لا على الجليد ، ولا قرب فتحات التنفس ، لكنه عثر على ما أهم من الفقمة ، عثر على آثار أقدام على الجليد للدبة القطبية وصغيرها .
وتملكه الفرح ، فالدبة القطبية إذن استيقظت من سباتها الشتوي ، وهذا يعني أنه كان على حق ، بل ومحظوظ أيضاً ، وهذا ما سيمكنه من تحقيق ما جاء من أجله ، سينتقم أخيراً لكلابه الثلاثة من الدبة .
وسار بحذر ، والرمح في يده ، متتبعاً الأثر ، ووقف مذهولاً ، فها هي الدبة على بعد خطوات منه ، ومعها صغيرها أيضاً ، يقفان قرب إحدى فتحات التنفس ، لعل فقمة تخرج من البحر ، فتنقض عليها ، وتفتك بها ، ثم تفترسها هي وصغيرها .
وهنا إهتز الجليد ، الذي يقفون عليه ، كأن زلزالاً عنيفاً ضرب المكان ، وتفتت الجليد تحت أقدام الدبة القطبية وصغيرها ، وسقطا في البحر .
وكاد العم الأشيب نفسه ، يسقط في البحر ، لو لم يتراجع بسرعة ، في الوقت المناسب ، ويثب بعيداً عن البحر ، ويلوذ ببقعة آمنة من الجليد المتماسك .
وعلى مسافة أمتار منه ، وكأنه في كابوس ثقيل ، رأى الدبة وصغيرها ، يتخبطان بين كسر الجليد المتشظية ، ترى ماذا جرى !
وفجأة ظهر الحوت القاتل ، بجسمه الضخم الرهيب ، وكأن البحر انشق عنه ، وعلى الفور ، أمسكت الدبة صغيرها ، ودفعته بقوة فوق الجليد ، ثم حاولت أن تلحق به ، لكن الحوت القاتل انقض عليها ، وقد فتح فمه الرهيب ، وأطبق على جسمها بأسنانه القاتلة ، وجرها غائصاً بها إلى أعماق البحر .
عاد العم الأشيب إلى خيمته ، وألقلى رمحه جانباً ، ثم استلقى على فراشه ، دون أن يغيب عنه ما حدث لحظة واحدة ، وخاصة ما قامت به الدبة القطبية ، فهي لم تفكر بالهرب ، قبل أن تنقذ صغيرها من الوحش القاتل ، وضحت بنفسها لأنقذه .
في اليوم ، كان العم الأشيب على زلاجته ، تجرها كلابه الصامتة ، عائداً من حيث أتى ، لكنه لا يحمل فراء الدبة القطبية ، التي قتلت في العام الماضي ثلاثة من كلابه ، بل يحمل لها في قلبه ليس الكره ، والرغبة في الانتقام ، بل ـ ويا للعجب ـ يحمل الكثير من المحبة والإعجاب الشديدين .

الحوت القاتل : من أشرس الحيتان المسننة ، وأكثرها وحشية ، يبلغ طوله
تسعة أمتار ، وفمه مدرع بأسنان ضخمة مقوسة ، يستطيع أن
يكسر بظهره جليداً سمكه ” 75 ” سنتمتراً .

12 / 1 / 2015


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"