تابعنا على فيسبوك وتويتر

ليلة في برلين
سلام إبراهيم
كانت ليلة الأمسية “5-8- 2008 التي قدمنا فيها للحضور مختصرا مكثفاً عن سيرتنا الحياتية والأدبية أنا وناهده . وقرأ د. عدنان الظاهر قصيدتين، خرجنا إلى ليل برلين مجموعة صغيرة نبحث عن مكانٍ يأوينا، لم يتمكن صديقي الجميل الفنان مصمم الأغلفة والمثقف الموسوعي “طالب الداوود” من البقاء معنا لسفر زوجته ورعايته لبنتيه المراهقتين اللتين حضرتا الأمسية معه فتوادعنا أمام باب مطعمٍ هندي. كنا تقريباً أخر الرواد، طبيب أسنان كردي جميل درسّه د. عدنان الظاهر في كلية العلوم، قرأ الخبر فحجز قادما من النروج ليلتقي بأستاذه، وشاعر عراقي عرفني بنفسه “كريم الأسدي” وأخبرني بأنه صديق لصديقي الراحل الروائي والشاعر “حميد العقابي” الذي ذكرته في محاضرتي، وتشعب الحديث والحوار فيما بعد الأمسية، كان إنساناً ودوداً مؤدباً مثقفاً لكنه يؤمن بدور العشيرة وأهمية (المُضِيفْ) ودوره الاجتماعي، لم أجادل هذه الفكرة فلا وقت لحوارٍ جدي وأنت تلتقي بناس تراهم لأول مرة وقد لا تلتقي بهم، لكنه عندما سألني بكل جدية وهدوء عن عشيرتي انفجرت بضحكة عاصفة بعد أن أجبته على عجل:
ـ ليس لدي عشيرة!.
الذي أثار عاصفة من الضحك ولا أدري هل من جوابي أم من طبيعة ضحكتي، أعاد السؤال بدهشة بعد تخافت الضحك فأكدت ذلك وأضفت بأن ليس لدينا أي صله أو علاقة بالريف فكل عائلتي في الديوانية. شرد قليلا وفي عينيه سؤال إذ يبدو أنه لم يقتنع بجوابي أو ظن أني أبالغ أو أدعي.
وَشخص أخر لطيف وجميل سهر معنا في الليلة الفائتة مقيم في ألمانيا منذ ستينات القرن الماضي من الموصل اسمه “محمد الصوفي” يعشق العزف والغناء وقدم في الليالي الثلاث عزفاً، صرنا أصدقاء من أول جلسة، إذ أطربه ردي وجعله يضحك طويلا حينما سألته:
ــ متزوج محمد؟.
ــ مُطَلقْ!.
فقلت له فوراً:
ــ أحسن لك!.
فانفجر الجميع بالضحك، وشخصوا صوب ناهده الجالسة معنا ليروا ما إذا كان ثمة ردة فعل فوجدوها مستغرقة بالضحك أيضاً.
و د. عدنان الظاهر الشخصية المكرمة وسبب هذه الليالي الثقافية الجميلة، ولا كأنه يكاد يبلغ ال 85 حيوي نشط الحركة متوقد الذهن، سريع البديهية، بسيط، شعبي، نموذج للمثقف والأديب والعالم المتواضع.
أما الأخير فهو “حسين هاتف” وجدته في يوم أمسيتنا ينتظرني وأفرد ذراعيه ليعتنقني، ابن مدينتي يكبرني عدة سنوات، خاض معي خضم النضال السياسي بوقتٍ باكرٍ، لكننا لم نلتق في المدينة كثيراً، فهو في مناخ أخر سياسي ثقافي، وأنا جذبني الوسط الأدبي وبدائرة محدودة لأدباء يكبرونني سناً بأكثر من عقدٍ. لكن مسار حياته لا يختلف كثيراً عن مسار حياتي، إلا بحركة، فهو عاد من ألمانيا ليلتحق بحركة الأنصار وأنا التحقت من الداخل ولم نلتقِ بسبب أختلاف الأمكنة ورجوعه المبكر إلى ألمانيا. في منتصف تسعينات القرن المنصرم وجدته صدفة وأنا في زيارة إلى السويد في بيت رفيقنا وصديقنا “نجاح هلال” وكان حيوياً مثقفاً ويعمل مهندس كهرباء في شركة ألمانية عالمية وكان اللقاء خاطفاً فقد كان يستأجر مع زوجته الألمانية وأولاده الثلاثة بيتاً صيفياً. وتفارقنا.
بعد الأحتلال الأمريكي أتصل بي تلفونيا حينما علم من صديق ثالث بأني سوف أزور العراق فرتبنا الأمر كي نستأجر سيارة من دمشق إلى مدينتنا الديوانية، وأخبرني بأنه سيصل قبلي بيومين وسيظل ينتظرني. وفعلا وجدته في نزلٍ بمنطقة الزينبية حيث نزلت وكان رفيقاً آخر – جابر – فقد ساقاً أيام النضال المسلح قادما من العراق في طريق عودته إلى السويد.
ستدخل سهرتنا الثلاثية فصلا في روايتي الطويلة – الحياة لحظة – فنحن الثلاثة كنا معطوبين أنا جراء أصابتي بقصفٍ كيمياوي، وجابر في معركة أيام الجبل، أما “حسين” فوجدته مجلوطاً وبصعوبة يستطيع الكلام. وكانت سهرة ذات شجن صورتها في الفصل 13 المعنون “الحالمون الثلاثة”.
في اليوم التالي ودعنا – جابر – وأستأجرنا سيارة سائقها من أبناء مدينتنا لنبكر قبل نزول الفجر متوجهين إلى الحدود. وكنا فرحين جدا بعودتنا لرؤية ماذا حلَّ في وطننا ومدينتنا وأهلنا بعد الحروب المتلاحقة التي تُوجت بالاحتلال. وكان “حسين” يحلم ويحدثني عن مشاريعه، فهو متقاعد بسبب الجلطة، لكنه يستطيع العمل وأخبرني بأنه سوف يقدم مشروعا لأضاءة الديوانية وكهربتها من الطاقة الشمسية، وعن نيته بتقديم محاضرات عن تاريخ العراق القديم وخصوصا عن السومريين ونفر حيث أطلال مدنهم تحيط بالديوانية لكن أهلها لا يعرفون شيئاً كان يقول لي:
تخيل يا سلام.. تخيل لا يعرفون أي كنز إنساني معرفي حضاري يحيط بمدينتنا، سأعرفهم به
وكنت لكثافة صلتي بالعراق طوال سنوات الحصار أعرف بأنه يحلم لكنني لم أقل شيئاً، كنت أتمنى مثله.
وصلنا إلى مدينتنا، لم نلتق إلا في سوق التجار مرة واحدة وكان حزيناً مخذولا أنتحى بيّ جانباً ليقول لي:
سلام لقد خربوا كل شيء حتى ذكرياتنا!.
ورجع إلى ألمانيا خائبا، لم يقدم مشروعاً ولا محاضرةً، بل أكمده الحزن والخراب.
بعد هذه السفرة بسنوات قليلة، ستكون رحلتي مع “حسين” من الزينبية بدمشق في طريقنا إلى الديوانية موضوعاً للفصلين الأخيرين من روايتي “الحياة لحظة، سيكون فيهما التصعيد الدرامي للنص الطويل “509 صفحة من الحجم الكبير” وسألعب بأحداث الطريق، سأصور مشاعرنا لحظة رؤيتنا لأول جندي أمريكي على الحدود العراقية، وتفاصيل أحداث ما جرى في مطعم على الطريق تناولنا فيه أفطارنا إذ وضعت صرخته أسما للفصل “جندي أمريكي وعدس عراقي” وهو يرد على قلقي من وجوه السواق ورواد المطعم:
سلام أحنه بالعراق ذولة عراقيين وهذا عدس عراقي أش بيك قلق.
وكنت متوجساً قلقاً بالفعل، فصغتُ نهاية الرواية من هواجسي فتخيلتهم يخطفوننا قرب الرمادي ليقتلوا السائق المسكين ويأخذوننا إلى جامع الفلوجة، كان إلى جواري في غرفة بطرف الجامع في النص ونحن نرتجف في أنتظار حتفنا. ورأيتهم يذبحونه قبلي، لتنتهي الرواية وهم يحزّون عنقي ليلقوا بيّ خارج الفقاعة “الحياة” في فصلها الأخير المسمى (بم).
الكتابة لا تختلف عن العيش على المستوى الحسي أبداً، فما جرى لنا في جامع في الفلوجة رأيته مجسداً وكنت أصوره باللغة. كنا قد متنا.
سيطلع على الرواية ويحكي لأولاده قصة موتنا، وحينما التقيت به في أمسية برلين قال لي ضاحكاً
أخبرت أولادي بأنني ذاهب للقاء صديقي الروائي الذي ذبح معي في الفلوجة قبل 14 عاماً.
فغرقنا في ضحكٍ عاصف، كان يكلم ناهده ذاكراً الصفحة التي قُتلَ فيها، ثم أخبرني بأن أبنته الوحيدة التي أسماها “أنصار” تيمناً بتجربة الجبل بعد عودته إلى ألمانيا تخصصت في الثقافة العربية حاصلة على ماجستير وقرأت روايتي ورأت كيف ذُبِحَ والدها، كان يروي ذلك ضاحكاً، وأخبرني بأنه أخذها إلى الديوانية لتنصعق بحجم الخراب في بلد والدها.
سهرنا في ليلة برلين الأخيرة في مطعمٍ هندي لم نكف عن الضحك والكلام، ثم غادرنا في طريقنا إلى الفندق القريب. ودعنا الجميع وعبرنا الشارع إلى فندقنا القريب. كنا في قلب برلين على مبعدة عشرين متراً عما تبقى من جدار برلين الذي حولوه إلى متحف. وصلنا باب الفندق كان الليل قد جاوز منتصفه قليلا، تبادلنا النظرات والتفتنا إلى زوجتي التي تبسّمت لأنها عرفت الأمر فقالت:
ــ ما تصعد مو
هدرنا بالضحك، فحسين لم يقل “مع السلامة” قال لها:
ــ هو أني وين أشوف سلام بعد!.
وغابت خلف باب الفندق، لنهب في التسكع والحديث والحوار والشرب، فالمحلات مفتوحة حتى الصباح، ندخل من محلٍ إلى أخر لنتزود بالجعة والكحول وندور في الحدائق والساحات والقصص والحكايات والأسرار وكأننا في عالمٍ أخر لا هم ولا غم فقط قصص وحكايات أغرقتنا حتى طرة الفجر وخروج الناس إلى عملهم. لا أتذكر بالضبط كيف عدت لم أكن مخموراً كنت مخدرا بالمحبة والكلام والقصص. ما أتذكره اللحظة التي نزل فيها سلالم المترو القريب ليغيب، فأتوجه إلى الفندق والساعة السابعة إلا ربعاً صباحاً.
١٠-٨- ٢٠١٨


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"