تابعنا على فيسبوك وتويتر

ما بين هنا وهناك..
بقلم ختام حمودة
إذا أردنا التَبْيِين عَن الأدبِ منْ ناحِيةٍ خاصَّة لا بُدّ لنا منْ أن نُدرج وندْمِج التَّعبير مَع ْعناصر التَّوليد التي تخْلق الانْفطار المُحرّك للْعاطفة بَجَميع أحوالها لاسْتفْزاز التَّأهب النَّفسي الذي ينْقل السَّيالات الفكْرية والشُّعورية إلى الحالة الوجْدانية المَصْحوبة بـتأمُّلات وتَصَوُّرات حِيال فكْرة ما بينَ الحَقيقة والخَيال وعلى طَوْر النَّفير أشَبّه الأدَب بالرّيح المُتماوجة الّتي تبْسطُ كفَّها لِتمْسحَ على رُؤوس السَّنابل وَتارَة أخْرى أشبّههُ بالرّيح العاصِفة الَّتي تقْتلع الأشْجار المُتَعملقة وتجتث جذورها.
يَقول الشَّاعر خلَف الحديثي وهو منَ الشُّعراء المحافظين على القالبِ القَديم بأسْلوب حداثوي:
الشَّعر روحٌ وإِحساسٌ وعاطفةٌ … ولمحُ نور يُرى في سكْرة الفِكر.
من خِلال التوجُّهات الجديدة التي طرَأتْ على الحركة الأدبيّة العالميَة بشَكلٍ عام وعلى الحرَكة الأدبيّة العربيَة بشَكل خاص نستطيع أن نلاحظ العلامات المحورية التي تغيَرتْ تغيُّرا جذْريا من عدة جَوانب و من المؤكَّد أنَّ الأدب العربي تأثَّر بالتَّيار الأدبي العالمي و أصَبْح يتَجانس مع الحرَكة الأدبيَّة للشُّعوب الأخْرى نتيجة توْظيف التَّقنيات الحَديثة الَّتي ساعدتْ على تشْكيلِ وخلْق الحَيثيات الدَّافعة التي أدَّتْ إلى مزْج أبعاد الرُّؤية الأدبيَّة المعاصرة ممَّا استدعى وجود أنْماط جديدة مهجَّنة وأجناس أدبية حديثة العهد.
أمّا عَن الحدَاثة والتَّحدث في الرّواية العالمية بطابعها المختلف بدأت من خلال الفتْرة المزْدهرة للرّواية تمتدُّ من فتْرة السّتينات من القرن العشرين إلى بداية القرن الواحد والعشرين حيثُ ظهرَت على السَّاحة الأدبية العالمية تسْميات حديثة ومصْطلحات جَديدة .ومن منْظوري الخاص أعتبر أنَّ الأدب بشكل عام لا يتَوقَّف على زَمان ومَكان ولا يتوَقّف عَلى لُغة دون أخْرى لأنَّ هذه الأدَوات هي آنيةٌ تحْملُ كوامِنَ الفكْر الإنْساني وطاقةٌ تتفجر من السيالات العاطفية بشتَّى الطرق على صَعيد مَمْلُوء بالدهشة .
وأجِد من خلال التَّواترات على صَعيد الأدب العربي الآنيّ أنَّ الحرَكة الفكْرية الأدبيّة قد اِزْدَهَرَت في عَصْرِنَا و تَقَدَّمَت وَاتَّسَعَتْ حُقُولُهُا وَمَيَادِينُهُا نتيجة عَمَليات التَّرْجمة التي نقَلَتْ لنا الثَّقافات العالمِيَّة على وَجْه الأخَص نقْل الفكْرة الأدبية الأوروبية سواء عنْ طريق نقْل اللُّغة بالتَّرجَمة الحَرْفيَّة أوْ عنْ طريق نَقْل المَعْنى الاصْطلاحي دونَ التَّقيد بحرفيّة النَّقل .
كما ظَهَرت السِّمات المُحدَّثة والتَّقْنيات المُطَبَّعة من الأساليب العالمية منها الأوروبية عَلى الشِّعر والرِّواية العربيَّة مثْل تطوير ما يُسمَّى بتَعدد الأصوات ذات الطابع السَّرْدي في النُّصوص الشعريّة والأدبيّة تَحْت مُصْطلح بوليفونيـة و برَع فيه الشَّاعر اليَمني عبد العزيز المقالع لكنني أعتقد أن الغرب ما زال يتصدر القمة في المسلك الأدبي الروائي حاليا وأخص بالذكر الأدب الأوروبي الغربي
أيضًا على صعيد فضاءات القَصيدة السَّردية التَّعبيرية التي طَرأ عليْها نقْلة نوعيَّة نقَلتْها إلى مابعْد الحَداثوية وكانَ لَها روّادها مثلَ الشَّاعر أنور الموسوي و الشاعر فريد غانم والشاعر كريم عبد الله الذي تحدَّثت معهُ ذات مرّة عنْ شُعوره تجاه القَصيدة السَّردية التَّعبيرية والأنواع المُشابِهة لها ردّ على ذلك بأنَّهُ يطْمح إلى إظهار هذا الجنس الأدبي الجَديد والجَميل بِقالبهِ الإبْداعي عبْرالوسَط الأدبي العالَمي .
كما ظهرت أشكال ومسميات عديدة مثل القصيدة المكتوبة بالبناء الجملي المتواصل والقصيدة التَّجريدية , القصيدة الفسيفسائية و لغة المرايا والكثير على غِرار ذلك.
من ناحِية أخْرى هناكَ عددٌ كبيرٌ جدا من الشُّعراء الذين اسْتطاعوا نقْل الأسلوب الشّعري داخل الأُطر الكلاسيكية الموزونة إلى الحَداثة العالميَّة دون الانتقاص من ماهيَّة القَصيدة العمودية وزاحَموا الأدب العالمي في كِتاباتهم الأدبيَّة على غِرار المَقاييس الإبْداعية العالميَّة منْ ناحية التَّفلُّتْ من المضْمون والمُحْتوى التَّقليدي الذي يرْزَخ تحتَ زخم الأطر الواجِبة التي تقلل من التَّأثّر والانفعال .
منهم الشاعر اليمني إبراهيم طلحة الذي أعتمد على اسْتخلاص المُعطيات اللَّغوية بما فيها المعرّب والدَخيل وأسْتعمل اللُّغة الوسيطة في سياقات مناسبة واعْتمد أيضًا على الفصحى كلغةٍ رئيسةٍ ومحوريَة في النَّص الشِّعري يقول الشَّاعر اليمني … إبراهيم طلحة :
فلَوْ تكرّمْتِ،ِ صوتي بحّ، فاستمعي .. إلى صدى أغنياتي أو أناشيدي
ومنْ قَصيدتي التي كَتبتها على شاطِئ البلْقان في أوروبا الغربية قصيدة عنوانها (قل لي متى ) أقتبس هذه الومضة الشعرية الموزونة.
لا تتْركوا ذاكَ الكَسير بجُبّه…
أنا ما اقْترفت جِناية..
لمَّا اسْتعدْت مَلامحي
وقرأت ألواحَ النبيّ..وألفَ فجْرٍ
ثمَّ عدت كومْضة…
خَطَفَتْ أحايِينَ الهوى
بِمَشاعر ظلَّتْ معي
ومنهم الشاعر أسامه الخولى الذي نجد أنَّ العتبة َ الأولى والمفتاح الرئيسي في قراءة هذا الشاعر هي الصورة المغايرةُ التي يرسمها وهو فاتحٌ يديه دون جهدٍ كبيرٍ منه فهي صورة ليست بالسريالية المستغربةِ ولا بالسهلةِ الدارجة ولا الفلسفية المستغرقة في فلسفيتها.
ريشته تجعل للشمس سريرًا وللغيمات ضفائرًا وللبحر ملامحا وللرؤى أبجدية عبر الصور المبتكرة التي تستفرد بمنطق البنفسج والمفردة الغنّاء المختلفة.
يقول :
وتساءلتْ عنْ سرِّ صوتي
:- سرُّ صوتي لن يُعادا
* * * *
ألَّليلُ يمهرُ جبهتي
نقشًا
جنونيًّا
مُعادا
وحناجرٌ تقتاتُ غيري
تحت جلدي مَنْ أجادا
صيفٌ أنا ….
لنْ تشتهي منِّي السَّنابلَ وَ الحصادا
ومن أكثر النصوص التي وجدتها تقترب من الإبداع الأدبي العالمي هي النصوص الأدبية للكاتب تيسير حيدر الذي يقول في هذا النص..
مُتْرعةٌ بعَبَقٍ مُنْهمِر ..ماضٍ يَسِيلُ كَنَهرٍ جَوفِيٍّ يَنْبجِسُ في اللَّحظَةِ الحَمِيمةِ لِلرُّوح ..
جَدَّتي تَرتقُ منْدِيلَها وجَدِّي يُهَيِّئُ الحَليبَ النَّاشِفَ لِلقطَط ..
زَمنُهُما حدِيقةٌ تُزَيِّنُ جَمالَها بالدَّواري فقط..
إبْرِيقُ الشَّايِ أسْمرُ كَغَيمةٍ ماطِرة والنَّحْلُ العاشِقُ يُلاحِقُ حَبَّاتِ السُّكَّرِ المُنتشِرةِ بفَوضىً فوق حَصِيرةٍ والِهةٍ بأرضِ الغُرفة .
جَدِّي يَصْرخُ في ارْتِشافِ الشَّاي باسْتمتاعٍ وجَدَّتي تَتَسلَّى بخِيطانٍ تحيكُ بها عُشَّ العُمرِ الذي شارَفَ على خَرِيْفِه ..!!
في نهاية المطاف أذكر هذا النص الفخم للشاعر جميل داري..
يدٌ ما تهزُّ سريري
يدٌ تستطيعُ الذهابَ إلى آخرِ الكونِ
حتى النفيرِ
يدٌ تتأبّطُ روحي
تقرّرُ حقَّ المصيرِ
يدٌ من غبارِ السنينَ
ومن أجلِ هذا الكلامِ الأخيرِ
…..
بقلم ختام حمودة


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"