تابعنا على فيسبوك وتويتر

د. عدنان الظاهر شخصية ثقافية فريدة

وصلتني رسالة الأستاذ عصام الياسري رئيس منتدى بغداد للثقافة والفنون في ألمانيا يطلب فيها مساهمتي في حفل تكريم الأستاذ د. عدنان الظاهر وأنا في زيارة للعراق وكنت مريضاً جدا، بحيث كان يصعب علي التنفس كما يعرف صديقي المكرم بوضعي الصحي الذي صورته في رواية تسجيلية “في باطن الجحيم” فصلت كيف أصبنا بالأسلحة الكيمياوية حينما كنا ثوارا في جبال العراق في ثمانينات القرن الماضي.
بالرغم من ذلك أقدم ما بوسعي من كلمات عن الأستاذ د.عدنان الشخصية الثقافية المميزة والفريدة.
في صباح بارد من صباحات عام 2000 فتحت صندوق بريدي فوجدت رزمة كتب دأب على بعثها صديقي الشاعر العراقي الراحل “عزيز سماوي” 1944-2001 من ضمنها ديوان شعر للدكتور الظاهر بعنوان “رمل وبحر” مع تعريف تضمنته رسالة “عزيز” بالشاعر وشخصيته وهو صديق حميم لصديقي، وكتب لي عنوانه في ألمانيا. فبعثت في اليوم التالي كتابي الثالث “سرير الرمل” وهو مجموعة قصصية إلى أستاذنا، فكتب عنها في الأيام التالية مقالا مفصلا صريحاً حللّ فيه قصص المجموعة وقارناً أحداثها بتفاصيل حياتي وجزم بأني أكتب عن حياتي وليس غير حياتي في منحى في الكتابة نادر وقتها يتعامل مع النص من ناحيتين جوهريتين الأداء الفني والثيمة وشكل تحققها وعلاقتها بالواقع.
ومنذ تلك اللحظة ارتبطنا في علاقة أدبية منتظمة من خلال الرسائل الورقية في ذلك الوقت، ثم لاحقاً من خلال البريد الإلكتروني وأحتفظ في أرشيفي الخاص بالكثير من رسائلنا وهي طريفة تدور غالبا حول الحياة والمواقف والأحداث في قصصي ورواياتي التي حرصت على إيصالها في السنوات الأخيرة. والرسائل طريفة خارجة عن نطاق المخاطبات الأدبية وفيها كلام عراقي مما يقال في الجلسات الخاصة، أقلبها حينما تقع بين يدي مبتسماً منتشياً من روح أستاذي الظاهر الطرية والحيوية والشابة وكأنه بسني، أو كأننا في مقتبل العمر ونحن نخوض في موضوع المرأة والجنس وعلاقة الرجل بالمرأة التي ترد بكثافة في رواياتي وقصصي.
لم يترك كتاباً من كتبي دون متابعة وتحليل والشيء المهم والجوهري أن تحليله يغور حتى الأعماق فأشعر أحيانا أنه يبلغ المرامي الخفية التي يحاول الكاتب ضمرها في بنية نصه وكأنه يشتغل مع ذهني في مراحل التهيئة ثم الكتابة، الشيء الذي لا يقبل صديقي د. عدنان التزحزح عنه هو: أنني صاحب الفعل في كل ما كتبت وأن ما أكتب هو حياتي، ولم يخفف من وجهة نظره حتى وصلته مجموعة قصص زوجتي “ناهده جابر جاسم “العاشقة والسكير” وبدأ يحاورها في الرسائل والتلفون.
وهنا أود الاعتراف له في هذا التكريم فأقول أن الكثير جدا مما ذهب إليه كان دقيقا وكان متفردا، وقع في تحليلاته على بواعث كتابة النص لدي وفلسفته.
ميزة أخرى لمقالاته النقدية العامة أو المتعلقة بظاهرة أو كتاب أو قصيدة أو شأن سياسي واجتماعي هي: أنه يكتبها ليس بروح وحرفة الكاتب المحترف، بل يكتب وكأنه يتحدث لنا فيستطرد هنا ويكثف هناك حسب غرض كتابته، وهذه الطريقة محببة، وخاصة به. تحاورت عدة مرات خلال السنوات المنصرمة حول هندسة مقالاته، فكتب لي قائلا: اني أريدها هكذا.
المتأمل لمقالات أستاذي الغزيرة ودائرة إهتمامها سيكتشف مدى أتساعها فمن العلوم المحضة إلى الأدب المحض مرورا بالسياسة وعلم الاجتماع فيخلص أنه يقف بأجلال أمام قامة ثقافية متفردة كرست وجودها وعمرها الطويل من أجل الأدب وقول الحقيقة وكشف الزيف والدجل منحازة للإنسان كوجود وغاية.
أخر ما جرى بيننا قبل أشهر، كتبت له إذا كان بإمكانه مراجعة رواية جديدة لدي أعدها للطبع، فأستاذي يعرف بأن زميلي وصديقي الروائي “حميد العقابي” الذي كان يقوم بذلك منذ أول كتاب لي قد مات العام الماضي، لكنه كتب لي معتذرا لعدم قدرته بسبب تقدم السن ووهن الذاكرة.
تحية حب واعتزاز لأستاذي د. عدنان الظاهر
له طول العمر والصحة.
                                           الروائي العراقي
                                           سلام إبراهيم    
  

 
 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"