تابعنا على فيسبوك وتويتر

الساخر العظيم ما زال يسخر منا….
مؤيد داود البصام
رواية ( الساخر العظيم ) لامجد توفيق، رواية تبحث في المفارقة التاريخية بين من يحاول ان يحتفظ بجذور العلاقات الانسانية والنقاء الاجتماعي والتكافل الانساني، وبين من يريد ان يدمر هذه العلاقات لاحداث علاقات جديدة تقوم على المنفعة الشخصية وانتهازية الفرصة، علاقاتها السردية بين التاريخية والاجتماعية والصراع بين الداخل والخارج للانسان في مجتمع متشابك ومحتدم، ومحصلة هذه العلاقة ومؤثراتها اجتماعيا وتاريخيا على الانسان والمجتمع، منذ البداية يفصح لنا القاص والروائي امجد توفيق، عن انتمائه لطرف من أطراف الصراع، انحيازا لقيم الإنسان وأخلاقياته، وياتي السؤال هل كتبت الرواية عن مقاومة من وقعوا تحت الاحتلال وأوضاعهم الداخلية ؟، أم سرد تاريخي واجتماعي لحكاية ظهر فيها عرضا دور المقاومة الشعبية ضد الاحتلال وهو يساند القوة العسكرية الرسمية لتحرير المدينة ؟.. من قرء أعمال أمجد توفيق السابقة سيجده يضع مقدمة آو قصيدة يضمنها الثيمة أو الرؤية التي يتحرك ضمنها السرد ليكشف عن وجه حقيقة الحكاية صفحة بعد صفحة حتى الوصول إلى النهاية. وقد وضع لهذه الرواية ( مدخل ) ينهيه بالعبارة التالية ( الزمن هو الساخر العظيم أو الساخر الأكبر ) . ليضع الحقيقة الأزلية أمامنا إن اتفقنا أو لم نتفق مع الرؤية الفلسفية التي ينطلق منها، الإنسان بقبضة الزمن مهما حاول تغيير مسار الواقع، مستخدما رؤية جمالية ولغة شاعرية وأدوات بتقنية عالية ليجمع خيوط عشرات السنين في حدث دام أربع أعوام، رواه لنا عبر زمن لا يتعدى بضعة أشهر، يكشف كيف ( يمنح الحق للساخر العظيم أن يواصل سخريته.) . من خلال الزمن الذي قال فيه ارنست همنغواي (ان الكثير من الاشياء والحقائق لا يمكن ادراكها بسرعة ولابد من دفع الثمن من الزمن الذي هو كل ما نمتلك في هذه الدنيا ، من اجل اكتسابها وربما تستغرق عمر الانسان كله ليعرفها ، لذلك فأن كل جديد يتعلمه الانسان من الحياة يكون ثمنه غالياً جدا ). ( عيد متنقل ). مجموعة قصصية.
يروي امجد توفيق عبر 58 فصلا مرقمة بدون عناوين في 662 صفحة من القطع المتوسط. ( إصدار دار فضاءات للنشر. عمان،) حكايتان في رواية واحدة، مستخدما الميتا سرد للخروج من واقعية السرد المتخيل، إلى القص ما وراء الواقع لتغيير العلاقة الجدلية بين الواقعي والمتخيل، بتغيير مسار تصورنا بعدم وجود معاني ثابتة أو حقائق مقدسة.. قصة عائلة شهاب الأصيل وأخوه إبراهيم أولاد سلمان الأصيل المتوفي من سكنة أطراف مدينة الموصل ومن ثمة من سكنتها، الذي سنتعرف عليه من خلال ( المخطوطة ) بينما يروي لنا قصة الحكاية الأساس راو عليم، وهو وسط الحدث الذي هز العالم بما استطاعته مجموعة خليط غير متجانس وبعدد قليل من المسلحين من احتلال ثاني اكبر المدن العراقية زاحفة من الحدود السورية التركية ، لتحيل نهار الموصل إلى ليل اسود قاتم، وبعد اشتداد الضغط من قبل عصابات ما أطلقوا على أنفسهم ( الدولة الإسلامية ) وعرفت ب داعش على أهالي الموصل، تقرر عائلة الأصيل مغادرة الموصل، ولكن هناك مشكلة في التجارة التي تشتغل عائلة شهاب الأب وأبناءه الأربعة فيها والمحلات التي يديرونها والأموال التي لهم وللآخرين التي عليهم من المتعاملين معهم، فيتقرر بقاء الأخوين جلال وسعد لتمشية الأمور التجارية والمحافظة على الأملاك، ويغادر محمد واحمد مع العائلة إلى تركيا، وتلتئم عائلة الأخوين شهاب وإبراهيم أولاد سلمان الاصيل عند تواجدهم في تركيا . ويشكل سيف إبراهيم الابن الاكبر لابراهيم سلمان الاصيل العمود الفقري في ربط الأحداث وتسلسلها في الواقع الجديد المعاش، بينما يقابله سعد شهاب المتمسك بالارض ليروي الماضي عبر المخطوطة ويربطه بالحاضر ، ولهذا جاء دوره ليكون حافظ السر وحل العقدة التي ستربط الأحداث ليفسر لنا العنوان لماذا الزمن (الساخر العظيم ) والتي ستستمر لنهاية الرواية إن كان في دراما الحدث الذي بنى أمجد توفيق من خلاله الحكاية ليثبت رؤيته الفلسفية للواقع والحياة عموما بالكشف من خلال (المخطوطة ) إن عائلة الأصيل تعود في أصلها للطائفة اليزيدية. ولكن الظروف المعيشية والحروب الجانبية التي وقعت في تاريخ الموصل البعيد تعمل على أن يتحول الجد الأكبر سلمان الأصيل من اليزيدية إلى الإسلام بدون رغبة مسبقة، إنما الأحداث بمقتل أهله وخروجه من قريته إلى الموصل من اجل العمل يوصله لتبنيه من قبل تاجر يظنه مسلما وهو لا يعترض على الإشكالية مادامت الحياة الجديدة فرضت عليه أن يكون مسلما ليعيش كما كانت ولادته التي فرضت عليه أن يكون يزيديا من دون اخذ رأيه، وتأخذ الحياة مسارها لتعود بعد جيلين للالتحام من جديد بين سعد و (بهار ) في علاقة حب تزيح الأفكار المسبقة لمثل هذه العلاقات التي يضع عليها المتشددين الضوابط الدينية التي اخترعوها، وبها تأتي الصياغة لتوليد المعنى وإتاحة مستويات متعددة من التأويل. وخلالها تكون أسرار العائلة التي لم يكشف عنها سعد من خلال اطلاعه على المخطوطة إلا في نهاية الرواية لترتبط الحكايتين في قصة ورواية واحدة، والمخطوطة تجدها بهار في القبو حين خبأها سعد عند فرارها من عصابات داعش. فتكون بهذا قد أعادت تسليم ما اندثر من التاريخ إلى الجيل الذي لم يعرف إلا وجوده الآني بشخص سعد. الذي يحاول ان يصل للكنز الذي تركه الاسلاف عبر تعدد انساقهم الفكرية وعقائدهم التي ظهرت على هذه الارض وعاشت بتجانس طيلة الزمن الغابر، وهذا ما توضحه المخطوطة، وهكذا يضع الامانة بيد الجيل الجديد، من يجدها بهار ومن يبحث عن الكنز سعد الذي خلفه الاسلاف، وبهار فتاة يزيدية أسرها الدواعش مع مجموعة من أهالي المنطقة واعتدوا عليهم ولكن في لحظة هرج من جراء القصف والمعارك استطاعت الهرب، ويجدها سعد ليخبئها في احد مستودعات العائلة التي تضع فيها بضائعها. وهو بيت يقع في وسط سوق الموصل. عمد الروائي إلى دمج الحكايتين بتضمين لم يحدث خللا في البناء العام للرواية، بل جعلها آسرة في المسيرة السردية المتوازية، وقاد الأحداث عبر حركة سردية متوازية في المبنى الروائي، بين الحكاية الاساس والمخطوطة، قاصدا في إعطاء الميتا سرد حضورا لاغتناء فعالية السرد، ولاستعادة حضورها عبر وجود سرد موازي تشكله المخطوطة، وهو ما يتيح للروائي، أن يسبغ امكانيات بنائية متجددة، وعملية حركة تجاورية نتيجتها ما تكشفه المخطوطة للمضمور التي يحاول الإفصاح عنها عبر مزج الماضي بالحاضر، وعبر مرجعيات تعبيرية متوازية وأحداثها متلاحقة بفعل حداثة الدراما وقوة الحبكة التي أدار بها السرد، مما جعلها رواية حدث. تذكرنا بروايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، على غرار روايات ستندال والرواة العظام. مع إبداعه في توصيف التاريخ والحقيقة كعنصري افتراض. فلم يعُد هناك حقائق يجب أن يؤخذ بها، بل حكايات من الفنون وفنون الخداع، وان التقنية التي وظفها هي من استجواب الحداثة للحقيقة والإدراك.

البناء العام للرواية وشخصيات الحدث….
بني الهيكل العام للرواية على شكل تركيب هرمي، توضع الأجزاء للحكايتين متقابلة لتلتحم في النهاية وتشكل رأس الهرم، وعلى الرغم من انقسام الرواية إلى حكايتين إلا انه استطاع السيطرة على حركة الشخصيات وضبط إيقاعها حتى الثانوية منها، وجرنا إلى المفارقة بان الحقيقة و التاريخ كعنصرين افتراضيين، وليس هناك قدسية لا يمكن أن تمس هذين الافتراضان، وان التوظيف لتقنية ما وراء القص لكشف هذا الوهم. هو ما وضعه كعنصر متوازي للحكاية في المخطوطة، وعلاقات سيف إبراهيم بالنساء العاملات معه في أنشطة الإعلام أو الشخصيات الأخرى العراقية وغير العراقية الثانوية الذين التقى بهم عبر عمله في الاعلام، أشبه بالمادة اللاصقة ( جبس أو اسمنت ) للحجر الذي شيد منه الهرم، حتى يكتمل البناء، ولم تكن عناصر زائدة أو حشو. وهو بهذا أقام التشييد على أساس البنوراما لتداعيات الحدث في مقابل العلاقات التي عاشها سلمان الاصيل. وجاء احتلال الموصل حدث مكمل للآحداث التي عاشتها المدينة سابقا، وحاول أن يقارن بين الحروب التي خاضتها المدينة بأبنائها للحفاظ عليها وبين بساطة احتلالها من قبل داعش. فكيف حدث مثل هذا الخرق باحتلال ثاني اكبر المدن العراقية ؟ مع وجود العديد من الفرق العسكرية شرطة وجيش تقبض على مدينة الموصل بالحديد والنار، فجأة تنهار أمام بضعة أنفار من شذاذ الأفاق، دربوا على أفضل تقنيات حروب العصابات ليغيروا تاريخ العالم ، ويبنوا فكرا جديدا بديل الفكر السائد لحركات التحرر التي قادت النضال بثوارها من اجل تحرير شعوبهم من ربقة الاحتلالات والسيطرة، إلى عصابات قتل وتدمير تديرها مخابرات دولية وتمدها بالمال والسلاح لتنفيذ برنامج المحتل. وجعلوا الثوريين إرهابيين وفي مقابلهم مجموعة القتلة محررين. إذن لابد من خريطة لمعرفة حقيقة ما حدث. إن لم يكن وراء الحدث شيئا اكثر من واقعي، اختصر المسافة بديلا عن تعدد التحولات التي حدثت اجتماعيا واقتصاديا وفكريا لئلا يقع في المباشرة، بالمسار السردي الذي تشكلت منه الرواية، العلاقات التي يعيشها سيف إبراهيم الشخصية الديناميكية في الرواية وكشف لنا عن حقيقة ما يحدث داخل المجتمع من متغيرات أدت إلى احتلال مجموعة من القتلة لثاني اكبر مدينة وبجيش وقوات تعد بعشرات الآلاف. سببه الخراب في النفوس. الذي مكن مجموعة صغيرة من دحر جيش عرمرم واحتلال مدينة كبيرة مثل الموصل، وقد فسر لنا الأسباب من خلال العلاقات المشبوهة التي يتعامل بها المحررون الجدد، وكيف قلبوا التقاليد والقيم التي تتحدث عنها المخطوطة، وهو المسار الثاني للسرد، كعالم افتراضي موازي إلى عالم من الانحطاط الخلقي والعمل على تفتيت المجتمع وبناءه الأخلاقي. ويوثق ما حدث للعلاقات الاجتماعية والفكرية، شراء الذمم و سهولة الحصول على المال وسيطرة اصحاب النفوذ والمتعاونين مع المحتل، عندما نقف على ما تحقق في رواية الساخر العظيم من حرفية استطاع بها أن يقدم لنا هذا الانجاز المبهر في أدب الميتا سرد، يتجاوز به الرواية الواقعية، ويرصد طرائق بناء العوالم المتخيلة عندما التقط بغور عميق ما في التاريخ من وقائع مؤثرة في أحداث اليوم، وتقلب ما يعتبر حقائق إلى محض ادعاءات، وان مدينة الموصل مثلها مثل بقية المدن في العالم تخضع لنفس المواصفات في تقلب الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والفكرية عبر الزمن. ويعيد صياغته سرديا في اخطر علاقة وهي تفتيت المجتمع العراقي عن طريق تفتيت قيمه وإحلال أخلاقيات بديلة تخضع للجنس والمال والجاه، أراد الاحتلال أن يوجد هذه الثغرة ليعمقها من لحظة تواجده فجاء الزمن الصدفة ليغير الحقائق ويقلبها رأسا على عقب. ويكشف عن ضعف الوعي البشري المتمسك بالأوهام التي تهيمن عليه.

الشخصيات وبنائها السردي…
تنتمي شخصياته الى نسقين في الشريحة الاجتماعية، الذين يمارسون التجارة والتعاملات الخارجة بعيدا عن ادارة الدولة والوظائف الحكومية متمثلة بعائلة شهاب الاصيل واولاده جلال وسعد، وما جاء في المخطوطة لعمل جدهم سلمان الاصيل وفي المقابل، وما يمثله الحلال والحرام في مجتمع منغلق والعلاقات الاجتماعية التي تحكمه، وبين النسق الثاني سيف ابراهيم وعمله الاعلامي المرتبط بشكل وآخر بالدولة واجهزتها الحاكمة، وكيف تتحرك الحياة على ضوء الاتفاقيات والصفقات اخلاقيا وغير اخلاقيا، وطباع هؤلاء مع معرفتهم بما يقومون به من خطا وليس لهم الا مصلحتهم الخاصة، أن الشخصيات وبالذات التي لها الدور الرئيسي في الأحداث، استطاع امجد أن يضبط إيقاعها ومنح لكل واحد منها شكله وأسلوبه الخاص في التعامل مع الحدث مما مكننا على الرغم من تعدد الشخصيات، من التقاط حركتها ومتابعة تصاعد بناءها الدرامي وفق رؤية فكرية ترتبط بالواقع وتتحرك ضمن المخيال الذي استاقه من ارض الواقع، وقدرتها على الاداء في رواية احداثها متداخلة. ويأخذنا الروائي إلى العديد من الامكنة، متجولا بنا في مدينة الموصل وخارجها وخارج العراق من اجل رسم صورة للمتغيرات التي طرأت على المجتمع العراقي بعد احداث 2003… إن رواية الساخر العظيم تؤكد على دور الإنسان الموصلي في الدفاع عن مدينته مع الجيش الوطني والقوى الملتحمة معه، وهو بهذا يعيد صياغة ما التبس تاريخيا على الكثير بعدم مقاومة أبناء المدينة للمحتل، ولم يدركوا بان المدينة مستهدفة من القوى الخارجية منذ أزمان متباعدة وعرضة للاحتلالات، وأبنائها لطالما دافعوا عنها وردوا المحتلين والطامعين. ووضح أن الحرب قتل ودمار وتشريد، وتجعل كل من يقع تحت ظلالها امام اختيارين اما الموت او البقاء حسب ما تفرضه ظروف الحرب من دمار .
وفي الحكاية المتوازية يكشف عن دلالات كان لها أن توضح العلاقة القائمة بين اليوم والأمس، ضمن التباس الوهم والنظرة القدسية للأشياء، ومن الوجهة الاجتماعية منحنا رؤية بناء المدينة اجتماعيا، كونها وحدة واحدة تحكمها صورة الإنسان الساكن المنطقة، بدون تعريفات أو تصنيفات عرقية واثنيه وطائفية.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"