تابعنا على فيسبوك وتويتر

إستقصائية التَرديدْ النَغمي .
لمجموعة ” سيمفونية الميلاد ” للشاعر عدنان رحيم البياتي
عدنان أبو أندلس
ـــــــ بدءاً ، يتراءى للمتلقي بأن عنونة المجموعة ، تكاد تغطي جسد النص كاملاً ، بدليل من قراءة المتن ظهر جلياً بأن العنوان لم يوضع جُزافاً ، بل وضع بقصدًية حميمة ؛ ربما ، وعلى هذا الأساس جاءت النصوص موحدة وبصيغة رؤى موحدة ومضامين مشتركة ، وحسب قول ” جيرار جينيت – يعتبر العنوان إحدى المداخل الرئيسية إلى قِراءة النص ، فذلك يقودنا إلى معنى المعنى ” وكتب ” رولان بارت – قائلاً : إن التسمية هي التي تُخلق السلسلة السَردية ” – نعم ، هي أي ” السيمفونية ، مقطوعة موسيقية ولحن إنشراح وفرح “ لحن” ولادة وإستشهاد ” تمثل نغمة القصيدة القابلة للإستمرارية بدفعاتها المشحونة بطاقة إستيعابية تكفي للمطاولة ، وحين أردفها بـ الميلاد ، تثبت الدليل بالترادف التَحشدي الأكثر مواءمة ، وأصبح الإندماج نوعاً من التعاشق بين ” الكلمة – الحياة \ واللحن- الميلاد ” ، فما دفقته الشعورية هذهِ إلا ” اختزالية مختمَرة ، ومن رؤى ادخارية يمتهنها عن دراية ، لذا وظِفت لأجل الديمومة والمطاولة في نهج سلكهُ وشرع يضع خُططهِ الرصينة ، فأضحت ” سيمفونية الميلاد ” تطابقاً \ تعاشقاً – روح وحياة ، فهي – مختزنة ” تخيلاً أو وعياً ” بتفاؤل ممزوج بعاطفة فياضة من الأمل المبثوث في خلجاتهِ ، هذا المنساب من بين ثنايا روحية مفرطة بالأمل رغم – ضد – دفاعات \ مصدات الواقع المرير الذي يراهُ الكُل في مشهدية التشنج السًاري والسائر بنا نحو المجاهيل المفتعلة بكل تسارعه المقيت .
ــــ فـ السيمفونية لا نود الخوض هنا بمعرفتها \ لغةً \ إصطلاحاً كي لا تجرنا إلى إستطالة أكثر مما ينبغي ، بل ننوه عنها فقط هنا بهذا التعبير لنقول ، حين نتلفظها نحس بإهتزاز نشوة روحية ، وعند سماعها تختض جوارحنا بهناء لحظوي ، وحين قِراءة نصوصها أي ” السيمفونية ” نحس بإرتعاشة خفية وخفيفة تجتاحنا ، إن الدلالات رُسخت في البشائر سلفاً ، هذا ما سطرتهُ رؤى \ إنطباعات ” البياتي \ رحيم ” في مجموعتهِ” الكُتيب ” المتواضعة رقماً ، الغني بساطة ، مقرونةً بوجعِ شفيف بإلتماعاتها كونها نابعة من شعور وجداني زاخر بحصافة ورأي مستقر ، هي ذاتها الصادرة عن المكتبة الفلسطينية \ الطبعة الثانية \ 2018 ، إستهلها في قصيدة ص 6 ” أحدٌ – أحد ” تختزل المجموعة في هاتين الكلمتين ، هذا الشعار – الإعلان – المقولة الخالدة ، قد لحنها بنغم لاءم وترهُ في ترديد لحني مميز، وكان موفقاً بروعة توظيفهِ ” زجهِ ” لهذهِ المفردة ” المفرقعة ” في تماثلها فترة الإنطلاق ” الإعلان ” هي تختزل بتوظيفها كل ماكُتب عن رؤاهُ في ” المتن ” هو الضدي للآخر \ الصرخة – دوت من ساعتها بـ ” اللحن الرباني ” بكل نطقهِ الإستدلالي الذي غير مجرى التأريخ بصمودهِ حدَ اليقين – يقول :
أطلقها بلال \ في قسوة الضلال | بها إندحر الظلام | وأشرق نورُ النبوة | وهل الهلال – أحدٌ .. أحد.
ـــ على ما يبدو بأن النص \ الفقرة \ لا تحمل من الشعرية قدراً ما ، سوى الإستذكار بـ الوقعة الأولى \ الحوار \ المشهد ، لم يأتِ من عندياته أقنعة لها ، بل هي تركها مكشوفة للعيان ، مفردات مستعملة بلا خفايا أو غموض ، لا تُتعب المتلقي في فك ألغازها وهي ” الّلذة ” التي يبتغيها ، هكذا وظفها للتماثل بين \ الماضي – الحاضر – مقارنة \ تمايز .. وقد ناور فيها بأدواتهِ المتدرجة وكما – أطلقها ، إندحر ، أشرق – هل َ، هي مكملة للأخرى بنمو عضوي يتطلب التدرج اللازم للإستكمال الحياتي للعملية الموجبة – نضجاً \ حتمية ، وما ترتبت من عمق في التركيب والترتيب ، حيثُ \ بلال – الهلال \- ضد – \ الضَلال – الظلام ، وبالرغم من قصدِيتهِ المبانة \ تعاطفاً \ صراحةً ، لكن الآمر وإن تطلب ، لا يحيد عن قول الحقيقة ” الناصعة ” فكان \ النمو– النضوج – الإعلان ، من المحفزات لأنتاج النص .
ـــ كذلك طعَم صورهِ بالمفردات الحياتية التي \ تُنمي \ تُشهي النفس بالإرتياح وبلوغ المقصد \ المرام \ منها في قصيدة ” شكراً باسمة ” ص8 :
في لمحة بصرٍ \ أسرتِ قلبي \ شغلتِ فكري \ أشعلتِ وجدي \ عندها أيقنتُ \ إن كميناً للحُب \ نصب في دربي \ ناجيتها شكراً \ يانسمة .. جمل مبتورة متسارعة توظيفاً في تراتيبة لشغل مساحة ” فُراغ ” ليس أكثر ، لا يُشغل القارئ ذهنيتهِ بها ، كونها معلومة النتائج ولا تحتاج للإستقصاء التتابعي بلهفة العثور .
وفي عتبتهِ القِرائية ص 11 ” ثريا المجموعة ” والتي يقول في مستهلها: تجولتُ في بُستاني \ قطفتُ من كل غُصنٍ \ وردة \ جَمعتُها في سلةٍ \ نسجتُها من أشواقي \ عطرتها بعطر الإقحوان \ غلفتها بنوتةٍ تحكي \سيمفونية عِشقٍ .
والتي تمحورت عليها ، إسماً وتوظيفاً لتطعيمها بمفردات ندٍية مخضلة توحي بالإنتشاء من نطقها ولو عابراً \ تفوهاً ” بستاني – غصن – وردة – سلة – أشواق – عِطر – إقحوان – عِشق – قطرات ” هذه التوليفة ملازمة للميلاد بكل تجليات المفردة ، هي التي تحرك بلهفة ملتاعة للحب ، ولمواكبة \ العشق \ الغرام بتجلياتهِ القلبية الساطعة على الملامح بذكرها ، حيثُ الشوق المتوالد منها .
ـــ ونأتي لقصيدة ص 16 ” مَبروك ” والتي أراها من الأصح كتابتها ” مُبارك ” لأن الأولى تعني أناخة البعير ” .. والثانية ” تعني البركة ، زيادة في الخير … فهي أي ” الثانية ” دالة على الفرح والسرور تتطابق مع الإهداء بمتنهِ النصٍي ، لما يسايرها من إبتهاج بائنٌ \ عياناً يقول فيهِ :
في يوم أغر \ مسكتُ العود \وعزفتُ على أنغام | الوتر.. \ مبروك ” مبارك ” … مبروك ” مبارك ” ياسحر \ يامن سعيتِ وفي مسعاكِ \ كان الأثر .. هذهِ الرؤى كما يقول ” مهداة إلى الدكتورة سحر القيسي ” هي التي محركها التهنئة ، لذا تتطابق ” مبارك ” مع متنها في المستهل .
ـ وفي قصيدة ” عودة الروح ” ص 18 ، والذي يقول : لم يسمع لهُ خفقات \ إنهارت أحلام الأمس \ لم يصعُد اللحن الجميل \ يرقص قامتي ، رغم قصدًية التوظيف إلا أنهُ في لحظة فرح توقف كلياً وضجُر، كون الشوق لم يثيرهُ في هذا المكان ، لابد من مشهدية محزنة آنذاك .
يلاحظ لهُ في نصوص أخرى من وقفات ” تكهنات ” أشبه بالطُرفة وخاصةً في قصيدة ص 22 ” رسالة طريفة من شرطي إلى حبيبتهِ ” حبذا لو حذف مفردة ” طريفة ” من العنونة لكانت أرصن وأدق تقبلاً في إنسيابية القِراءة ، لأنها إمتصت المعنى وطغت على المتن الذي كاد التوضيح المباشر أن يكشف الجسد المتني ، لأن كلمة ” شرطي ” هي مكتنزة بحد ذاتها ، طرافة وغرابة في التوظيف ولا حاجة لزجها أصلاً ، لكن للأمانة قد وفق ببداعة لضربتهِ في خاتمة القصيدة التي إُحتسبت لهُ -قائلاً : أودعتكِ معتقل ” فؤادي ” \ واوصدتُ كل الأبواب \ منعتُكِ من السفر \ خارج حدود كياني \ولا منفذ للهروب لديكِ\ عرضتُ أمركِ \ على قاضي الغرام \ تمنيتُ أن تكوني الوحيدة \ التي لايُطلق سراحها بكفالة \ ولا تشمل بقانون \ العفو العام .. مولاتي ، حقاً أجاد في هذا النص \ القصيدة ببراعة ، رغم مفردات مستعملة ومعروفة للعوام.
لكنهُ أخفق بعنونة قصيدة ” كان يا ما كان ” غير المتطابقة مع جسد النص ، أراها مطروقة ومستهلكة توظيفاً وقد خففت من وطأة إنفعالاتهِ ، ربما تأتي لصالح زمنٍ بعيدٍ من الموروث في الحكايات الشعبية القديمة.
هناك ثنائية رائعة لنقل الخبر بتفاصيلهِ الدقيقة ، لقد أخذ القِسط الأوفر حظاً من فضاءاتهِ ،كأن تكون هكذا.
الميلاد = الفرح \ التهنئة = الإبتهاج \ الحياة \ = إضاءة
الموت = الحزن \ المؤاساة = المؤاساة \الهلاك \= العتمة
وقد تكون لحظات الموت هي لحظات ولادة ” الشهادة ”
ــــــ إجمالاً أرى ما وظفهُ شاعرنا ” عدنان ” من أمنيات مبثوثة صادقة ، تدخل في مخيال اليقظة ولو حُلماً ، لما لهُ من طاقة رائعة في رصد حالات غائبة نوعما ، يمتلك رهافة في التعبير وسلاسة إسلوبية مطعمة بنكهة إعلامية جادَة ، لذا جاءت رؤى وفضاءات نصوصهِ بما يُشبه نقل الأخبار وسردها من أفراح وأحزان ومؤاساة ، جاءت إرتجالية بلحظتها التأثرية \ الإندفاعية \ الإنفعالية ، كإستقصائية للحالة التي يبحثُ عنها ، كأن تكون حادثة مفجعة ، أو فرح غامر وهكذا جرياً …. ، كانت تقريرية ومباشرة ، والتي رأيتها تحملُ قدراً هائلاً من الإعلانات الإخبارية المتقطعة والموجزة ، ناهيك عن تعاطيهِ الجزيئيات – المؤاساة والإهداءات ، حتى أدخلتهُ في الخصوصية البسيطة وأوقعتهُ في لغة سردية وتحت وطأة الكشف البسيط والتداخل المتشابه من أجناس أدبية كـ الخاطرة والمنثور وحبكة القصة القصيرة جداً ، حتى غابت الصور الشٍعرية تماماً ، لأن السردية أخذت مأخذها من النفس الطويل من توظيفهِ ، وكان عزوفهِ عنها بإيحاتها ورمزيتها ومجازيتها وتشظيها وتفجير لغتها .
أتمنى أن يتحسس المفردة أكثر كي يصنع منها قوالباً فكرية باذخة تليقً بعطائهِ المثمر ، دون زجها قصدًيا بعاطفة إنفعالية آنية ، وأن يبتعد عن القافية القهارة التي تسحبهُ للحنها غصباً ، لهذا تراكمت عليهِ المقطوعات ، وتكاثفت الخواطر ، والتي هي بعيدة حقاً عن الشعرية المرتجاة ، صراحةً عرفتهُ إعلامياً وظف حياتهِ لأجل ذلك ولهُ باعٌ طويل في إستقراء الحدث ، ولم أعرف بأنهُ يتعاطى الشعر المنثور إلا أن أهداني مجموعتهِ المنوه عنها ، ولكي أكون مُنصفاً قدر المستطاع أُذكرهُ بقول الناقد الرائع ” الجاحظ ” كي يتفحصهُ ملياً ” خير الشِعر ما أعطاك معناهُ إلا بعد مطاولة ” هذا يغنينا عن الإشادة بالشاعرية التي نتوخاها منهُ لاحقاً .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"