تابعنا على فيسبوك وتويتر

تشوهات
تردم غفلات السرد
اسماعيل ابراهيم عبد
القصص الثلاث في مجموعة (تشوهات) للكاتبة هدى الغراوي قد ردمت جزءاً مهماً من غفلات السرد ..
غفلات السرد بالنسبة لي هي الموضوعات والتقنيات التي تتبعها , التي لم يفكر بها القص ولا النقد.
لنقر بدءاً بأن غفلات السرد ستتكرر وتزداد كلما تطورت بنى الابداع بأنواعها الفنية والمعرفية والصناعية , والفكرية .
هذه الغفلات جزء من حيوية السرد كونها عوامل تحفز على توسيع دائرة الامتاع القصصي , إذ هي تكتشف كثيراً من الحالات وبذات الوقت تزيد من مساحات فعل المجال لبكارة الموضوعات والتقنيات غير المحروثة بأقلام الكتاب والباحثين .
اولا : تقنيات الفطرة
ان اولى غفلات السرد هي اهماله لتقنيات الفطرة القصصية اذ أن الكثير من متابعي القص ينحدرون من مبادئ تقليدية هي المدارس , وكأن الفن له نماذج لا يجوز تخطيها , لكن القاصة هدى الغراوي قد وضعتنا أما تحد أساسي عبر الفطرة المصنوعة فنيا , واتصور ذلك تحديا كبيرا للتقنبات والمفاهيم النقدية والقرائية , تكتب ـ بإيحاء من موهبة مهذبة متدربة , موجهة رسالة انسانية سامية . تعتمد على الاسس نابعة من حاجات الموضوعة الاجتماعية الفريدة ـ مثلما سنرى لاحقا ـ , تلك الحاجات تنتمي الى حقل الضرورة الحتمية التي لابديل لها , نرها هنا ـ مجال فطرة الروي ـ عبر تشوهات ـ محتازة على اشتراطاتها الذاتية الاربع الآتية :
1 ـ التحول بموضوعة الوجع المألوفة الى مساحة مطلقة الأثر لقيمة الروح الانسانية الضالة عن هداها , الباحثة عما يسد نهمها للخير والسعادة في ضمائر الناس وسلوكهم .
نص :
2 ـ التحوط للتعبير بالتلغيز , اذ لا تمر جملتان او ثلاث جمل حتى تربكك لغة الترابط الفاجع بين الحالة الفردية والحالة البعيدة الدلالة . نص:
3 ـ فنتازيا الواقع يجعل احداثها فضائح لتعرية الاختلال الاخلاقي الاجتماعي .
نص :
4 ـ استثمار قوى الفلاش باك ـ الاستعادة الورائية والماورائية , خاصية تشتغل ثيمة وتقانة القصص كلها , على ابراز القص عبرها ليصير قصاً حراً .
ثانياً : فنية ايلكلوجيا القص
ثاني غفلات السرد تخلفه في استثمار الايكلوجيا فنياً في القص , أي لم يجعل حركة القص تأخذ بإيقاعات البيئة , كحركة الريح وحركة موجات الصوت , ونمو الاخضرار وانسياب الماء وتصادم الصخور ..الخ .. لكن القاصة تصدت لهذه الفجوة بطريقتها الخاصة بالانسنة , وهي طريقة تعتمد وضع الحكايات على لسان يتحدث بفطرية وعمق , وطفولة فلسفية , تجمع بين (الطفولة والنضج والكهولة) , لعل اهم سمات قصها في هذا المجال , مجال ايكلوجيا القص هي :
1 ـ البيئة العاقلة تستأنس بالبيئة غير العاقلة وتستهدي بها في توصيف واتمام بنية الحدث الفكرية .
2 ـ تحاول ان تجعل لغة القص لغة الطفولة التي لا تهرم مثل الاخضرار والنمو وتجدد التشكيل والتجدد الدائم للحركة , التي تخص بها الكائنات البيئية بما فيها من عناصر متضامنة الوجود.
3 ـ للقصص الثلاث قوة احاطة بنفسية البشر والكائنات الاخرى تتماشي بالتضامن لخلق تحرر من القيود الزمنية والمكانية بما يجعل حرية الروي حرية حياة منشودة .
4 ـ ايقاع الحركة الايكلوجية مظهرياً يعري الملموسات في ادائها الوظيفي , تحاول القاصة ان تجعل لشخوصها ذات الحرية في الاداء الوظيفي .
ثالثا : الدخول من الخارج الى عمق تفكير الفريسة والجلاد
إذ يجري التركيز في القص التقليدي على طبيعة وبيئة الفريسة , وعدم التعمق بطبيعة البيئة المنتجة للصياد المعتدي.
ولقد رأيت القصص الثلاث ذات مضمون يقترب كثيرا من انصاف (الجمالي) وانصاف (الاجتماعي) على (المادي والنفعي) على ما في القصص من واقعية صادمة بدقة تسليط القهر على الكائنات الضعيفة. بتصوري ان هذا يحدث لديها بسبب تجربتي (القراءة والكتابة) فالوعي بالجمال واقناع القارئ بمنفعته القصوى لترميم خراب الذات والمجتمع , لا يتأتى الا عبر نظرة عميقة , لها بعدها الفلسفي والثقافي , وهو ما يعني اعتماد القاصة على خزين معرفي مناسب , يجعل الفعل السردي يوازن (الفن الجمالي) مع التسويغ الاجتماعي المقنع .
والنصوص التي تلائم هذا الفرض تتسم بمظهر واضح جداً من جانب المعنى التدويني المباشر , وهو محير كذلك من جانب المعنى الدلالي البعيد . لننظر الآتي :

خامساً : ملء الفجوات
السرد عموما لم يلتفت الى فجوات العقل وضحى بالكشف عن طبيعة وفضاء فنية هذه الفجوات , بمقابل الاحتماء بالباراسيكلوجيا.
فجوات العقل الحدسي الباطني , تسهم بوضع الصور المبهمة وعلى العقل الفعال ان يكشفها , السرد عموما ظل بعيد عن الدخول الى البؤر العقلية للمكون الادراكي الداخلي واكتفى بالمعين والمُظهر , ولسد هذا النقص لجأ الى الباراسيكلوجيا , لكن افلام الخيال العلمي وسعت الفجوة بين العلم والحدس والفنون , وهنا علينا التراجع قليلا لصالح الفنون , أي الاعتماد على المتخيل الجمالي عبر علمنة المحيط الواقعي لبيئة العيش , اي على الفن ان يدرك سعة الفجوة العقلية بين الوقائع المادية والوقائع المتخيلة , ومن ثم لردم هذه الفجوة لابد من طريقة نابعة من حاجة المتخيل لمؤهلات الاقناع , لذا فاللجوء الى المنطق يحل الأزمة , والقاصة جعلت من طفولة العقل جنة الفعل القصصي .. فالطفولة الدائمة والزمن المتسارع الى الوراء , هما أدواتها التعبيرية , والدلالية اللذان يقرران :
1ـ التراجيديا فن متعة وعبر لا فن للحزن والنحيب.
2 ـ توسع نوافذ النص القصصي وامتداده المطول يستوعب مخلوقات الباراسيكلوجيا ويسد فجوات المجهول العقلي بالقص الحكائي الجسدا ـ نفيسي .
3 ـ الكولاج وسنغرافية النسج للوحات الحركة القصصية , محاولتان منتجتان للأقنعة السردية المقنعة , منطقيا , يجعلان القص مقبولا على سعة مساحة العرض التدويني له .
4 ـ الخلط النفسي والعمري المتحكم به بين الحدس الفني والتجسيد العقلي , لا يعجز عن ردم فجوات اليقين للعقل الحدسي الباطني .
سادسا: ربانية السر السردي
من غفلات السرد الأزلية , غفلته لقراءة السر الدلالي لعقل الكاتب , سر الموهبة , سر اختيار السرد , السر الرباني للسرد . لعله الروح “«الروح»، في نظر العالم أجمع، بأنها عبارة عن موجات ذات تردد عال، موقنين بأنها موجودة بيننا في كل مكان لكننا لا نراها، ولا نسمع صوتها، بسبب عجز العين البشرية عن رؤيتها، والأذن عن سماع حركتها.. فقد ثبت علميا أن العين البشرية لا ترى إلا في حدود معينة هي ألوان الطيف، والشيء نفسه بالنسبة للأذن البشرية، التي لا تستطيع علميا السماع إلا ما بين 20 ذبذبة و 20.000 ذبذبة في الثانية الواحدة، وما زاد على ذلك فلا تستطيع سماعه، وقد ثبت بالتجربة أن بعض الحيوانات كالكلاب والقطط والخيل تمتلك القدرة على السماع أكثر من الإنسان، ولذلك تراها تجفل، أو تصرخ فجأة، لأنها تسمع ما لا نسمعه نحن “.
الرحلة البحثية الشاقة والطويلة عن سر الروح ـ التي تسم الموهبة ، استمرت مئات السنين، ولم تستطع الكشف عن حقيقة الروح ، التي تفرق بين الحياة والموت ، لتؤكد ما قاله الله جل جلاله في كتابه الكريم : (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ، وبذلك تكون الروح من الأسرار التي أخفاها الله – عز وجل – عن خلقه مهما أوتوا من العلم والمعرفة ، ومهما اكتشفوا من أجهزة ومعدات طبية ، فالله – سبحانه وتعالى – أراد أن يجعل علمها عنده وحده ، ولذلك فإن أطباء وعلماء الكون عجزوا ، وسيظلون قابعين في العجز، عن اكتشاف هذا السر الإلهي العظيم , السر الرباني يخص به الروح , والموهبة من معجزات الروح ( ) :
اما الموهوب فهو ” ذلك الشخص الذي يتمتع بعدد من الصفات منها :التفوق في القدرة المعرفية , الابتكار في التفكير والإنتاج , التفوق في مجالات خاصة . وكلمة موهبة لغوياً مأخوذة من الفعل (وهب) أي أعطى شيئاً مجاناً فالموهبة إذاً هي العطية للشيء بلا مقابل . يعرف لانج وايكوم (1932) المواهب بأنها: قدرات خاصة ذات أصل تكويني لا ترتبط بذكاء الفرد , بل إن بعضها قد يوجد بين المتخلفين عقلياً. ويعرف كارتر جول (1973) الموهبة بأنها (القدرة في حقل معين , أو المقدرة الطبيعية ذات الفاعلية الكبرى نتيجة التدرب مثل الرسم والموسيقى ولا تشمل بالضرورة , درجة كبيرة من الذكاء العام”( ). عبر المهادات اعلاه سيظل سرد الروح وموهبة العطاء غامضا لا مجال للكشف الحقيقي الصادق عنه لذا فنحن سنبحث في فنية ذلك السر لاغير , أي نعمل على الصفات لا على الذات . ولنتساءل ما علاقتنا كمتابعين بالسر السردي وموهبته ؟ الاجابة في هذا الشغف بالسرد القصصي دون غيره , والموهبة المنظمة التي تستخرجه من نعم خزائن العطاء الرباني. ترى كيف يرتبط الناتج بالمنتج , أليس الارادة حقيقة واقعية , تنتج ادبا رفيعا , مثلما نراه في قرارات الكتابة لبطل قصة كبار السن يضحكون. أليست هذه قصة الموهبة والكفاح والارادة والسيرة غير التقليدية لمرحلة كتابة التدوين القصصي للكاتبة هدى الغراوي؟!


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"