تابعنا على فيسبوك وتويتر

تجْسيد الكائن الكلامي
نص ” غيمة المشاكسة ” للشاعر شلال عنوز
عدنان أبو أندلس
يُحيلنا هذا النص ” غيمة المشاكسة ” إلى إستبطان معرفي متناظر ومتلاقح دلالياً ، مشكلاً مثابة مبانة ، ألا وهي ” المقاربة ” بين الطبع للأشياء بعد تجسيدها واضفاء الأنسنة لها ، إن فترة إلتقاط هذه الصورة المعتمة ، المتخيلة ، من بنات أفكارهِ لحظة ” التخيل ” لذا اتكأ على أفعال حركية ، منزاحة لما بعدها؛ فالـفعل إنهمري – المستهل الذي حرك الرؤى التي خزنها ، ثبتها ، ربما المتفاعل مع نفسيتهِ ، المتشابهه مزاجاً لحظوياً مع تكوين ” الغيمة ” العابرة – السابحة في الأثير ، كما هي نفسيتهِ التي وطَنها في زمن الضائقة ، فـ الحِدِية تلائم سير الغيمة – حالتهِ النفسية ، كليهما تحت مؤثرات حياتية = المناخ وما يستبطنهُ – المزاج \ لكن المقاربة تكاد تتعاشق مرةٍ وتتنافر بأُخرى ، لهذا كان خطابهُ بأقصى ما يسعفهُ الخطاب من مؤثرات – الجو النفسي – المزاج \ التيارات ومؤثراتها ، هذا التشبيه الذي إستنتجتهُ من سمة أفكارهِ التي بثها عبر نصهِ ، ناتج عن جوٍ ملبد بهموم متقاطرة كما في العنونة ” السماء –الأرض ” التي أنسن فيها ” المشاكسة ” من حيث التشخيص \ التجسيد \ الأنسنة – فالأنسنة إضفاء للأشياء صفة الإنسان ، فالمشاكسة من مصدر شاكَسَ وكما في المفهوم المعجمي ، وتأتي بمعنى المضايقة\ المخاصمة \ والمشاغبة وما تُلي عليهِ من صفات تتمحور حول ” العطش ” = النشوة – الإنتعاش – الرواء .. إن الزمن إنحصر في النًصية بدأ من العنونة ، فالغيمة مرتبطة بزمن تكاثفها وعبورها ، فما كان من فترة المراقبة لتشكيها \ هطولها – إلا رؤية المشهد المتغير من حينٍ لآخر بين ، الغيمة \ الصحراء – إنجذاب روحي – مردهُ الشاعر جذباً .
ــــــ وهذا المستهل من النص الذي قسمتهُ إلى أربع فقرات ” حسب الرؤى ” في تحولات الغيمة \ التكاثف \ الهطول \ الإرواء \ النمو ؛ ومن عندياتي ” إستنتاجي ” بتبدل الفضاء ولاهثة شِعرية حُسمتْ \ الاستمرار ” النفس ” ، حقيقة أرى القصيدة قد أخذت طابع اللون ” الصحراوي ” البني \ منذُ وهلة قِراءتها ، لكن لكثر تمنياتهِ والتي لمستها من سابقة \العطش \ الظمأ \ فما يغير اللون إلا ” الماء ” فما كان بوسعهِ ؛ إلا أن ينزل ” الغيمة ” تمغنطاً \ جذبا – والذي يشي ما بدأهُ :
انهمري ايتها الغيمة المشاكسة … …
لأحظى بلثمِ نسيم بيادر العنبرِ
واغرقُ في غدير فضفاضِ مائكِ
ما لهذا العبيرُ …لايصيرُ عنادلاً!
ترقصُ فوقَه رُسل مساءاتِ النشوةِ
تحطُّ على جبلي بلّورٍ ناء بهما سهاد المرمرُ؟
ظاميءٌ فمي ونبعينِ في أفق صدر المنى
يتدفقانِ عذب الفُرات .
يلاحظ من أن النص كُتب بإسلوب تراكمي ومتواليات من الأفعال الحياتية المتحركة بفعل إرادة \ التغيير \ التبديل ، مما توالدت منها زخماً ومزيجاً من أشياء مهتزة نفسياً ، كما هي الرياح التي تُحرك الغيمة – عن التراكم السَمتي الذي يُحشد أرضاً دفاعات جاذبيتهُ للإستقطاب ، فالإرتفاع يحتفي بهذا التوالد من الحركية _ الثابتة – إنهمري \ الغيمة – أغرق \ الغدير – ظامئ \ فمي – تحط \ جبلي – يتدفق “\ عذب – النسيم \ العنبر – العبير \ عنادل أي ” الأفعال ” كماً هائلاً من التلاقحات التي تتضافر لتغيير حالة اللحظة أو الفكرة ” الطارئة ” التي بسببها أُنشأ هذا النص ، والذي جاء على عُجالة من التدفق الحركي بنشاط ، الحدث الأولي ” أرضي ” تضجر منهُ ، مما أضطر إلى يجول ببصرهُ للسماء ورأى ” الغيمة ” التي وافقت حالتهُ تلك ، أكثر مما يتحسسهُ المتلقي ، بأن للأرض المجدبة ” الصحراء ” فعل تحفيز للخطاب الذي لمسناهُ منذ البدء ، بدليل أفعال ” الحركية ” التي وظفها في المتن والتي تصب في ذهنية ” الإرتواء ” اذكر منها فقط ، بدءاً : إنهمري – التي تفي بالغرض والإستنتاج دون ذكر البقية ، فالإنهمار تعني كلَ ما يريدهُ الفاعل القرائي من التأويل كي يصل لغايتهِ القُصوى ، من هذهِ المحركات ” الأفعال ” .هذهِ القصيدة يحاول الشاعر أن يبنيها ويهدمها في آنٍ واحدٍ، هي التي مسكها بقوة من خاصرة الكلام ، فجاءت مطواعة لهُ ، يغور في رؤاها كيفما يُريد ويغير مما تملي عليهِ رؤاهُ لاحقاً – حاضراً – آنياً – لحظوياً – مستقبلاً ، ألقى صنارة الحرف في قلب الغيمة التي بدأت تتلاشى في إستغاثة دعواتهِ المتتالية لجذب هذا الفضاء يقول :
دَعي عَطشي يتشظّى… بمدٍّ مِن دفق نهر
جائعٍ لموج الغناء وزوارق الرقص الغجري
اقتربي فجيوش الصبر رفعت راية استسلام
سأغفو على رخام عشتار
معلناً جنوني … حتى آخر الرحيل
فقنديل مرافئ الحلم عارٍ كما آلهة الضياء
عيناهُ تشربهما همهمة النعاس فتغفوان في ضجيج الممنوع
يتبرعم الأقحوان بخلاخل ساقين
يرقصان في جنون انهمار العاطفة
وانا بين هذا وذاك
إن صاحب الخطاب بات في إستغاثة رغم جدب نفسيتهِ وتفاعلاتها الأثيرية التي اجتاحته في خلوة قسرية ، فأكثر ما وظفهُ من مفردات ندية \ سيالة ، أضفت للرؤى الخصب والنماء والديمومة ، فقد تتحسس بالبلل والندية المتسربة ببرودة منعشة ، ربما ظِل الغيمة الهابط على الأرض قبل نضوجها ، وكما في النشوة – المرافئ ، الأقحوان – الزوارق ، جميعها مردها اشتغالها هو ” الماء ” وأضحت تُقرأ في تبدلاتها الراسخة في الذهنية – المتخيلة – الإنتشاء المواكب للحدث لحظة بلحظة من خلال المجازات والتشبيه التي أضفى عليها بدأ من العنونة؛ وما لحقها من المستهل والمتن النَصي مروراً بالخاتمة –الحصيلة النهائية ، حيثُ أكثر المفردات التي وظفت هي تركيبة – مركبة – حركية – خشنة في التعامل التداولي، وسيواصل على هذهِ السيولة الندية بمقطع آخر ، وقد زج بهِ ثمار غيمتهِ ” المشاكسة ” التي روضها وبان وهج الحب الذي سايرهُ منذ الوهلة الأولى ” الإستهلال ” مروراً بالمتن الذي حشد لهُ كل إندفاعات التحريك من النشاط والقوة التي واكبتهُ بالخطاب الإستعطافي والتي أرهقت الشاعر بكثافتها وزحزحة الرؤى عن قصديتها حتى غدت الصورة ” معتمة ” بذاك الإيباس الوجداني الذي أفضى إلى الإنسان ككائن آخر يستمد الحياة من ” الماء ” فالغيمة هي ” التيمة ” والعنصر المهيمن الذي دارت عليهِ الرؤى بمساحة \ العمودي – العلوي \ الأفقي \ السطحي ، وقد واظب على صيغ فعلية ثابتة رغم حركيتها الفاعلة ” مضارعة \ ماضية ” لذا أسند النص إلى صيغ زمنية ، فالشاعر وضع الصبغة الخضراء ” ذهنياً ” الملمح الرئيسي ” الغيمة ” وكأنما يريد بزخة عاطفة إلى سحب \ تشتيت \ الغيمة \ كلياً بتركيز ذهني للمقابل الآخر \ المحور = الصحراء ، رغم الاستحضار المسبق لكن على ما يبدو بأن الغيمة عاقر، لأن موسمها الصيف بدلالة \ العطش الذي إجتاحهُ نفسياً .
أروّضكَ فرساً جموحاً ايتها الغيمة التي أدمنت الجدب
سأغنّي مواويل تمرّد حتى موسم الصقيع
لأنسكب عليك شلال نبيذ يذيب ثلج الخنوع
وأسكرك برعاف مطر الأماني
أعانق تخوم الندى مياسم في سماء الوطن
وأغفو فيستفيقُ أرق اللذّة حشود نماء
حينما أشمُّك عطراً فرنسياً وقِح الانتشار
أقبّل كل ما فيك وأجثو
بعد التدرج للخطاب أضحى الترويض في هذهِ الفقرة ملازمٌ لهُ ، كون الشيء ” مشاكس – شموس ” فالترويض هو أنجح التعامل مع الإنفلات الحياتي في تحليل الخطاب المنوه عنهُ الزاخر بالدلالات التي تماوجت بإسترجاع ” التدوير ” اللازم لهذهِ الرؤى ، وتكرار الأفعال ومصادمات الحروف والسكنات ما هي إلأ موسيقى نتحسسها – إيقاعاً يطربنا في تفعيل النشاط السيال للإستمرار بالحركة الآلية كي تتواصل في
ختام يرنو عليهِ – هي النشوة القُصوى من توظيفهِ القصْدٍي ربتما ، أفعال حياتية متحركة بفعل ما أو ما يقابلها من قرينة من التكوين للفكرة الطارئة أو الحدث برمتهِ ” أرضي ” تضجر منهُ وبنظرة عفوية كإستنجاد إلى السماء ولا مهرب منهُ ، فكانت الغيمة المعتمة التي توشك أن تنزل الخير على الجُدب – هي المثابة والبؤرة لقلب النصية من تسطحاتها وتقريريتها إلى عمق وسلاسة واضحة ، لهذا جاءت القصيدة مكثفة لإدخار نفسي متزن وقد حمْلَ القارئ مخيلة رطبة وطازجة رغم يبوسة المفردات ، حقاً لو لم يأتِ بـ مفردة ” إنهمري ” لما تحسس المتلقي أبداً بتصورهِ للغيمة الحُبلى بـ المطر \ العاقر بـ الصيف ، وكأنهُ ثقب بطنها فتسرب الماء منها | ذهنياً ، فشعرنا بـ الإرتواء ، وقد يتصورهُ القارئ بأن الشاعر \ جغرافي \ موظف أنواء \ فلاح مخضرم ، وإلا ما يهمهُ من غيمة سائرة \ عابرة \ يمتهن الجدل في مشاكستها ، لكن أرى هو الإنسان الذي تربطهُ بالعالم وعي الذات المعرفي بما يحيطُ بهِ :
أغنّي لكِ لحناً لايصلح الّا لانهمارات الوصال
إنتفضي إعصاراً… اجتاحي عنف مساحات التردّد
دعيني أعلن انتصاري بمراقصة الضوء
دعيني أقبّلُ فوهة البراكين لعلّها تكتسحني
أو أمنح الغبش منسأة داود …دعيني
أشربُ نُخبَ الممنوعِ فأنا رجلٌ عاش في صخب الممنوع
ايتها الغيمة المشاكسة امطري
فكل تراب بلادي يعيث فيه التصحر
بعد الوصول للمبتغى ” ذروة النشوة ” بفعل التمني الذي واكبهُ منذ مشهدية ” الغيمة ” إستبطان فكرة \ إستنطاق تلاشي ، من أن يزيح ما يراود مخيلتهِ من ” الهطول ” قصد الإرواء وبالطريقة التي أوصلتهُ بمراحلها وبأريحية في ضوء المتخيل اللحظوي ، المطلوب – عابر فوق سمة الرأس كـ فكرة عابرة ، لكنها تجلت وكشفت تأويلاً إنها التي تدور الرأس بجهات عدةٍ من التأمل لجذب عينة الإرهاصات التي سبقت الهطول ، هذا التأمل الذي فجر الإستحالة ، لأن المحفز قد أُملي عليهِ خرق العادة – إستمكان الإستحالة – فختم للغيمة مخاطباً ” أمطري ” يود من أن تدر عليهِ غيثاً يلثم تراب الأرض والأجواء المغبرة كي يروي هذهِ الصحراء الممتدة مدى البصر ، هو ذاك العطش النفسي الذي تتخللهُ بتلك البيئة الممتدة حتى إطراف القهر والمحل والإصفرار ، أعماق نفسِ شاسعة بصبرها وبطول الأمل المرتجى .
إجمالاً من أن النص مكثف ومزدحم دلالياً بأفعالهِ المتحركة التي زجها وناور بها على دراية وفق أدواته التي يستنجد بها في إستلطافات الرؤى المحبوكة لمسايرة الحدث الذي يترقبهُ – هطول الغيمة = الإنتشاء \ الفكرة – التهاطل – النشوة … كلها ” سيالة ” في تدفقها عن إجتراح الفكرة العيانية \ التقاط النظرة ، وعلى قول الناقد عبد العزيز موافي : ” العلاقات الفنية داخل المشهد ، تنحو بإتجاه الصراع بين التفكير الحسي والرؤية البصرية للأشياء ، حيثُ يوغل التفكير الحسي في صميم الأشياء ، بينما الرؤية البصرية إدراك خارجي عام ” ـــــــ هذا ما أردتُ قولهُ حقاً حين قِراءتي الأولى للنص : من أن الغيمة المشاكسة والتعاشق البصري الرؤيوي بين المتخيل اللحظوي والغيمة العيانية هي في جسد النص مبثوثة على شاكلة شيئين أو ُقل المعنى الكلي – هي الهموم أي هواجس تنتابهُ ثم تغادرهُ زمانياً ، كما هي العابرة بلحظة \ زمن \ تجلي – النطاق الحسي كما في إستعاراتهِ الثلاث التي وظفها – التجسيم \ التشخيص \ التجسيد ومن ثم الأنسنة ” المروضة ” بالنداء \ الإستغاثة \ الرجاء – هذهِ الدعوات للخطاب الذي تراء للمتلقي من الشاعر \ الرائي . إجمالاً ؛ تبقى لإشادة أخيرة – إشادة أولية ، نرى الشاعر شلال عنوز قد إقتحم المعترك ووصل درجة الإستصفاء والنضوج الشعري حيثُ أُتيحت لهُ مكانة متميزة داخل المشهد الأدبي في حواضرنا الرؤيوية ، لما يمتلك من أدوات مكنتهُ من السيطرة على مقودهِ التوظيفي في إستقطاب ما تختزن ذاكرتهُ من إلتقاط اليومي في ضوء عتمة مستديمة ممتدة إلى حافة الضجر التي سطرها على هذا البياض والذي سودهُ بخزين معرفي بديع .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"