تابعنا على فيسبوك وتويتر

مَساحَةُ لأسطرة الحَكيَ
” كركوك التي اُحب ” لـ فاروق مصطفى
عدنان أبو أندلس
ـــــــ من عنونتها تبان ذاتية – خصوصية لهُ ـ من ” أُحب ” لهُ وحدهُ دونما منازع ، لم يقلْ ” نُحب ” كي لايشركنا معهُ ‘ فالحبيبة لهُ وحدهُ – هذا ما إستنتجتُ من العنونة , حيثُ ” هي ” المساحة ” كركوك ” المدينة ، الذاكرة المكانية ، وأسطرة حكيها ” التي اُحب ” و سواءً منها ما يخزنهُ المحب للحبيبة ،هي – الثابتة | المتغيرة ؛ بوصفها خزين معرفي محفوظ في تلافيف الذهن منذ الصِغر ، تغور بعضها وربما تتناسى ما يلهج بها ، لهذا سطرتها أبداً ، لكن منها لهُ أحفورة في جدارعازل ربما لا تغيب ، هي أصلاً نشطة بإسترجاعها ، بديهاً ، هي تسلسل تتابعي ، تلاحقي ، بالمعرفة والقص والإستذكار ، هذا أي ” الإسترجاع ” الإستذكاري رصدتهُ عين ” الأركيولوجي ” فاروق مصطفى عبر أسطرهِ الدامعة ، بأسطرة المكان – البيئة ، للأحداث الماضوية ، وأخذنا عنوة إلى ” كركوك التي أُحب ” فكانت لقطات حقيقية راسخة في بؤرة محفوظة ، تختلف من شخصٍ لآخر ، ربما يوعز ذلك لسبب فسلجي ، بيئي – متوارث …
ــ هي عند الصغير أوفر حظاً من الكبير ، صفاء الذهن لهُ مردود إيجابي بإلتقاطها وسحبها فوراً .. معظم الأشخاص لهم قدرة إستثنائية بإصطيادها أي ” الصورة ” وما يتلوها من أحداث من خلال شحذ ذاكرتهم بخلوة آنية – طاقة متخيلة . إن أكثر ذاكرة الأديب المكاني” فاروق ” هي إضاءة الماضي- لما حدث – بعين الحاضر ، في منجزهِ الإبداعي رسماً \ تصميماً \قصْاً – حكاءَ – مروائياً – يضمُ من مروياتهِ مايفرحنا ويواسينا – ملهاة \مأساة – تراجيديا – كوميدياً – هذهِ العوالم التي رسخها ذهنياً ونقلها إلينا على ” أسطرة ” عوالمه الأثيرية في ” كركوك التي أُحب ” – آخر إصداراتهِ التي بنيت على محورين – الأمكنة الحميمة \ الأشخاص الفاعلة – والتي لاقحها معرفياً – هذا المتن الزاخر بالسيرة من حيث الشخوص الذين عاصرهم ، والأمكنة التي تسكع في حوافها ، هي تبدو قصصاً محكية تتناول في سردهِ ” التخيل الصوري ”
ـــ يستعيد من أقاصي الذاكرة وبوح الكلام ويسطرها في مساحة ” فكرة ” من الأشخاص : وحيد الدين – حمزة حمامجي – سنان سعيد – سيد نوزاد – جماعة كركوك – موشي بولص – السيدة الكركوكية ، ومثلها من الأمكنة المالوفة ” الأثيرية ” على قلبهِ والتي ساح بها ردحاً من زمن المُعافى حتى زمن القهر : جرت ميدان – كاورباغي – رأس السَاقية – محطة قِطار كركوك – شارع الأوقاف – قلعة كركوك – تازة وبساتينها – كهاريز كركوك – ا لمكتبة العصرية – مقبرة سيد علاوي – مكتبة يوجين – سوق القورية – مقهى شاكر – شارع المحطة – سوق القورية ، هنا ؛ للمتلقي أن يتوقف قليلاً ، ويرسم في بيان إحصائي – خطوط بيانية – لظهر لديهِ حقاً من أن ” فاروق ” أديب مكاني بإمتياز ، لأن عدد ” المكان ” هو ضعف ” الشخص ” المذكور في ذاكرتهِ ، لذا يساير أحدنا هذا السؤال : لِمَ يذكر فاروق هذا الحجم من إحصائية المكان ؟.. فالجواب ” رُبما ” كونهُ ” متَوحدْ ” مكانياً لأسطرة ” جرت ميدان ” قدْ ترسخت في اللاشعور ، فأحب كل الأمكنة إرضاءً لِحُبها .. هو المولع بإستذكارها حتى أضحى على قول الأديب ” نصرت مردان ” في مقابلة لهُ: بأن فاروق هو خريج” أكاديمية جُرت ميدان التراثية ” هي التي منحتهُ الشهادة الفخرية بإمتياز ، لأنهُ صدق بأحاسيسها وإمتهن القصمن زمن الحكي في تلك الزاوية المثخنة بزحمة الكلام والضجيج ” المقهى ” ، هذهِ الإحفورة” جُرت ميدان ” قدْ إستحكمها بأزميلهِ رغم صلادة الأرض ، لكن قوتهِ الذهنية ونشاط الوعي الطازج رغم عاديات الزمن البليد ، والمتسارع نقل لنا ما يرضينا ، ونحنُ نغوص في بقعتها ونستلذ بأمواه طعمها ، وحسب قول أحد النُقاد : ” النص الذي لا يحفر أثراً في الذاكرة غير جدير في إعادة مطالعتهِ ، من الأولى ركنهِ في خانة الإهمال ” فنصوصهِ حقاً سُطرت في كُتبِ نستعين بها في مكاتبنا ونشحذ منها ما يلائم بحوثنا من الحكايات المسرودة ، لاهثةً تجيء على ألسنة الذكريات ، هذهِ التي تكشف سرمدية نزعاتنا المبثوثة في رؤانا المشتتة بماضِ مات وتحنط وغداً رقيماً وشيئيات متخفية ركنها غيرنا بين الجدران لتكون ذكرى تطالعها الأجيال ولأناس عاشوا من زمن بعيد ، هذا ما ينقلهُ لنا مؤلف ” كركوك التي أُحب ” وكأنها خاتمة الكُتب وفق هذهِ العنونة – سياقياً – نصياً .. هذهِ النقلة قد ساقها أو قُل خطها على حائط دارية ” القلعة ” في مساحة ذاكرتهِ بأسطرتها – خيالاً – عياناً – وعياً – لاشعوراً – المهم خلدها لنا ، تلك الذاكرة الخصبة لعوالمهِ لا يمكن محوها – إزالتها من الهوس الجمعي لنا ، مهما أوتيت من قوة المحو القصدِي ، لأنها إحفورة راسخة أبداً .
ـــ هو الذي ” رأى كلُ شيء ” ومضى يسرد لنا عن رؤاهُ وأحلامهِ – العيانية – المتخيلة .. هو الذي دوزن الأحلام الجميلة من صباحات شارع المحطة ، وحاكى هناك كركرة العصافير البشرية اللائذة بشجرة الدُفلى ، مساحة الذاكرة لديهِ = كل النظرات المتجهه نحو الأماني التي نبتغيها ، الذاكرة عندهُ فيض وجداني زاخر بالتناول الحميمي مع الأشياء بشطريها – المادي \ المعنوي .. يؤنس الموجودات ، يستنطقها – يحاورها ، يؤنسها ، يؤنسنها ، لهُ من الجذب المكاني بتآلف ووئام حتى المندثرة منها ، وربما قدْ نواجه سؤالأ : ما الذي دعا الكاتب أن يسلك هذا الإسلوب من الكتابة دون أن يحيد إلى غيرهِ ؟.. قدْ نملك الجواب من خلال متابعتنا لسيرتهِ ، يمكن أن نصل إلى الخيط الذي نستدل بهِ عن مكنون ” الكاتب ” هو: من أن ” فاروق ” قدْ سمع حكايات وأساطير قدْ حفزتهُ للأسطرة التي نحنُ بصددها ، أو قد تأثر بكتاب الواقعية منذ نشأتهِ المبكرة بالكتابة وقرأ لـهم ، وأعتقد كان أولهم ” المنفلوطي ” قد رسخ وسقى الذاكرة أولاً .. ويمكن أن يشجعنا قول الناقدة الفرنسية ” مارغريت دوراس ” بأن ” الكتابة ولاشيء آخر ” تأثربها وناور بكتابتهُ في ذات السياق .
ــ هو الذي فهرس المدينة روحياً بإصداراتهِ التي تربو على الثلاثين إصدراً تتمحور في سخاء ورصد وتقصي للأمكنة المحببة ، حقيقة والحق يُقال : لم اسمع ولم يُخطرعلى البال من أن شخصاً أحب مدينتهِ بهذا الكم العرفي الذي حُملّ من ثراء بمحمولاتهِ الدلالية وبقدر ثرائهِ بالعلاقات المبانة منذُ نشأتها وحتى يومنا ، بهذا الكم المعرفي من رؤاهُ التي بثها من لواعج روحهِ غير المحب ” فاروق ” نعم وظفها في إصداراتهِ كُلًها وبعشرات المقالات في رسوخ تام لها ، شهقها روحاً حتى عشعش الحب الضوئي – مدينة النور والنار ، لهُ في كل رصيف عثرة وفي كل زقاقٍ عَبرة ، وفي كل رصيف عثرة .. يعلن عِشقها على رؤوس الإشهاد دون حذرٍ ، يرشُ عليها من بهارات خيالهِ كي يكون لها طعماً أخاذ لدينا ، أحبها على مدار الساعة ، مثلهُ مثل الشاعر ” قسطنطين كفافي ” الذي عاش في الإسكندرية ولهُ قصيدة إسمها المدينة ، قصيدة واحدة خلدت المكان ، فكيف للذي وظفها في المئات من العشق والتغزل والتمجيد والمؤاساة ؟.. كل هذا أوعزهُ بالحُلم الصاحي – اليقظ وكما في قول ” جاستون باشلار ” ” إن عالم الحُلِم يومئ لنا بالأغواء ” لستُ أدري كيف يموت ” المؤلف ” في منهجية ” رولان بارت ” ، وهو الذي حرك فينا وهجاً لا ينطفئ مثل فاروق ، أؤمن بالنظرية من خلال نصيتها فقط ، أما سياقياً ، فالأمر بهِ ليونة من حيث النشأة والسيرة ، فكيف يموت المؤلف وهو المحرك – السارد – الحكاء – الذي جعلنا نتوهج – ذاكراتياً ، هنا نأخذ قول د. عبدالله الغذَامي ” وهو الأرحب ” إن موت المؤلف يعني إنهاء المؤلف وحجب دورهُ نهائياً ، بقدر ماهي عملية تحرير النص من سلطة المؤلف ” هنا يمكن القول “: كيف يموت في السياقية التي ألفها حينما يموت ، يتلاشى كلُ شيء، تنهارتصوراتنا عنها ، لأنها اصلاً منصبة على ” التأويل والتحليل ” ومستمدة من شخصيتهِ ليس إلا ، كان ابتكار موت المؤلف خدعة ولكي يتحاشاها النقاد من المجاملة والحد من النزوع إلى الشخصية ، وترك ما في النصية والخروج عنها ” لجل الشخصية ” إبتكروا موت الؤلف في أحسن الأحوال التي هدأ الجدل من وقتها نهائياً .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “عدنان أبو أندلس : مَساحَةُ لأسطرة الحَكيَ.. “كركوك التي اُحب” لـ فاروق مصطفى”

  1. موشي بولص يقول :

    أَحْسَنْتَ أسْتَاذ عَدَْنَان….وَفيْتَ وَكَفَّيْتَ.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"