تابعنا على فيسبوك وتويتر

صديق العشاق
قصة: هدية حسين
اقتربت منه زوجته، مهموماً كان، نظرت إليه بعينين متساءلتين، شكا لها أن عمله ما عاد يسد الحاجة، وأن الشركة التي يعمل بها تنوي تسريح نصف العمال، وهو يفكر بإيجاد طريقة أخرى للعيش، لكن المشكلة أنه لم ولن يجد في ظل الأوضاع   التي تمر بها البلد.. ليست هذه هي المرة الأولى التي يشكو فيها، لكن الجديد هو التسريح الذي شمل كثيراً من الشركات في الأيام الماضية.
 قالت له بنبرات واثقة: لدي الحل.
نظر إليها مستفهماً، كما لو أنه يقول لها ولماذا أنتِ ساكتة؟ اقتربت منه أكثر وقالت:
ـ الحب بضاعة كاسدة هذه الأيام لكننا نستطيع أن نحييها بطريقة مبتكرة، سنبيع الحب، ولذلك علينا أن نؤجج تلك العاطفة المنسية ونعيد للحب توهجه، لأن الحروب أفسدت القلوب.. أتفهمني يا رجل؟
عقد ما بين حاجبيه وقال:
ـ ليس تماماً، ولكن ماذا عليّ أن أفعل بالضبط، وكيف نبيع الحب؟
ـ ألست رساماً؟ أريدك أن ترسم قلوباً حمراء لا تخترقها السهام، بل تحلق من حولها الفراشات، وأن تستحضر أغنيات من الأزمنة الجميلة التي ما عاد الناس يتذكرونها، لتنتعش ذاكراتهم فتتفتح قلوبهم للحياة.
ـ وماذا بعد؟
ـ أنت تعرف بأن صوتك جميل.
شعر بفخر وقال:
ـ هو كذلك.
ـ تأخذ بضاعتك وتجلس على ناصية الشارع، تغني تلك الأغنيات، عارضاً القلوب الحمر، وسيجتمع الناس، يستمتعون بالأغاني، ويحدقون بالقلوب التي تحلق من حولها الفراشات، وتدعي بأنك خبير بالحب.
مسّد شاربيه الكثين مبتسماً:
ـ ألستُ كذلك؟
ردت بعصبية:
ـ كلا، لست كذلك.
ـ هممممممم.
ـ لا تهمهم، بل اسمعني جيداً.. الناس منذ سنوات طويلة سقطت في الخواء وأتعبتها الحروب فتشوهت مشاعرها وما عادت تثق بالحب.. أنت بصوتك الرخيم، ورسوماتك المعبرة، ستعطيهم جرعة أمل، وبالتالي سيشترون تلك الرسومات بعد أن توحي لهم بأنها تعاويذ، تطهر أبدانهم من الأمراض، وتحفظ نفوسهم من التشوهات.
ـ هل تظنين أنهم سيصدقون بسهولة ويشترون هذه التعاويذ، ألا يعني ذلك بأننا نجانب الحقيقة ونبيع لهم الوهم؟
ـ وليكن .. نحن نستفيد وهم يعيدون الى قلوبهم وهج الحب حتى لو كان وهماً، ألم تسمع بمقولة ” لا شيء يؤذي الإنسان مثل الحقيقة، ولا شيء يُسعده مثل الوهم ” ؟
ـ عندك حق؟ وأزيدك هذه المقولة لدستويفسكي ” أحياناً لا يريد الناس سماع الحقيقة، لأنهم لا يريدون رؤية أوهامهم تتحطم” وفكرتك جيدة لكنها ناقصة.
ـ ما الذي ينقصها؟
ـ  نحتاج الى أن نجمع عدداً كبيراً من العبارات الحكيمة التي قيلت في الحب.
ـ إذن عليك بحكماء الحب فأنا لا أعرفهم مثلك يا حكيم.
**
قضى يوماً ونصف يوم، يبحث عما قيل في الحب، ليخرج بهذه العبارات:
قال جلال الدين الرومي:
“ما لمس الحب شيئاً إلا وجعله مقدساً”.
“الحب هو الجسر الذي بينك وبين كل شيء”.
“إن رأيت هذا الرأس مليئاً بالسعادة، ومتحمساً بالفرح، إعلم بأن أصابع الحب لامسته”.
واقتطف مثلاً ألمانياً ” الحب يرى الورود بلا أشواك”.
وذهب الى شكسبير “الزمن بطيء جداً لمن ينتظر، سريع جداً لمن يخاف، طويل جداً لمن يتألم.. لكنه الأبدية لمن يحب”
 خط العبارات على أوراق وردية وحمراء وسماوية، وإلى جوارها رسومات القلوب والفراشات المحلقة، واختار جداراً إسمنتياً ليعلق عليه بضاعته، في جانب من جوانب أحد الشوارع المكتظة بعبور المارة، ثم جلس وبدأ بالغناء الذي لم يعد يتذكره أحد.
في اليوم الأول توقف القليل من الناس بالقرب منه، يتطلعون إليه كشيء جديد لم يعتادوا على رؤيته، وأغلبهم من كبار السن الذين عاصروا تلك الأغاني، كان صوته عذباً وشجياً، والبعض الآخر جذبته المعروضات، فيما آخرون تخطوه كأنهم لم يسمعوا ولم يروا شيئاً، النساء هن الأكثر تحمساً وتحسساً للغناء وتعاويذ الحب،  شابات صغيرات حالمات، وأرامل ومطلقات،وعوانس مسكونات بروائح الرجال الغائبين، أقبلن على الشراء لعل القلوب تنشرح ومسارات الحظوظ تتغير.
ثم شيئاً فشيئاً، صار على الزوج أن يعمل ليلاً ونهاراً، واضعاً اهتمامات النساء في رأسه، باحثاً في بطون الكتب عما قيل في الحب من شعر ونثر وكلمات مأثورة، ومع كل ما فعل لم يكن مردود بضاعته كبيراً، فقد اكتشف أن أغلب الناس تنجذب لآلام الحب والفراق في الأغاني والقصائد أكثر من تلك التي تعطيهم جرعات من الأمل، وهم في هذه الحالة بحاجة الى محراث يحرك جمرهم الراكد في أعماقهم لتأخذ الأحزان وقتها ثم تنطفىء، مُفسحة الطريق أمام تجارب الحياة المفعمة بالأمل، لذلك اقتضى التنويع ليرضي الأذواق جميعها، فمضى الى العشاق المجانين، والواقفين على الأطلال، والى أغاني الجنوب الموغلة بالشكوى والتوجع، ويوماً بعد يوم ما عاد الرصيف يتسع لزبائنه، فنقل بضاعته الى إحدى الساحات، وصار شعار مهنته بيتاً من قصيدة للعباس ابن الأحنف، خطه على لافتة كبيرة:
وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى    ولا خير فيمن لا يحبُ ويعشقُ
وذاع صيته، وصاروا يطلقون عليه: صديق العشاق.. ولأن العشق ممنوع في زمن القحط، فقد واجه أمراً لم يخطر بباله ذات يوم، إذ توقفت ثلاث سيارات شرطة، ضربت طوقاً على الساحة، وألقوا القبض عليه بتهمة التحريض على الحب.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"