تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

الفصل الثاني
الصورة الشعرية

توطئة
………………..

الصورة واحدة من المرتكزات الأساسية ، لتحقيق الإبداع في العملية الشعرية ، فالشعر على حد قول الجاحظ ” صناعة وضرب من النسج ، وجنس من التصوير ” (1) ، كما أنّها مكوّن أساسي من مكوّنات بناء القصيدة الفني ، فهي بمثابة الروح والحياة لها (2) .
إنّ الصورة الشعرية ” هي الأداة التي تتربّع على سائر الأدوات الشعرية ، فبحضورها أو غيابها يحكم على هذا الكلام الذي نسميه شعرِاً ؛ لأنّ تحويل القيمة الشعورية إلى قيمة تعبيرية يتم بواسطتها ” (3) .
ولا تخفى العلاقة الوثيقة بين اللغة والصورة ، فإذا ما إستخدم الشاعر اللغة إستخداماً فنياً معبّراً عن تجربته الشعرية ، كانت الصورة هي ” الوعاء الفني للغة الشعرية شكلاً ومضموناً ” (4) ، فالصورة ” وسيلة تفجير بنائية اللغة بها يكون الشاعر خالق لغة ” (5) ، ولكي يحقق الشاعر ذلك يلزمه الإحاطة باللغة والوقوف على إمكانياته في التعبير والتصوير لاسيما إذا علمنا أنّ الحس اللغوي على جانب كبير من الأهمية في التجربة الشعرية التي لا تولد إلاّ عبر اللغة ( 6 ) .
ولمّا كان الشعر كباقي الفنون يمتاز ” بقوّة الإيحاء وهو ما يتضمّنه من معنى خفي إلى جانب المعنى الظاهر ” (7) ، ولأجل تحقيق التأثير في المتلقي عبر هذا العنصر المهم – الإيحاء – الذي يعمل على نقل النص من المباشرة والتقريرية إلى أوسع الآفاق ويرسم الحد الفاصل بين النص اللغوي العادي ، وبين النص الشعري الإبداعي (8) ، وجب أنْ تكون الصورة الشعرية صورة إيحائية وليس تقريرية وتسهم ” في خلق جو معيّن تقوم فيه بالإيحاء بدل التقرير ” (9) .
إذن يمكن القول أنّ ” جمال الشعر وكماله ليس بمطابقته للواقع ونقله بحرفيته ، بل بما فيه من إيحاء يزخر بشعور الفنان وعاطفته ” (1) ، كما لا يمكن أنْ نعد الصورة الشعرية نوعاً من الزينة أو الزخارف الخارجية للشعر ، ” بل أنّها جوهر فن الشعر ، فهي التي تحرّر الطاقة الشعرية الكامنة في العالم والتي يحتفظ بها النثر أسيرة لديه ” (2) .
وتتجلّى قيمة الصورة الشعرية في الكشف عن العالم الآخر – عالم الشاعر الداخلي – ومعنى ذلك ” أنّ الصورة الشعرية ليست حدثاً طارئاً على شعور الشاعر ، وأنّما هي نابعة من داخله وتموّجات ذاته ” (3) ، فهي ” تعبير عن حالة نفسية معينة يعانيها الشاعر إزاء موقف معين من مواقفه مع الحياة ” (4) ، أو بمعنى آخر ” هي العبارة الخارجية للحالة الداخلية ” (5) .
وإذا حاولنا التعرف على الوسائل التي يستخدمها الشاعر في صنع صوره الشعرية وجدنا أنّ المجاز يأتي في مقدمة هذه الوسائل ، فالبلاغيون إتّفقوا على أنّ المجاز ” أبلغ من الحقيقة وأنّه يلطّف الكلام ويكسبه حلاوة ويكسوه رشاقة ” (6) لذلك عدّ المجاز في الشعر ” الأداة الكبرى من أدوات التعبير الشعري ” (7) ، ولا غنى للشاعر عنهُ ؛ لأنّ الشعر من غيره ” يصبح كتلة جامدة ، ذلك لأنّ الصور المجازية جزء ضروري من الطاقة التي تمد الشعر بالحياة “(8) .
وبالرغم من أهميّة المجاز في خلق الصورة الشعرية فإنّه لا يمكن في الوقت نفسه إغفال الواقع كمصدر آخر تمتاح منهُ الصورة الشعرية إذ ” كل صورة توحي بأكثر من معناها الظاهر ولو جاءت منقولة عن الواقع ” (9) .
هذا يعني أنّ المهم في الصورة ليس الوسيلة وأنّما إستيعابها لتجربة الشاعر فهي تمثّل ” جوهر الشعر و أداته القادرة على الخلق والإبتكار ، والتحوير والتعديل لأجزاء الواقع ، بل اللغة القادرة على إستكناه جوهر التجربة الشعرية وتشكيل موقف الشاعر من الواقع ،وفق إدراكه الجمالي الخاص ” (1) .
ولا يمكن لي وأنا تحدّث عن الصورة الشعرية إلاّ أنْ أشير إلى أثر الخيال في تشكيلها بوصفه مصدرا ًمهمّاً في رفد الصورة الشعرية بالحياة ، وتكمن أهميّته في أنّه ” يلبس الفكرة لغة جذّابة ” (2) ويتمكّن من تحقيق الإندماج والتفاعل بين مدركات الحواس والشعور واللاشعور ، فهو كما يقول كولردج : ” تلك القوة التركيبية السحرية التي تشيع نغماً وروحاً يمزج ويصهر الملكات إحداها بالأخرى ، هذه القوة التي تكشف عن نفسها في توازن الصفات المتنافرة وإشاعة الإنسجام بينها ، إنّه حالة عاطفية غير عادية وتنسيق فائق للعادة ” ( 3) .
ومن خلال هذا القول يتبيّن للباحثة ضرورة توافر عنصر الخيال في التعبير الشعري إذ ” من الصعب تماماً خلو الشعر من عنصر الخيال ، وإلاّ غدا كلاماً مبتذلاً لا قيمة له ” (4) ، ذلك أنّ الخيال ” هو روح الفن وجوهره وميزته الرئيسة ” (5) ، ولكنّه يتوقّف في الوقت نفسه على مقدرة الشاعر وشاعريته التي تصنع الخيال (6) .
من هنا يتّضح لي ومن خلال ذلك أنّ الصورة هي ” أداة الخيال ووسيلته ومادته الهامّة التي يمارس فيها ومن خلالها فاعليته ونشاطه ” (7) ، والضرورة تقتضي القول أنّ الصورة الخيالية لا تخلو من العاطفة ، وذلك لأنّها – كما يقول ريبوت – ” الخميرة التي لا يمكن تصوّر عملية الإبداع بدونها ” (8) .
وعلى وفق ذلك فالصورة ” هي تلك التي تعرض تركيباً ناشئاً من فكر وعاطفة في لحظة زمنية ” (9) ، وهي بذلك ” تعكس ما يحس به الشاعر من إمتزاج بين الفكرة التي يريد التعبير عنها والعاطفة التي تضيف إلى الواقع ما تضيف ” (10) .
وطبقاً لما تقدّم من حديث عن الصورة الفنية ، يمكن لي أنْ أقول فيها ” هي لوحة مؤلّفة من كلمات أو مقطوعة وصفية في الظاهر لكنّها في التعبير الشعري توحي بأكثر من الظاهر وقيمتها ترتكز على طاقتها الإيحائية ” (1) .
وبعد هذا العرض سأقوم بقراءة شعر عيسى حسن الياسري للتعرّف على مدى نجاح الشاعر في خلق الصورة الشعرية ، إعتماداً على الوسائل البلاغية التي إتّكأ عليها .

المباشرة التقريرية :
………………………..
مّما لا شكّ فيه أنّ الصورة الشعرية ” أداة تعبير ، وما دامت أداة تعبير فهي أمّا أنْ تكون فاعلة أو غير فاعلة ، موظّفة أو غير موظّفة “(2) ، وهذا يعني أنّ بعض الصور الشعرية قد يجنح إلى المباشرة والتقرير ، وهي ” بهذه البنية ، تفتقد الحرارة ، وبهذا الفقد تنحسر الحياة في القصيدة ، ويتراجع النص ؛ لأنّها تغادر الروح الشعري الذي يقوم على أساس الإيحاء ” (3) ، الأمر الذي يخلق حاجزاً بين الشاعر والمتلقّي ، فينعدم التأثير والإستجابة . وهذا ما يظهر في بعض صور الياسري الشعرية في مجموعته الشعرية الأولى – العبور إلى مدن الفرح –, 1973 ، هذه المجموعة التي فرضت عليها – نكسة حزيران – ظلالها الحزينة , وانفعالاتها الموجعة التي جعلت من الشاعر يقدم موضوعه الشعري على تقنياته الفنية وتشكيل صوره الموحية , والظاهرة –الحزيرانية – هذه لم تؤثر على ما انتجه هذا الشاعر حسب بل تأثر بها الكثير من شعراء تلك المرحلة ومنهم الشاعر – نزار قباني – سيما في قصيدته – هوامش على دفتر النكسة – وغيرها من القصائد التي جاءت مغرقة في مباشرتها وشعاريتها التي تقلل من بنائها الشعري , يقول الياسري في أحد نصوص مجموعته الشعرية الأولى – العبور إلى مدن الفارح – :
كيف أقولُ لكم
إنّي مخبوءٌ في أهداب مدينتكم ؟
وبإني آتيكم ليلاً
أحرس شرف – الأردن – ..
أغسل نهديْ – عمّان – بدمي
وأطهّر شفتيها من رغوةِ
أفواهِ – الإبل – المسعورة ْ
فأنا مشنوق من زمن الهجره
يتمزّق جسدي
وتسافر بلطات – البدو – بأوردتي
جاء الموتُ
ظهرت في الأفق المتشنّج سحبُ الطاعون
زخّتْ مطراً أسودَ
فأصيبت نسوان – الوطن العربي – بعقم الأرحامْ
ظلت عارية ً أجسادُ الأعوام
لم نخجل وخرجنا نتّزر خرقا ً
كان يجفّف فيها موتانا عرق الخيل(1) .
يرثي الشاعر في هذه القصيدة ( عمّان ) ، إحدى المدن العربية التي عانت آثار الهزيمة ( هزيمة حزيران ) ، حيث الحصار والإغتراب، الذي أفرزته الهزيمة ” (2) .
ومن الملاحظ أنّ النص عبارة عن مجموعة من الصور التي تبث بثّاً مباشراً حيث تبدأ القصيدة بسؤال إستفهامي ( كيف أقول لكم ) موجّه الى أهل مدينة ( عمّان) ، ثم يجيب على هذا السؤال إجابات متعدّدة ، فيقول ( إنّي مخبوءٌ في أهداب مدينتكم ) و ( إني آتيكم ليلاً ) و ( أحرس شرف الأردن ) ، ثم ينتقل إلى الحديث عن نفسه ، فيقول : ( فأنا مشنوق من زمن الهجره ) ، بعدها ينتقل الى الحديث عن الموت الذي لحق بأهلها ، فيقول : ( ظهرت في الأفق المتشنّج سحب الطاعون ) و ( زخّت مطراً أسود ) ، ثم يتحدّث عمّا أصابهم بعد هذه النكبة ، فيقول ( أصيبت نسوان – الوطن العربي – بعقم الارحام ) ، و ( ظلّت عارية أجساد الاعوام ) .
ومن الملاحظ على هذه الصور ، هو غياب عنصر الشعرية والإيحاءوالإستغراق في التقرير، وفقدان التوغّل في داخل الاشياء ، مبتعداً عن كل صدى للإيقاع الداخلي في بناء القصيدة، وهي غير قادرة على التأثير في نفس المتلقّي ، ومن هنا فإن عدم قدرة القصيدة على نقل تجربة الشاعر دلالة على ضعفها فنيّاً لأن غاية الشاعر ، هي نقل تجربته بإطار فنّي يهز كيان المتلقّي .
ويقول في قصيدة ( الراقص والإسطوانة ) :
تشرّب الوعد أغانينا .. وأحلام المدينهْ
وطنٌ يولد في الحزن .. وأصقاع الجليد ْ
إنّني الحامل أوزار التواريخ .. و أصفاد العبيد
فإمنحيني مرةً صوت الحقيقهْ
ليرى وجهي الذي يلبس صحراء التوابيت طريقه
********
أتداعى إذ تدور الاسطوانهْ
ويدور الراقص المصبوغ بالالوان ِ حتى القدمين
يثقل الرأس فينساه السكارى
فارغاً بين الزجاجات .. وأعقاب السجائرْ
وطني أنت الذي يغرق في قاع الضمائر
وطني المطعون في الظهر بأسياف الخلافهْ (1)
يطرح الشاعر في هذه القصيدة الفكرة أو الموضوع نفسه الذي تناوله في النص السابق ، علماً أنّ هذه التجربة لا تتكرّر في هذه القصيدة فحسب وأنّما في أغلب قصائد مجموعته الشعرية الأولى ( العبور إلى مدن الفرح 1973) ، ” ذلك أن موضوعات الياسري واحدة: المدن العربية المستباحة بعدوان حزيران .. وعدوان الأنظمة العربية الجائرة . مدن تقتل بنيها ، وتتذلّل للغرباء ، مدن هجرها أبناؤها ” (2) ، مّما يفقد أغلب نصوص هذه المجموعة العمق والتجدّد . فلو عدنا إلى تحليل هذا النص ، لوجدنا أن الشاعر يطالب بعودة المدن العربية المستباحة ، وهذه المدن تتّضح بقوله :
هذه المرأة – عمّان – وتلك- الناصرة –
ها هم أطفال – طيبة –
يقرأون الحزن َ في باب – المواكبْ –
يسألونَ الخيلَ عن درع المحارب (3) .
من الواضح وجود عنصر المباشرة التقريرية في هذا النص ، فهي تؤكّد رغبته بالإفصاح التام عن كل تجربته الشعرية، وغياب عنصرالإيحاء ، فلو تأمّلنا جمله الشعرية : ( يثقل الرأس فينساه السكارى ) ، ( فارغاً بين الزجاجات وأعقاب السجائر ) ، (يدور الراقص المصبوغ بالألوان حتى القدمين ) ، ( أتداعى إذ تدور الإسطوانة ) ، سنجدها هي ومثيلاتها داخل النص تخلو من الجماليّة الإيحائية ، والعمق الدلالي ، فجعلت القصيدة باردة لا حرارة فيها .
ومن الجدير بالذكر أنّ الشاعر في هذه المجموعة ( العبور إلى مدن الفرح ) يميل الى ” الى المباشرة والوعظ ، اللذين افترشا أغلب قصائده ، حين وقف فيها عند مشارف الحكمة القديمة التي تقول ..إنْ لم تلخّص تجربة القصيدة كلّها ، مختزلة ظلالها النفسية والواقعية ، فهي تؤكّد رغبته بالإفصاح التام عن كل تجربته مرّة واحدة ، ربّما هو إنقياد لثقل تجربة تتصاعد بإستمرار، وربّما هو سقوط في الخوف التقليدي من وقوف القارىء عند الحدود البعيدة للتجربة ، ولكنّه بالنسبة لنا يعكس بشكل واضح ضعفاً في قدرته على الإحاطة بكل تجربته إحاطة قادرة على أنْ تجعل منها عجينة ، يصنع منها قصيدته حسب إمتدادات رؤاه ، ومن هذا أيضاً جنوحه الى الإكثار من إستعمال ” أن ” التوكيدية كمعادل لرغبته القوية في تأكيد صوته كشاعر يرى ما لا يرى إليه غيره ، حتى أنّ عبارته في بعض الأحيان تظل تتأرجح بين المباشرة والكثافة .. ولكن إستغراق الشاعر في تجربته ونضوجها ، وإمتلاكه لأداته الشعرية مع مرور الوقت ابتعد به عن المباشرة ، وقربه من التعبير بالحدس في مجموعاته الشعرية اللاحقة “(1) .
لقد شكل عيسى حسن الياسري صوره الشعرية بعدّة وسائل ، لعلّ أهمها :
أوّلاً : الصورة التشبيهية .
ثانياً : تبادل المدركات .
ثالثاً : تراسل الحواس .
رابعاً : الرمز .
وسأحاول أنْ أستعرض بشيء من التفصيل كل واحدة من هذه الوسائل في الصفحات التالية :
أولاً : الصورة التشبيهية :
………………………….
التشبيه هو: ” الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى “(1) ، وهو بذلك يستدعي ” طرفين مشبّهاً ومشبّهاً به وإشتراكاً بينهما من وجه وإفتراقاً من آخر مثل أنْ يشتركا في الحقيقة ويختلفا في الصفة أو بالعكس ” (2) .
أمّا الصورة التشبيهية فهي التي ” يتجسّم فيها المعنى على هيئة علاقة بين حدّين ” (3) ، وهي تتطلّب من الشاعر رؤية عميقة الى الأشياء بمعنى أنْ تكون الصورة التشبيهية نابعة من داخله ومعبّرة عن حالاته النفسية ومشاعره وإنفعالاته وليس الوقوف عند حدود المقارنة الخارجية التي يقدر عليها الانسان غير الشاعر ، ” وهذا هو واقع الصورة التشبيهية ، إذ أن سموّها ينعقد عند نقطة تمثلّها داخلياً ” (4) ، وكلما أتّسعت الفجوة المخلوقة ( أو المكتشفة ) كانت الصورة أعمق فيضاً بالشعرية وأكثر ثراء بها ” (5) ، وكان قد ذهب الى ذلك من القدماء عبد القاهر الجرجاني عندما قال : ” وهكذا إذا إستقريت التشبيهات ، وجدت التباعد بين الشيئين كلّما كان أشد ، كانت الى النفوس أعجب ، وكانت النفوس لها أطرب ، وكان مكانها أنْ تحدث الأريحية أقرب ” (6) .
إذن يمكن القول أنّ التشبيه ” محاولة بلاغية جادّة لصقل الشكل وتطوير اللفظ ، ومهمّته تقريب المعنى الى الذهن بتجسيده حيّاً ، ومن ثمّ ينقل اللفظ من صورة الى أخرى على النحو الذي يريده المصوّر ” (7) .
وهو ” مبني على ما تلمحه النفوس من إشتراك بعض الاشياء في وصف خاص يربط بينها “(8) .
وعند قراءة شعر عيسى الياسري يمكن أنْ نلمح العديد من الصور التشبيهية حيث لا تكاد تخلو منها واحدة من قصائده .
ومنها قوله :
تلك السنوات تظلّلُ نافذتي كستائر داكنة ٍ
إنّي أ ُبعدها بعض الشيء لأراكْ (1)
إعتمد الشاعر في هذه الصورة التشبيهية على طرفين أحدهما غير حسّي وهو المشبّه ( السنوات ) ، والآخر حسّي وهو المشبّه به ( ستائر ) وقد قام الشاعر بتحويل التجريدي الى المحسوس ، وهذا المحسوس يتمثّل بالستائر ، أمّا عن إسم الإشارة ( تلك ) فيحدّد هوية السنوات التي يشير إليها الشاعر ، ” وهي على الأرجح تلك السنوات المتعاقبة بعد سنوات السعادة . لقد إنجدلت خيوط تلك السنوات وصارت سميكة , داكنة اللون – منسدلة على النافذة . وملقية بظلالها الثقيلة عليها . لكن أيّة نافذة ؟ إنّها – كما يبدو – نافذة الروح ” (2) .
لقد تمكّن الشاعر من تقريب هذين الطرفين المتباعدين أو الغريبين عبر تشخيص المشبه ، مّما أضفى على النص السمة الفنية الموحية فضلاً عن الكثافة الدلالية .
وكذلك قوله :
التجاعيد غزت القلب
والأحلام تتغضّن كجباه قدامى الفلاحين ” (3)
ويجمع الشاعر في هذا النص بين طرفين متباعدين ، هما المشبّه ( الأحلام ) وهو مشبّه معنوي غير حسّي ، والمشبّه به ( جباه قدامى الفلاحين ) وهو مشبّه به حسّي ، وحاول الشاعر أنْ يضفي على الأحلام خاصية تشخيصية ، أي خاصية حسيّة وأنْ يُبيّن لنا ” أنّ الزمن الخؤون أصاب أحلامه بتقادم العمر فطالها منه ما طال قدامى الفلاحين حتى غدت هاتيك الأحلام متغضّنة تغضّن جباههم . ولا ريب أن القلب هو مرتع الأحلام ، وإذا غزت التجاعيد القلب ، فالغضون تغزو الأحلام ولكي يصوّرلنا الشاعر مآل هذه الأحلام الشابة وبلوغها خريف العمر، ماثلها بأمارات الشيخوخة التي تظهر على جباه الفلاّحين بصورة تجاعيد أو غضون ” (4) .
وبذلك تمكّن الشاعر من خلال هذا التشخيص من تقريب المشبّه من المشبّه به وتكثيف الدلالة مّما أضفى على النص بعداً جمالياً تجاوزت فيه الألفاظ دلالتها المباشرة إلى دلالات أكثر إيحائية .
وإذا كانت العلاقة في النصين السابقين قد تمّت بين طرفين أحدّهما غير حسّي والآخر حسّي فإنّها في النص التالي تتم بين طرفين حسيين ، فلنستمع إليه وهو يقول:
كورق الصفصاف في أيلول
إذ يركع للريح الخريفية
أنحني أمام حزنك الجليل (1) .
إعتمد الشاعر في هذا النص على العناصر الحسية لطرفي التشبيه ، فالمشبّه ( الشاعر حسّي ، والمشبّه به ” ورق الصفصاف ” حسّي أيضاً ، لكنّه إستطاع من خلال رؤيته الشعرية الخاصّة ، أنْ يقدّم صورة تشبيهية حسّية جمالية مؤثرة من خلال تشخيص ( الحزن) .

” أراد الشاعر أنْ يصوّر لنا كيف أنّ هذه الاوراق القوية [ ولنلاحظ أنه إستخدم صيغة الجمع – ورق – وليس – ورقة ] والعنيدة تركع للريح – أي تنحني , برغم قوّتها وإجتماعها , لكنّها تركع لنوع من الريح – هي الريح الخريفية ذات الصفير . وهذه الأوراق ( المشبّه بها ) تشبه ( المشبّه ) من حيث قوّة عوده وإستقامة جذعه , لكنّه لا يستطيع إلاّ أنْ ينحني أمام حزنها الجميل وهذا الحزن كالريح قوّة لأنّه جعله ينحني ” (2)
لقد تمكّن الشاعر ، بتشخيص الحزن ، من خلق إيحاء جمالي في النص ، حيث أنّ التشخيص جعل الحزن مساوياً للريح في قوّتها ، فتحوّل وجه الشبه من الإنحناء بمعنى الذل والإنكسار الى الإنحناء بمعنى الإجلال والإكبار .
وإذا كانت تشبيهات الشاعر في النصوص السابقة قد إرتقت الى أفق الخيال والرؤية الشعرية العالية ، إلاّ أنّ بعض صوره التشبيهية ظلت معتمدة على العلاقة الخارجية لأطراف التشبيه دون الدخول الى مكنونها الداخلي .
ومن هذه الصور قوله :
أيّ نعاسٍ هذا المتكسر فوق العينين
الصافيتين كنبع
الهادئتين كنبع
والراكضتين كنبع
أيّ نعاسٍ هذا (1)
كما هو واضح في هذا النص أنّ الشاعر إعتمد في رسم هذه الصورة التشبيهية على العلاقة الخارجية بين طرفي التشبيه المشبّه ( العيون ) والمشبّه به ( النبع ) الحسيين ، وهي مقارنة أو مقاربة لا تحتاج الى تأمّل كبير من قبل المتلقي لكي يكتشفها ، ذلك لأنّ التشبيه ” يجب أنْ يكون غير ملاحظ أو يلاحظ بشكل ضعيف من قبلنا كي يكتسب تأثير الإكتشاف ” (2) .
فأي ميزة فنيّة في تشبيه العيون بالنبع ، فهو تشبيه متداول في حياتنا اليومية ويتمكّن منه الإنسان العادي غير الشاعر ، لذلك وجدنا أنّ هذه الصورة ضعيفة ؛ لأنها خالية من الإيحاء الشعري الذي يمنح النص طاقة جمالية .
ومثله قوله :
إنّني أعترف الآن بأخطائي
فأنتن شهيات كما بطيخنا الجنوبي
كلبن الأبقار في بدء ولادات صغارها
كجسد الراعية المنقوع في رائحة القطيع
أنتن شهيات (3)
من الواضح أنّ عناصر التشبيه في هذا النص هي عناصر حسية ، فالمشبّه مقصود به هنا كما هو واضح من ضمير المخاطب لجماعة الإناث هو ( نساء المدن ) وهو مشبّه حسّي ، والمشبه به هو ( بطيخنا الجنوبي ، لبن الأبقار ، وجسد الراعية ) وهي أوصاف حسية .
وقد بقيت الصورة التشبيهية تدور ضمن حدود هذه الأوصاف الحسية المتداولة في المجتمع الريفي ، دون أي محاولة لخلق صورة ذات ميزات فنيّة أو جمالية تكشف عن عمق دلالي في النص ، فالصورة التشبيهية هنا لا تتجاوز حدود المقارنة والتقريب .
ثانياً : تبادل المدركات :
وهي وسيلة من وسائل تشكيل الصورة الشعرية وتعني ” منح المعنويات صفات الماديات ، أوالماديات صفات المعنويات ” (1) .
ويحدث ذلك عبر وسيلتين ، الأولى : هي التجسيد ” الذي يعني تقديم المعنى في جسد شيئي أو نقل المعنى من نطاق المفاهيم الى المادية الحسية ” (2) ، بمعنى آخر التجسيد هو ” تحويل المعطيات المجرّدة الى معطيات حسية ووضعها بتصرّف الحواس وتحت سيطرتها التامة ” (3) ، ويتميز التجسيد الإنساني بأنّه ” الحيلة الفنية الوحيدة التي تلغي التناقض بين العام والخاص في البناء الشعري ” (4) ، فلا فرق بين مظاهر الطبيعة وصفات الإنسان في تشكيل صورته الشعرية .
أمّا الوسيلة الأخرى : التشخيص ” الذي ترتفع فيه الأشياء إلى مرتبة الإنسان مستعيرة صفاته ومشاعره ” (5) ، بمعنى آخر تقوم هذه الوسيلة ” على تشخيص المعاني المجرّدة ، ومظاهر الطبيعة الجامدة في صورة كائنات تحس وتتحرك وتنبض بالحياة ” (6) .
إذن يمكننا القول إنّ تبادل المدركات بوسيلتيه ( التجسيد والتشخيص ) من الوسائل المهمّة في خلق الصورة الشعرية سواء في ذلك تمثيل مظاهر الطبيعة أو المعاني الذهنية أو المشاعر المجرّدة . ما دامت تخضع ” لإحساسات ( ميتافيزيقية ) ، تلتقطها العين الداخلية للشاعر ، محوّلة إيّاها خلقاً جديداً لموقع خاص مستمد من الإنفعال وإعادة تردّده ثانية في حالة الطمأنينة والهدوء ، لتكون درجة الإنفعال قابلة للتمثيل الصحيح ومنظمة لسيادة الشعور الواحد “(7) .

وبعد قراءة القصائد الشعرية للشاعر تبين لنا أنّه لا يكتفي بإستخدام إحدى الوسيلتين وأنما يلجأ الى توظيفهما معا ً في خلق أو تشكيل صوره الشعرية .
فلنستمع الى قوله :
دخلت المدينة ليلا ً
كأي صغير تجاذبه الخوف ، والدهشة المبهمهْ
فقد تكبر الأرض
يكبر نزف القلوب الشريدة
لكنّني واحد تستعيد الطفولة أسماءها عنده كل عام ٍ
فيا شجر الملح ِ قد أثمر الحزن فينا
وما هبتِ الريح
كان المساء على – الوطن العربي – سيفا ً ، وصخرة (1)
يُعبّر الشاعر في هذه القصيدة عن داخل القروي المسافر في أحشاء المدينة المجهولة ، فالياسري ” واحد من هؤلاء الشعراء القرويين الذين عاشت المدينة في مخيلتهم ، عالماً محيّراً ، مدهشاً 00 وواصلت الرحيل في حقائبهم ” (2) ، وقد واجهها بالحزن ( حزن الهزيمة ) ، والخوف منها ” ومن نسائها الجميلات ، ومن المخبرين ، ومن القرية التي إنحدر منها ، والتي لم تعد تعرفه ” (3) .
وقد شخّص الشاعر ( الخوف ) بالفعل ( تجاذب ) ، في قوله ( كأي صغير تجاذبه الخوف ) ، وجسّد الحزن بالفعل ( أثمر ) في قوله ( قد أثمر الحزن فينا ) ، ومنح المساء تجسيداً بقوله ( كان المساء سيفاً وصخرة ) ، فعكسا التشخيص والتجسيد شعوره بالخوف والحزن والإغتراب ، فالفعلان ( تجاذب ) و( أثمر ) يشيران الى شدة حزنه وخوفه من المجهول ( المدينة ) ، وقوله ( كان المساء سيفاً وصخرة ) يعكس الهزيمة التي تقبع في أعماقه كالصخرة ، كحجرٍ ثقيل ٍ قاس ٍ .
وإذا كان الشاعر قد سلك أكثر من سبيل في رسم صورته الشعرية وذلك بإستخدام ( التجسيد والتشخيص ) في النص السابق ، فإنه فعل الشيء نفسه في هذا النص ، فنراه يقول :
تأتين يوم موتي القريب
أرملة ً تلبس حزن الريح
ترفع لي أهدابها علامة التلويح
تمارس الحب معي في الليلة الأخيرهْ
خلف ستار الخوف فالعشيرة
يرعبها أنْ نلتقي في الشمس
فلتطرقي فوق جدار الليلْ
فربما يوماً يجيء السيلْ (1)
يخاطب الشاعر في هذه القصيدة المدن العربية المستباحة بعد هزيمة حزيران ، مشبّهاً إيّاها بالمرأة الأرملة ، ومجسّداً حالة الحزن والخوف التي تعاني منها ، راثياً من خلالها الواقع المظلم الذي يعيشه الوطن كلّه . فهي مدن ملكية ، تعاني الإستغلال والتسلط .
وقد شخّص لنا ( الحزن ) بالفعل ( تلبس ) ، ومنح ( الخوف ) تجسيداً بقوله ( خلف ستار الخوف فالعشيرة ) ، فعكسا التشخيص والتجسيد حالة الحزن والخوف التي تلبسها هذه المدن .
وبعد هذه الصورة الحزينة التي رسمها الشاعر ، ينتقل الى التعبير عن تفاؤله بمجيء الثورة ، فيهتف قائلا ً :
فلتطرقي فوق جدار الليل
فربّما يوماً يجيء السيل (2)
مجسّداً الليل بقوله ( فوق جدار الليل ) ، ليكشف عن يقينه بمجيء الثورة .
ومن هنا نجد أنّ لتبادل المدركات الأثر الكبير في تشكيل صوره الشعرية النابضة بالحياة والمعبّرة عن إحساساته الداخلية .
وقد يلجأ الشاعر في تشكيل صوره الشعرية الى تشخيص وتجسيد الطبيعة متّخذاً منها وسيلة لنقل أحاسيسه ومشاعره الداخلية عبر التفاعل بين مظاهرها الطبيعية الخارجية والحالات الشعورية الداخلية للشاعر ، حيث يقول :
أكان عليك الليلة
أنْ تتذكّر لون جديلتها .. خبز يديها الساخن
خفق عباءتها ..
وهي تسارع تحت المطر الغاضب حتى لا تبتل ثيابك
آه لو أنّكَ ما كنت عرفت بأن العالمَ أكبر مّما تظنْ
آه لوأنّكَ ما كنت عرفت الحزنَ
*********
إذ يسقط في الطرقات الثلج .. وتبكي الريح (1) .
هذه القصيدة تتحدّث عن الجنوب أو القرية ، عن ذكريات الشاعر فيها متّخذاً من المرأة رمزاً لهذا الجنوب ، ولا شكّ أنّ المرأة لديه ليس لها وجود حقيقي بل هي بعض من ذكرياته عن الجنوب ، أو أنّها في أحسن حالاتها أكبر تجسيد لهذا العالم ( الجنوبي ) وهي بلا شك من أبرز رموز الشاعر .
منح الشاعر ( المطر )تشخيصاً بقوله ( تحت المطر الغاضب ) ، ليصف لنا مطر القرية الذي لغزارته وقوّته يكون كالرجل الغاضب تعبيراً عن غضبه وإستيائه ، وشخّص الحزن بالفعل ( عرفت ) ، والريح بالفعل ( تبكي ) ليكشفا عن إحساسه بالخيبة لمغادرته الجنوب ( القرية ) والهجرة الى المدينة ، ومّما يؤكد شعوره هذا لومه لنفسه وتقريعها بقوله :
آه .. لو أنّك ما كنت عرفت بأنّ العالم
أكبر مّما كنت تظنْ
آه .. لو أنّك ما كنت عرفت الحزن (2) .
هكذا كانت الطبيعة بمظاهرها الطبيعية الخارجية متفاعلة مع الإحساسات الداخلية للشاعر ، ومشاركة إيّاه في آلامه لأنّه – كما يقول كولردج – ” تصير الصور الخارجية أفكاراً ذاتية ، وتصير الأفكار صوراً خارجية فتصبح الطبيعة فكرة والفكرة طبيعة ” ( 1)
ونقرأ أيضاً في قصيدته ( العشق في طليطلة ) :
أنتم النائمون تحت السماوات 00
تنقلب الأرض يوماً
وتأتي النجوم مخضّبة ومضها بالدماء
تتساقط في حفر الليل ، فوق حوائط وجهي
أنتم النائمون تآكلكم صدأ الأرض ،والعملة الزائفهْ
يشرب الليلُ أمطارهُ
ويظلّ النهار ضميئاً الى الخبز ،
والأرض حاملة ً عريها ، والخطى الخائفهْ (2)
يُعبّرالشاعر في هذه القصيدة عن الهزيمة التي لحقت بالمدن العربية ، نتيجة تقاعس أهلها في الذود عن حياضها، وقد إتّخذ من تشخيص وتجسيد مظاهر الطبيعة وسيلة للتعبير عن ذلك . فقد منح النجوم تشخيصاً بقوله ( النجوم مخضّبة ومضها بالدماء ) ، ومنح الليل تجسيداً بقوله ( تتساقط في حفر الليل ) ، وتشخيصاً بالفعل ( يشرب ) ، ومنح ( النهار ) تشخيصاً بقوله ( ويظل النهار ضميئاً ) ، كما منح الأرض تشخيصاً بقوله ( والأرض حاملة ً عريها ، والخطى الخائفة ) .
فكوّنا التشخيص والتجسيد صورة شعرية متفاعلة مع المظاهر الخارجية للطبيعة للتعبير عن القتلى الذين تساقطوا في ذلك اليوم الذي هُزمت فيه المدن العربية ورمزها ( طليطلة ) ، فهو يرى في مدننا الحاضرة ( طليطلة ) ، التي ضيّعها أهلها ؛ لأنّهم تخاذلوا في الدفاع عنها .
من خلال ما تقدّم ، فإننا وجدنا صوراً شعرية ً حيّة ً تنبض بالحياة وتفصح عن قدرة الشاعر التي مكّنته من ربطها بأحاسيسه الداخلية من خلال الإعتماد على تبادل المدركات .
ثالثاً : تراسل الحواس :
………………………………

يعدّ مفهوم تراسل الحواس وسيلة أخرى من وسائل تشكيل الصورة الشعرية ” يتشكّل إطاره العام من أنّ الحواس الخمس حاسة السمع وحاسة البصر وحاسة الشم وحاسة اللمس وحاسة الذوق تتكاتف فيما بينها في أداء وظيفتها التي هي نقل مظاهر عالم المحسوس الى العقل “(1) .
وبمعنى آخر هو ” وصف مدركات كل حاسّة من الحواس بصفات مدركات الحاسّة الأخرى ، فتعطي المسموعات ألواناً ، وتصير المشمومات أنغاماً ، وتصبح المرئيات عاطرة 00 ” (2) .
ويعمل التراسل بين الحواس على خلق صور شعرية ذات ملامح جديدة تتناسب مع إتّساع رؤية الشاعر التي تجعل ” اللغة ، بعلاقاتها الإعتيادية غير قادرة على حمل الإحساسات التي يثيرها حدث ، أو موقف ، أو جو ” (3)
وعند تأمّل شعر عيسى حسن الياسري ، نجد قسماً من قصائده الشعرية ، قد إعتمدت على هذه الوسيلة الصورية المبنية على تراسل الحواس . فلنستمع إليه وهو
يقول :
إنّي أجلس في حضرتك الليلة َ
تثقلني أخطائي
وأنين الرغبات المقتولة في صدري
أعرف أنّكِ حذّرت هذا القلب المذعور
بألاّ يحلم بالشمس .. وبالأفق الأزرق َ .. والأغصان (4)
فالرغبة مدرك حسّي غير سمعي ، تتحوّل بفعل تراسل الحواس الى مدرك سمعي في قوله ( وأنين الرغبات ) ، وقد يشعر المتلقي وجود تنافر بين هاتين الكلمتين خارج النص ، ولكنّهما داخل النص أكثر إيحاءً وتعبيراً عن الحالة النفسية للشاعر ، لاسيما وأنّ الشاعر أراد أنْ يعبّر عن شدّة رغباته في حضرة المرأة ( الحبيبة ) .
وإذا كان الشاعر يحدّثنا عن رغباته في حضرة الحبيبة ، فإنّه في هذه الأسطر التالية يتحدّث عن الحب في غياب حبيبته فيقول :
متى تقبل عن بعدٍ هبة عطرٍ
يركض نهر دمي لملاقاتك
أهدابي لعناقك
ويقبّل قلبي قلبك (1)
1- الحيوان ، ت : عبد السلام محمد هارون ، 3 : 132 .
2- ينظر : الصورة الشعرية ، سي – دي لويس ، تر : د . أحمد نصيف الجنابي و مالك ميري وسلمان حسن إبراهيم : 20 .
3- رماد الشعر: 224 .
4- مستقبل الشعر وقضايا نقدية ، د. عناد غزوان : 116 .
5- الصورة الشعرية ، وجهات نظر غربية وعربية ، د. ساسين عساف: 32 .
6- ينظر : دراسات نقدية في النظرية والتطبيق ، محمد مبارك : 32 .
7- النقدالجمالي وأثره في النقد العربي ، روز غريب : 95 .
8- ينظر : ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب ، مقاربة بنيوية تكوينية ، محمد بنيس : 165 .
9- البحث عن معنى ، دراسات نقدية ، د. عبد الواحد لؤلؤة : 68
1- الصورة في شعر بشار بن برد ، د. عبد الفتّاح صالح : 75 .
2- نظرية البنائية في النقد الادبي: 356 .
3 – شعر عبد القادر رشيد الناصري ، دراسة تحليلية فنية ، د. عبد الكريم راضي جعفر : 231 .
4- قضايا النقد الادبي بين القديم والحديث ، محمد زكي العشماوي : 108.
5- أصول النقد الادبي ، أحمد الشايب : 250 .
6- الطراز ، يحيى العلوي : 8 .
7- اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي ، محمد مبارك : 171 .
8- الشعر كيف نفهمه ونتذوقه ، إليزابيث درو : 59 .
9- تمهيد في النقد الحديث ، روز غريب : 203 .

1- الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي ، مدحت سعد محمد الجبّار : 6 .
2- موسوعة المصطلح النقدي ( التصوّر والخيال ) ، ر. ل . بريت ، تر : د. عبد الواحد لؤلؤة : 17 .
3- الشعر والتجربة ، أرشيبالد مكليش ، تر : سلمى الخضراء الجيوسي : 53 .
4- تطور الشعر العربي الحديث في العراق ، د. علي عباس علوان : 37
5-الصورة الفنية، ميخائيل أوفسيانيكوف ، م . افاق عربية ، تر : د. علي عبد الأمير صالح ، ع 6 ، 1994 : 48 .
6- ينظر : أسفار في النقد والترجمة ، د. عناد غزوان : 86 .
7- الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي ، د. جابر أحمد عصفور : 18 .
8- في الرؤيا الشعرية المعاصرة ، أحمد نصيف الجنابي : 131 .
9- آفاق في الأدب والنقد ، د . عناد غزوان : 31 .
10- الصورة الشعرية ، د. أحمد مطلوب ، م . المجمع العلمي ، ع 46 ، 1999 : 29 – 30 .

1- تمهيد في النقد الحديث : 191 .
2– دير الملاك : 265
3- رماد الشعر : 302 .
1- العبور الى مدن الفرح: 65 – 66 .
2- ينظر: في الذاكرة الشعرية : 133 .
1- العبور الى مدن الفرح : 71 – 72 .
2- الغابة والفصول ، طراد الكبيسي : 385 .
3- العبور الى مدن الفرح : 76 .
1 – العبور الى مدن الفرح ، عبد الرزاق المطلبي ، م. الأقلام ، ع 6 ، 1974 : 88 .
1- التلخيص في علوم البلاغة ، الخطيب القزويني : 238 .
2- مفتاح العلوم ، السكاكي : 157 .
3- الصورة الفنية في الشعر الجاهلي ، د. نصرت عبد الرحمن : 10 .
4- رماد الشعر : 291 .
5- في الشعرية: 47 .
6- أسرار البلاغة : 109 .
7- الصورة الفنية في المثل القرآني ، دراسة نقدية وبلاغية ، د. محمد حسين علي الصغير : 167 .
8- البلاغة والتطبيق ، أحمد مطلوب ود. كامل حسن البصير: 268 .

1- صمت الأكواخ : 18 .
2- كاف التشبيه في ( صمت الأكواخ ) ، د . عبد الواحد محمد ، م . آفاق عربية ، ع 4 ، تمّوز – آب 1997: 71 .
3- صمت الاكواخ : 59 .
4- كاف التشبيه في ( صمت الأكواخ ) : 71 .
1- صمت الأكواخ : 29 .
2- كاف التشبيه في ( صمت الأكواخ ) : 71 .
1- أناديك من مكانٍ بعيد: 32 .
2- الصورة الشعرية : 27 .
3- شتاء المراعي : 95 – 96 .
1 – رماد الشعر : 232 .
2- الصورة الفنية في شعر أبي تمّام ، د. عبد القادر الرباعي : 168 .
3- الصورة الشعرية ، وجهات نظر غربية وعربية : 63 .
4- شعرنا الحديث إلى أين ، د. غالي شكري : 194 .
5- الصورة الفنية في شعر أبي تمّام : 169 .
6- عن بناء القصيدة العربية الحديثة ، د. علي عشري زايد : 80 .
7- رماد الشعر : 232 .
1- العبور الى مدن الفرح : 7-8 .
2- الغابة والفصول : 383 .
3- م . ن : 384 .

1- العبور الى مدن الفرح : 64 .
2- م . ن : 64 .
1- سماء جنوبية : 21 – 22 .
2- م . ن : 21 – 22 .

1- النقد الأدبي الحديث ، محمد غنيمي هلال : 414 .
2- العبور الى مدن الفرح : 26 – 27 .

1- بناء الصورة الفنية في البيان العربي ، موازنة وتطبيق ، د. كامل حسن البصير : 427 – 428 .
2- النقد الأدبي الحديث : 418 .
3- رماد الشعر : 244 .
4- المرأة مملكتي : 92 .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"