تابعنا على فيسبوك وتويتر

أدافع عن المدينة وعن العلم
يحدثنا الكاتب عن روايته القادمة، بين السخرية والميتافيزيقيا والعلوم
(نشر هذا الحوار في جريدة الوطن الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية، في عدد يوم السبت المصادف ٣٠ حزيران ٢٠١٨، في ملحق فنون وآداب)
يحاوره: وليد بوشاقور
ترجمة: سامي عادل البدري

بعد الجاذبية، روايتك الجديدة مبنية على مبدأ الصدفة. هذه بداية سلسلة علمية؟
حدّثت نفسي قائلاً بأنه، ما دمت كنت قد تكونت تكويناً علمياً، وكنت دوماً منجذباً للميتافيزيقيا، فعلي أن أتعمق في هذه المجالات. استندت رواية (الحمار الميت) على الجاذبية، التي يصفها العلماء بأنها (نحّاتة الكون). فتكثيف الغاز وتكوين الكواكب، وما يجعل الأشياء تسقط، أو تنهض، كل ذلك من وراءه الجاذبية. الرواية الثانية، (بالاك)، التي من المقرر لها الصدور في أيلول، تعالج موضوع الصدفة. سر كبير، يعرفه العلم لكن لم يفسره بعد. إن الصدفة هي التي تسيّر عالمنا، لكنها تظل خارج متناولنا. الرواية الموالية ستعالج موضوع الطاقة، هذا الشي الغير قابل للتصديق الذي لا يمكننا لا تدميره ولا خلقه، لكنه هنا في كل مكان. الرواية الرابعة ستكون حول موضوع اللاشعور، مسألة كبيرة من مسائل العلوم العصبية. أخيراً ستستند أخير رواية في هذه السلسلة على الحلم والموت. نظريتي هي أن الموت هو حلم لا نرجع منه. لو سارت الأمور بشكل طبيعي، فعلى هذا الكتاب أن يتصادف مع موتي أنا! (ضحك)

هذا الكتاب عن الصدفة، أليس هو أيضاً رواية عن زمن اللايقين؟

يصل كل التقدم الاجتماعي والسياسي اليوم الى طريق مسدود. البلدان المتطورة مثقلة بالديون، والديمقراطية وصلت إلى طريق مسدود بانتخاب الدكتاتوريين وصعود جماعات الضغط (اللوبيات)… بعد أن قلنا ذلك يجب أن نقر بإن الصدفة لها تأثير أقل في البلدان المتطورة مقارنة بما لديها من تأثير عندنا. نحن في الغموض الفني، لا ندرك كل أبعاد الأمور، فنصوغ قواعد ليس لها نسبة ثابتة، ولا نقوم بتطبيق حلول منطقية… يتبقى لنا أن نلجأ للدعاء لكي نخرج من المشكلة، أو أن نذهب لرؤية الراقي أو الشوّاف. هذا هو أساس الكتاب، لكنه قبل ذلك يتعلق بقصة ما. هنالك طائفة من عابدي الصدفة، فيقوم مدير الطوائف في وزارة الشؤون دينية بإقتفاء آثارهم. ويجب أن أقول هنا أن هذا المنصب موجود فعلاً. هي نفس المصلحة التي تكفلت بتوقيف متبعي (الأحمدية)، و(الكركرية)، والآخرين.

وما هو أمر طائفة الـ(زاهِرون)؟

في الرواية، هذه طائفة تجاهر بأن الصدفة، هي الرب. حينما نصلي لكي ننجح في البكلوريا، أو من أجل أن نرزق بطفل، فإننا نتوسّل إلى الصدفة. يقوم أتباع هذه الطائفة بالتجمع في المرشات العمومية لحي (باب جديد) حول (زاهير الكبير). زاهير هذا هو نظير ما لـ(لورنس فيشبورن) في (ماتركس): رجل طويل يرتدي سترة طويلة من الجلد، ويحمل في كل يد نرد من لون مختلف. ثم يقع أحد أتباع هذه الطائفة في الحب. حسناً، لن نحكي كل الرواية هنا…

 تريد هذه الطائفة أن تقضي على النظام برميات نرد. هل هذا تلخيص جيد؟

بشكل مختصر، هذه هي. لماذا لا نستخدم الصدفة لقلب نسق قائم. بدلاً من الإذعان للصدفة، فإن هذه الطائفة تريد أن تأخذ الصدفة بالحكم. فلكل واحد من أفراد هذه الطائفة نرد، وفي أعلى هذا النرد نرى زهرة. للتذكير فإن كلمة صدفة باللغة الفرنسية، (هازار hasard)، أصلها عربي* وهو (زهر)**، الذي يعني كذلك زهرة، وكذلك يشير لكوكب ڤينوس بالعربية. وتجد تصريفات أخرى كثيرة. نفس اللفظة تعني الحظ في الإسبانية، لكنها تعني سوء الطالع في البرتغالية. في اللغة الإنجليزية، نجد لفظة (هازارد hazard) تعني الخطر، قليلاً مثل كلمة (بالاك) في الجزائرية. بالاك تعني إحذر! لكنها تعني أيضاً (ربما)، و(تنحى عن الطريق). عندما تكون الصدفة هناك، فكل شيء ممكن الحدوث، إذن حذاري، هناك خطر! أخيراً، فإن لفظة (أزار) في البربرية تعني الأصل، الجذر. هي نفس الكلمة التي استخدمها المصريون للإشارة للإله أوزيريس، وأوزيريس هو النطق اليوناني للفظ (أزار). كل ذلك ربما ليس بصدفة. أو بالأحرى بلى، فهذا الإله قد يكون الصدفة عينها.

أليست المدينة هي مكان الصدفة بإمتياز؟

كلما كان هناك أشخاص أكثر، كلما ازدادت الاحتماليات. أتكلم في الرواية عن ذلك. في الريف، تصير الصدفة محدودة. إذا أكل ذئبٌ دجاجة، فلم يكن ذلك بالمصادفة. ذلك لأن الدجاجة هي الأضعف. بعكس ذلك، إذا هاجمك أحدهم في الشارع، أو إذا عثرت على محفظة مليئة بالنقود، فذلك لما يرجع إلا لحظك. في المدينة، هنالك عدد أقصى من المصائر ومن الأنشطة التي تتقاطع. ربما يكون سكان المدن هم أول من يؤمن بالصدفة.

تمثل الجزائر العاصمة فضاءك المفضل. إن مقاربتك تختلف عن مقاربة الإنجذاب-النفور التي كثيراً ما نجدها لدى روائيينا. مسألة أجيال؟

إن ثنائية الإنجذاب-النفور هذه أتت من تأريخ بعيد عن تاريخنا الحالي. لا يحب البربر المدن. ففي المدن تسلب هوية الشخص بسهولة، وقد يتم مهاجمته بشكل غير محسوس. في الريف، لديك بيت كل ٤٠٠ متر! هذا يسمح بتجنب سوء الطالع. دائماً ما يحذر الناس من المدن. أفهم كل ذلك، لكني في الوقت نفسه، قد ولدت في الجزائر العاصمة. أدافع عن المدينة الممقوتة من الجميع (بمن فيهم العاصميين أنفسهم)، وأدافع عن العلم، الذي يتعرض بدوره للرفض كذلك. الجزائر العاصمة، هي قبل كل شيء، تأريخ. تتذكر هذه المدينة وصول الرومان، والبيزنطيين، والأتراك، والفرنسيين… نجد أنفسنا في هذه المدينة أمام البحر، لكننا ندير ظهرنا له لأننا نعرف أن المشاكل تأتي من هناك. في الوقت نفسه، نجد ثمة روحاً هنا. بين القرن الثاني عشر والسابع عشر، كان كل العالم يريد المجيء هنا: الهولنديون، المالطيون، الإيطاليون… الجزائر العاصمة، كانت نيويورك! لكنني لست أعاني من الحنين للماضي. ما زلت أحب الجزائر العاصمة. الحنين للماضي هو للضعفاء. هنالك نوع من الإكتئاب يدفعنا إلى البحث عن ملجأ هنالك في زمن طفولتنا الشخصية. المدينة تتغير وذلك طبيعي.

موضوع آخر تفضله: الحب. إنك تصف أزواج العشاق الصغار الذين يحاولون عيش حبهم البريء… هذا أيضاً وجه آخر للجزائر العاصمة، أليس كذلك؟

هنالك القدر العامر من قصص الحب التي تولد في الجزائر العاصمة. يطرد أزواج العشاق من قبل الشرطة ومن قبل كبار السن (الذين كانوا يوماً ما شباباً لكنهم لا يريدون أن يتركوا الشباب يعيشون حياتهم). لكن، رغم ذلك، من السهل أن نلتقي بالجزائر العاصمة حيث أن هناك ميزة أن الناس لا تعرف بعضها البعض، ما يسمى بالـ(غفلية Anonymat)، وهناك نوعاً من (الحداثة). في الرواية، يلتقي (بالاك) و(ليديا) في باص. يبدءا بالنقاش حول موضوع الصدفة. ليس لليديا الحظ، فتقول في داخل نفسها بأن هذا الرجل الشاب المرح قد ينقل لها شيئاً من الحظ. هي مهتمة. ينتهي بالاك إلى أن يطلب رقم هاتفها. تجيبه: كوّن رقماً بالصدفة. فإذا كان لديك الحظ، سوف تعثر على عليه…

تصف مجتمعاً مسكوناً بالشك. فهل إن النظر للجزائر العاصمة على أنها مدينة دوغمائية، يسود فيها الجزم بالعقائد، هي نظرة خاطئة؟

بالضبط. حين ننظر لها من الخارج، نكون إنطباعاً أن الجزائر هي قراءة واحدة للسياسة، وقراءة واحدة للدين… بينما الحقيقة هي، أنه حتى في داخل الإسلام، هناك المئات من الملل التي تختلف في الكثير من الأمور. ونجد تنوع آخر في الجزائر. الأمور تتحرك هنا، هنالك حركة، وما يخلق الصدفة هي الحركة. أو أن الصدفة هي التي تخلق الحركة. تعال وأفهم!

علمنا أن رواية (الحمار الميت) سوف يتم تحويلها إلى فلم. كيف تقرر ذلك؟

بالصدفة! كتبت (الحمار الميت) قبل أربع سنين. إذن، بالمبدأ، فهذا الكتاب قد وصل إلى نهاية مسيرته. ومن ثم، أعلمني الناشر أن عبداللطيف كشيش، مخرج فرانسي-تونسي، يريد تحويل الرواية إلى فلم. ما حدث أنه وجد رواية (الحمار الميت) بين يديه يوماً ما، فقرأها في ليلة واحدة، وقرر أن يقتبسها. إنها حياة ثانية للرواية. سيكون من المحتمل أن يكون الإقتباس حر جداً. أتخيل أن ما يهمه هو ثلاثي الشخصيات، وجانب (ذا رود موڤي Road movie)*** الذي تكتنفه.

صرنا نراك أكثر في السينما مؤخراً. هل هذه مهنة تحرص عليها بشغف؟
مرة أخرى، حدث هذا مصادفة. اتصل بي صديق لكي أمثل في فلمه الأول (الأيام الخوالي Les jours d’avant)، للمخرج كريم موسوي. بعد ذلك، وأيضاً بالصدفة، كانت زوجة أحد المخرجين الفرنسيين، وهي جزائرية، تشاهد هذا الفلم، فمر زوجها من خلال الصالون، ثم توقف ورجع للصالون ليقول لها: (أريد ذلك الشخص هناك). كنت ألعب دور أب قاس شيئاً ما، شرطي في فترة عشرية الإرهاب****. كان )فيليپ فوزون Philippe Fauson) يجمع طاقمه وكان يبحث عن صفات خاصة لمن يجسد أب بطلة فلمه. وهكذا وجدت دوري في (فاطيمة Fatima)، سيزار أفضل فلم سنة ٢٠١٦. كنت مسروراً بأن أشارك في المهرجان، مرتدياً البدلة الرسمية، وكل ذلك. ثم عملت في (أنتظار السنونوات En attendant les hirondelles)، مع موسوي، وعرضوا الفلم في )كان Cannes). والآن أقوم بالتمثيل في فلم من النوع الوثائقي-الخيالي، لحسن فرحاني. أحب حقاً أن ألعب دور الممثل. فذلك يسمح لك بقضاء عطل في الفنادق، عندك سائق، يحيطك كل من حولك برعاية حثيثة، لا يزعجك شخص… وفوق ذلك يدفعون لك نقوداً. أن تكون ممثلاً هو شيء جيد بشكل مفرط.

أنت تكتب كذلك سيناريوهات، أليس كذلك؟
منذ سنين يعطونني سيناريوهات لأراجعها. لنقول أن هذا عمل (سكرپت دوكتور Script Doctor)*****. وكتبت أيضاً سينايوهات خاصة بي. زد على ذلك، حتى رواياتي كتبت قليلاً كسيناريوهات. كثيراً ما يلومني ناشري على ذلك. إنها عبارة عن فعل، ثم حوار، ثم فعل، ثم حوار… لكن بمواضيع مثل موضوعة الصدفة، يجب أيضاً أن ننمي الجانب الميتافيزيقي، التاريخي، أو العلمي… أنا منبهر بكاتب مثل خورخي لويس بورخس، الذي يستطيع كتابة هامش يطول إلى أربع صفحات، حيث يأخذ القارئ بطريق جانبي بين المصادر الحقيقية، ومصادر أخرى مختلقة بشكل كامل. هذا ما تفعله دائرة الإستعلام والأمن، الـ(دي. آر. أس DRS)****** مع الصحافة. فيعطيك مصدر ما ملفين حقيقيين والثالث كاذب. كان بورخس سيصلح أن يصير عنصراً أمنياً ناجحاً. بورخس، الدي. آر. أس. ! بورخس، الدي. آر. أس! (ضحك).

*وهذا أيضاً ما ينص عليه قاموس لاروس الفرنسي
**ما زالت في اللغة العامية الجزائرية يقال (زهر) للإشارة للحظ، أو للصدفة، وفي اللغة العامية العراقية يقال (زار) للنرد.
*** ذا رود موڤي، أو فلم الطريق، هو نوع من الأفلام الأمريكية التي تجري أحداثها على قارعة الطرق المنعزلة، يكون أبطالها مشردين وضائعين في مساحات فارغة، وتكون عادة نهاياتهم مأساوية.
****وهي عشر سنين امتدت في تسعينات القرن العشرين في الجزائر.
*****يستخدم المصطلح الأنجليزي في اللغة الفرنسية كذلك، وترجمته الحرفية (طبيب المخطوط)، ويعني به من يقوم بمراجعة سيناريوهات الأفلام ويصححها وهي مهنة لها أشخاص مشهورين أختصوا بها.
******الكثير من الدوائر الحكومية في الجزائر لها أسماء طويلة مكونة من ثلاثة كلمات أو أكثر، فيقومون باختصارها بالأحرف الأولى للكلمات المكونة لاسم الدائرة باللغة الفرنسية، فهنا مثلاً يكون اسم دائرة الاستعلام والأمن في اللغة الفرنسية هي Département du Renseigment et de la Securité ، وبالتالي يصير إسم الدائرة ببساطة D.R.S. ، أو الدي آر أس.  

عن شوقي عماري:

بعد دراسته وتخصصه في علم الجيولوجيا، صار شوقي عماري روائياً، وكاتب قصص قصيرة، وكاتب حوليات في جريدة الوطن الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية. هو أيضاً مراسل، ورسام كاريكاتير، ورسام كتب، وممثل، وكاتب سيناريو. قابلناه في شقته في الجزائر العاصمة، محاطاً بمنحوتات من ابتكاره، وهو يعمل على مؤلفته الموسيقية القادمة على البيانو. نعم إن شوقي عماري هو كذلك عازف، ومؤلف موسيقي، وفنان تشكيلي. إن هذا الرجل ذو الشباب الأبدي، الذي قد تكون على النشاط السياسي على أرصفة أوكتوبر ١٩٨٨، نجده في الحياة كما على دكة المسرح، حرفيّ جزائري تغذى على ما وجده في الأوساط الشعبية من مزاح ووقاحة. يكلمنا عن روايته القادمة (بالاك): قصة طائفة تنشأ في الجزائر العاصمة من عابدي الصدفة. سوف تصدر في سبتمبر القادم من منشورات (برزخ). يبتهج الروائي مقدماً بتقديم هذه الرواية في صالون الجزائر للكتاب القادم، هذا الحدث الفريد الذي يجذب أكثر من مليون زائر من مختلف الأماكن ومختلف المشارب.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"